"فخري" العثماني

"رصاصة" العذاب الأخير

عانت المدينة النبوية ما عانته البلدان العربية كافة تحت وطأة الاحتلال التركي العثماني طوال أربعة قرون من الزمان تقريبًا، وكانت فترةً كبيسة من التاريخ العربي؛ مارس الأتراك خلالها أشد أنواع الظلم والتعسف واستنزاف الخيرات. ولم يكتف التُّرك في كثيرٍ من الأحيان بظلم الولاة والإهمال المُتعمَّد، إنما كانوا يكملون عقد هذا الظلم بارتكاب الجرائم والمجازر والاستباحة الكلية.

تداول الأتراك السلطة في الدولة العثمانية حتى وجدوا أنفسهم في زِحام الدول المتحاربة خلال الحرب العالمية الأولى؛ باعتبارهم أحد أطرافها الأضعف خلال الفترة (1914-1918م)، وكانت بمنزلة الكفن الذي لُفَّت فيه هذه الدولة بتاريخها الطويل لمثواها الأخير، وراحت تركتها تتشكل على هيئة قوى جديدة وتقسيمات إقليمية. ولم يُزجُّ بالعثمانيين في هذه الحرب إلا بهدف أن يتلقوا رصاصة الرحمة الأخيرة، كي لا تكن مصدر إزعاجٍ للقوى الجديدة، التي ثبَّتت أقدامها في أجزاءٍ عدَّة من حدود الدولة العثمانية.

عذبوا المدينة النبوية بتعيين "القط" التركي

ومنذ بداية الحرب والدولة العثمانية وحزبها “الاتحاد والترقي” الحاكم خلال تلك الفترة؛ تُهرول لحماية حدودها من الأطماع والسيطرة البريطانية والفرنسية، حيث بدأ الحلفاء الزحف على أراضيها الشرقية؛ لذا أراد الأتراك استغلال العاطفة الدينية لدى مسلمي الشَّرق باعتبار نفوذهم على الحرمين الشريفين في الجزيرة العربية، وكانت من المناطق المهمة والحساسة بالنسبة لهم، حتى لا تسقط من يدها، وخاصةً الحجاز؛ لأنه بانفصالها ستفقد مكانتها الدينية المزعومة، والورقة الرابحة لها في كسب العاطفة في العالم الإسلامي.
ازداد القلق التركي من مسألة المحافظة على المدينة المنورة وتقوية حاميتها؛ فارتأى وزير الحربية أنور باشا ووالي الشام جمال باشا زيارة المدينة، ووصلاها في 27 ربيع أول (1334هـ) الموافق 2 فبراير (1916م)، كي يقفا على الأوضاع فيها، ومدى إمكانية صمودها أمام عمليات عسكرية متوقعة، لذا أرسلا فيلقًا بقيادة وكيل والي الشام عمر فخري باشا، بهدف تعزيز دفاعات المدينة من أي تحرك أو ثورة ضدهم، غير أن ذلك لم يكن معلنًا بشكلٍ رسمي، إنما جاء بحجة التفتيش على الحامية العسكرية، ووصل فخري باشا المدينة المنورة في 31 مايو (1916م)، لتولي قيادة قوات الحامية العثمانية فيها بعد أن مُنح صلاحيات واسعة.

عمر فخر الدين تركخان باشا
(1285-1367هـ
1868-1948م)

المرجع: فريدون قاندمير، الدفاع عن المدينة (آخر الأتراك تحت ظلال نبينا صلى الله عليه وسلم)، ترجمة: مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، (المدينة المنورة: د.ن، د.ت).
ولد ببلدة روسجق من سواحل نهر الدانوب في أوروبا، والده محمد نادر بن عمر آغا عسكري في الجيش العثماني، كما كان مديرًا للبرق والبريد، عمر فخري باشا كغيره من العسكريين تخرَّج من المدرسة الحربية في إسطنبول، وعُرف عنه التفوق؛ باعتباره كان الأول على دفعته العسكرية، وكانت له مشاركات عسكرية في ميادين عدَّة، حتى رُشِّح سنة (1326هـ/1908م) وكيلاً لرئاسة أركان حرب الفيلق الرابع، كذلك عُيِّن في الوقت نفسه رئيسًا لمحكمة الإدارة العُرفية للتحقيق في التمردات في الجيش، وعين بعدها رئيسًا لأركان الحرب للفرقة النظامية الأولى. وبعد أن دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى كان فخري قائدًا للفيلق الثاني عشر في سوريا، ورُقيّ إلى رتبة باشا، ثم رُشِّح وكيلاً لجمال باشا لقيادة الجيش الرابع في سوريا.
المرجع: فريدون قاندمير، الدفاع عن المدينة (آخر الأتراك تحت ظلال نبينا صلى الله عليه وسلم)، ترجمة: مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، (المدينة المنورة: د.ن، د.ت).

المذبحة الأولى

"الساقط" في العوالي

في أول مواجهة عسكرية بين قائد الحامية العثمانية فخري باشا والعرب حول المدينة المنورة في بعض الأودية والقرى القريبة، هاجم فخري باشا حتى وصل إلى بساتين العوالي، وكانت المواجهة الحقيقية الأولى حين أطلقت حاميته نار مدفعيتها على البساتين، وقتل في هذه المواجهة كثيرون، حتى الذين استسلموا لقوات فخري أطلقت عليهم المدفعية، وراح يوجه مدفعيته على القرى المحيطة، التي لجأ إليها بعض العرب، وعمد إلى إرهاب من فيها حتى كبار السن من النساء والأطفال، الذي قتلوا تحت قصف المدفعية التركية بعد أن أحرقت منازلهم، واشتعلت النيران بجثث القتلى الذين كانوا يحاولون الفرار من وابل نار مدفعية فخري.
قام فخري باقتراف جريمة إنسانية ضد الآمنين في العوالي، باعتبارها أول جرائمه ضد أهالي المدينة المنورة، إذ لم يرعَ الرابطة الإسلامية ولا الإنسانية ضد كبار السن من النساء المقعدات اللاتي لم يستطعن الحركة، ولا الصغار وفجيعتهم جراء هذا الإرهاب، الذي كان بحجة القضاء على الثوار العرب.
وهذه جريمة ليس للتاريخ أن ينساها ولا يغفرها أو يجد لها مُسوِّغًا مهما كان، وليؤكد فخري باشا جريمته، يروى على لسان أحد المشاركين العراقيين في هذه المواجهة العسكرية مع الأشراف؛ أنَّ فخري خدع مجموعةً كبيرةً ممن جاءوا له مستسلمين من أهالي القرى في العوالي، وما أن عادوا إلى قُراهم؛ حتى أمر قواته بالاقتحام، وقتل كل من يصادفهم من الأهالي، لذا وصل عدد القتلى إلى المئات، أكثرهم من الآمنين نساءً وأطفالاً من غير الرجال المُسالمين الذين طلبوا منه الأمان.
يصف أحد الضباط العرب المشاركين في مواجهة العوالي الصدمة التي أصابت العرب المحاربين للأتراك، بأنه ليس من قواعد العرب انتهاك حرمة النساء أو قتلهن، وقتل الأطفال وتدمير الممتلكات.
تزامنت مع العوالي مواجهة أخرى بين قوات فخري والثوار العرب في آبار علي تكررت فيها هزيمتهم، وقُتل فيها أعداد كثيرة من المهاجمين العرب، وتعددت المواجهات بعد ذلك، إلى أن فكَّر فخري بتجنيد شبان المدينة المنورة ضد إخوتهم العرب، واستغلهم لصالح ظروفه؛ سعيًا منه إلى أن يقتتل العرب بينهم ليغطي جرائمه في العوالي، غير أن أمرًا كهذا لم يحدث حسبما كان يطمح إليه.

أراد للعرب أن يقتتلوا بينهم ليغطي جرائمه.

وباستمرار الوضع الحربي في الحجاز، كانت هنالك مجموعة من المواجهات غير الحاسمة، غير أن أبرز تلك المواجهات كانت قرب خيبر، هُزم فيها الأتراك وأُسِر قائدهم يناير (1917م)، وهذه المواجهة كانت تمثل تحولاً في المواجهة بين العثمانيين والأشراف؛ إذ إن فخري باشا أصبح يواجه الجيوش العربية في كل اتجاه؛ مما أثار قلقه وبدَّد مرحلة السيطرة الأولى بمزيدٍ من الحصار عليه في المدينة المنورة.
بدأت تضيق الدائرة على الحامية العثمانية، وصارت تلحق بها الخسائر في مواقع عدة، حتى وجدت الحامية نفسها محاطةً في الحدود القريبة من المدينة المنورة؛ ذلك الأمر شجَّع العرب على الطلب من فخري باشا إعلان استسلامه، خاصةً بعد أن قُطعت مواصلاته كافة مع مركز قيادته في الشام، وفقدت السيطرة على الطريق من المدينة إلى الشام. غير أن فخري لم يستجب ورفض الاستسلام على الرغم من معرفته التامة بأنه لن ينجح في مقاومة القوات العربية التي تحيطه من كل اتجاه، مهما حاول استنهاض قوته وقوة حاميته، واستمرت حالة الترديّ له ولقواته وتراجعها، حتى علم بعقد الدولة العثمانية هدنة (مندروس) في أكتوبر (1918م)، وبموجبها تعهدت الدولة العثمانية بالانسحاب من المناطق المُتفق عليها بتسويات الحرب، ومنها الحجاز، حيث أرسل الصدر الأعظم إلى فخري باشا رسالةً قال فيها: “بعدما بذلنا جهودًا جبارة، وقمنا بتضحياتٍ عظيمة أكثر من أربع سنوات في سبيل الدين والشرف، فتعرضت الدول التي نحارب فيها وبجانبها إلى الهزيمة وأصابها من ذلك ضعف شديد، مما أجبر دولتنا العثمانية على عقد الهدنة مع الدول المُتحالفة. وفي إحدى مواد هذه الهدنة شرط أن تستسلم قواتنا الموجودة في الحجاز وعسير واليمن إلى أقرب قائد للحلفاء. إنكم أنتم أصدقائي الجنود الذين أديتم واجب الشرف والكرامة منذ سنين فقبولكم هذا الحكم الأليم القاسي سينبع من شعور حب الوطن؛ لأن ذلك سيُنقذ الوطن الأم من فناءٍ محقق، ولا شك أن عملكم هذا مُقدَّر أعظم تقدير”.
وبهذه الرسالة كان إعلان الحكومة العثمانية تخليها عن المدينة المنورة وحاميتها فيها، وطلب واضح وصريح من الصدر الأعظم إلى فخري باشا بالاستسلام والتسليم، غير أن فخري لم يستجب للأوامر، وأصرَّ على المقاومة وعدم الاستسلام، حتى أنه حاول إخفاء أمر الاستسلام عن حاميته التي عرف ضباطها لاحقًا بالأمر، فأصبح وضع فخري حرجًا أمام القادة المرافقين له.

قتل الأمهات قبل أطفالهن

تشغيل الفيديو

خصص مخازن الطعام لجنده

أطعم أهالي المدينة

"عيش حاف"

بعد أن فقد فخري باشا تواصله مع مركز قيادته في الشام خلال وجوده في المدينة المنورة؛ بدأ فعليًّا بإجراءاته الاحترازية في التأمين الغذائي لحاميته وجنده من دون الناس، ونتيجة لهذه السياسة؛ أحدث مع الوقت مجاعةً في المدينة المنورة لم يسبق لها مثيل حين وصلت أقصاها، وأصبحت العلاقة وثيقة بين الجوع والغلاء.
تنبه فخري لمثل هذا السيناريو منذ فترة مبكرة من توليه الأمور في المدينة، إذ يصف أحد رجال الحامية العثمانية (فريدون قاندمير) أنه أعدَّ بالقُرب من المدينة مُعسكرًا تتوافر فيه المياه وتنتشر فيه حدائق النخيل، وحرص على جني محاصيل النخيل من التمور وحفظها في مخازن مُعدَّة لذلك، كي تكون أمنًا غذائيًّا لحاميته العسكرية، وذلك منذ فترة مبكرة من حكمه، كما أعقب هذا الإجراء بمجموعة أوامر، منها ألا تُصَدَّر محاصيل النخيل خارج المدينة المنورة ولا تُهدى، بل تبقى في مخازنها.
هجَّر فخري باشا أهالي المدينة حفاظًا على أمن حاميته الغذائي، لذلك في 30 ديسمبر (1917م) صدر قرار فخري باشا بمصادرة المواد الغذائية، وجمعها إلى القلعة في المدينة المنورة استعدادًا للحصار، وبناءً على ذلك فقد توقف البيع والشراء، وأهمل الناس زراعة الأراضي، بينما انشغل جيش فخري بجمع المؤن الموجودة في الأسواق وتخزينها.
واجه فخري أزمة تخزين الأطعمة؛ نتيجة مصادرة كميات كبيرة من الأغذية من الأسواق، التي أخذها جبرًا من أيدي التُجار بشرائها بأثمان رخيصة عن طريق جنده؛ إذ إن الكميات كانت أكبر من المخازن؛ لذا لجأ إلى التخزين في الثكنات العسكرية والمساجد والبيوت المهجورة من أهلها، التي غصَّت بالقمح والدقيق والتمر والسكر والسمن، ولم يكتف بذلك، بل تجاوز إلى البساتين القريبة من المدينة، وحاول الاستزادة من المراكز القريبة والموالية له.
لم يكتف بتجويع الأهالي من الأسواق فقط، حيث أمر جنوده بوضع أيديهم على أفران الخبز في المدينة، وأقام مجموعةً من الأفران في عددٍ من ثكناته العسكرية، وفرض على الجيش نوعًا من الخبز يسمى القنيطة، وهو خبز يُجَفَّف في الفرن؛ ليقاوم العفن لفترات طويلة، وعند أكله لا بد أن يُبلَّ بالماء حتى يكون مهيأً للأكل.

قدم الموتى والقطط والميتة طعامًا للجياع

ألح فخري على مركز قيادته في الشام بإرسال كميات كبيرة من الأغذية، خاصةً في الفترة التي كانت تصل فيها القطارات إلى المدينة، ونتيجة لإجراءات جمع الأغذية من التجار ومصادرة ما لديهم، كذلك جني المحاصيل من البساتين؛ فإنه من الطبيعي أن يلحق ذلك منع للبيع والشراء، إذ مُنع التجار من فتح محالِّهم التجارية، وكل ذلك كان بهدف التجويع المُتعَمَّد لإجبار من بقي من الأهالي على الرحيل عن المدينة، ومع ذلك كانت تُمارس عمليات بيع بالخفاء بين الناس والتجار، غير أن الأغلب أن الناس كانوا يشترون بعض الأغذية من الجُند التابعين للحامية، ممن كانوا يسعون للكسب المادي واستغلال حاجات الناس، وبناءً عليه فإن الأسعار ارتفعت بشكل خيالي وغير منطقي، كل ذلك في سبيل الحصول على الغذاء.
أصبح الناس بين ناري الجوع والغلاء؛ نتيجة لحالة افتراضية، تحسُّبًا واستعدادًا من فخري باشا لمرحلة الحصار الكُلِّي، حيث بدأ بتعذيب الأهالي قبل أن يعذبهم الحصار. إذ وصل الحال بالناس أن أكلوا الهزيل من الماشية، والجلود والقطط والميتة، وأُكلت الجثث بعد نبش القبور، وأخرجت حديثة الدفن منها، وقطعت الأرجل والأيدي وطبخت وبيعت على أنها لحوم ماشية، بينما كانت لحوم بشر، وقد ذكر التركي كاشف كجمان في كتابه أنهم قبضوا على من نبش قبرًا لامرأة دُفنت حديثًا، وقُطِّعت أفخاذها وأذرعها وبيعت في السوق بعد أن تم طهيها. ودائمًا ما كان يتم القبض على نابشي القبور، ووجدت مجموعات من الجثث التي نبشت قبورها مقطعة، ويروى أن أحد أهالي المدينة دفن أخته في البقيع وحين عاد لزيارتها بعد مدة؛ وجد قبرها مفتوحًا وقد قُطِّع لحمها، ويورد أيضًا قصةً لمن اصطاد قطًا، فاشتراه اثنين من أهالي المدينة وذهبوا به إلى جزار تركي، فسلخه لهم وأكلوه سويًا مع الجزار.
قصص مجاعة المدينة لم تكن خيالاً ولا مبالغة، بل واقعًا لتواترها لدى أهالي المدينة، وتأييدها من كتب من شاركوا الحامية العثمانية من الأتراك أنفسهم. كل ذلك كان بتدبير من فخري وترتيبه، وهو يعلم يقينًا ما سيصل إليه حال الناس، حينما أصبحوا في حالٍ مأسَوية لا يمكن أن يتحملها بشر. فعن الرسول ﷺ قال: ” اللَّهمَّ مَن ظلمَ أهلَ المدينةِ وأخافَهُم؛ فأخِفْهُ، وعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، ولا يُقْبَلُ منهُ صِرفٌ ولا عدلٌ”، وفخري باشا ظلم أهل المدينة وأخافهم وشردهم، وخرج من المدينة بعد هزيمته بقلبٍ بارد، وجريمةٍ لن يغفرها له التاريخ.

منع التجار من البيع والشراء وصادر الأغذية من الأسواق

رحلات التهجير "سفربرلك"

صرخات المعذبين

أثقلت عربات "الثعبان" التركي

حين أُحكِم الحصار على فخري باشا في المدينة النبوية؛ عمل على سياسة داخلية قاسية جدًّا تجاه الأهالي، إذ لم يراعِ فيها حال الناس ولم يرحمهم، بل سعى بكل قسوة إلى إذاقتهم أصناف العذاب والتشريد والجوع، فما صوَّرته المصادر التاريخية المعاصرة؛ لا يمكن أن يتخيله عقل بأن يصدر من مُستعمر غير مُسلم، فكيف إن كان مُسلمًا.
هنالك من يهوِّن من المآسي والويلات التي تسبب بها فخري باشا، بحجة أنه كان يدافع عن مدينة رسول الله ﷺ، بينما لا يتصوَّر المنطق والعقل هذا التبرير مهما كانت الحُجَجُ التي تُساق فيه؛ لأنَّ ثمة أناس ماتوا وقتلوا، وأُسر تشرَّدت، وأطفال يُتِّموا، وانتهكت الحُرمات بالقرب من قبر نبينا محمد ﷺ، كل هذا بسبب السياسة الداخلية التي اتبَّعها فخري وأفراد حاميته.
وعلى الرغم من أن التهجير لم يكن أولى سياسات فخري القاسية في المدينة المنورة، لكنه كان الأكثر أثرًا، فخلال الفترة التي أُحكِم فيها الحصار على المدينة المنورة؛ أصبح الأمن الغذائي مهددًا لدى الحامية والأهالي، ومن ثمَّ أثر ذلك على القيمة السوقية للسلع فحدث الغلاء، ومنه نتجت الأمراض بين الناس.

بعد 13 قرنًا طبقوا الأحكام "العُرفية" في أرض النبوِّة

حدثت عملية التَّهجير القَسري على مراحل وفترات، كان أولها في شهر ديسمبر (1916م)، حين أمر بإلصاق إعلانات في شوارع المدينة المنورة معلنًا أن المدينة أصبحت خاضعة للإدارة العُرفيَّة، وأنَّ كُل من يُخالف سياسة الدولة العثمانية بأيِّ شكلٍ من الأشكال سيتعرض للعقوبة، وبناءً على ذلك كلَّف من قبله الجواسيس الذين يمشون بالوشاية بين الناس تتبعًا لكل من يؤيد الثورة العربية أو يتعاطف معها، وأخذ الناس بالظنِّ والشَّك، فسجن من علماء المدينة المنورة ووجهائها ما يقارب (170)، ثم أمر بنفيهم إلى الشام ليمثلوا أمام جمال باشا، وبطبيعة الحال كان هدف فخري أن يفعل بهم جمال ما فعله في الثوار العرب الذين أعدمهم قبل ذلك في الساحات الشامية، غير أن الحكومة العثمانية ارتأت الاكتفاء بنفيهم وتوزيعهم في تركيا وشرق أوروبا بعيدًا عن الشام.
لم يهتم العثمانيون بالحال التي ستجري على المنفيين من أهالي المدينة، الذين أشبه ما يكونون بسجناء في بلاد لا يعرفونها ولا يعرفون لغتها، ولم يكن لهم دخل يتوازى مع ما يعايشونه من غربة قسريَّة وحال ضيقة، مما كانت تخصصه الدولة العثمانية للمنفيين من مرتبات ضيئلة جدًا لا تتوازى مع حال التَّشَرُّد التي هم فيها.
بعد شهرين فقط في 24 يناير (1917م) بدأ فخري بتهجير أهالي المدينة من ديارهم رُغمًا عنهم، ليؤمن غذاء الجُند، من دون نظر إلى مصيرهم المجهول الذي ينتظرهم، والويلات التي ستلحق بهم من هذا القرار المتعسِّف، فأرسل مناديًا في المدينة ينادي ثلاثة أيام بترغيب الأهالي بالسفرِ لاشتداد الحرب، ويحذرهم من الجوعِ، فتم ترحيل أغلب أهالي المدينة قسرًا وقهرًا.
يصف عبدالحق النقشبندي التهجير الثاني: “ولما قلَّ ورود المؤن إلى المدينة استصدر فخري باشا أمرًا بإجلاء المدينة إلى الشام وأطرافها فصدرت الأوامر إلى أهالي المدينة بالسفر جماعات جماعات لدى قيام كل قطار إلى الشام أفواجًا أفواجًا”.
أراد فخري إخلاء المدينة المنورة من أهلها، لتبقى مدينة لا يعيش فيها سوى جند حاميته وحدهم، ليُقاوم الحصار بما لديه من مؤن وأغذية، وهنا لم يفكر بالمصير المجهول الذي يقود إليه مدينة الرسول ﷺ، إذ إنه أغفل متعمدًا أن السُّكان مسلمين يجب مراعاة أرواحهم وأعراضهم وأوضاعهم الاجتماعية، وأغفل أنه في حدود الحرم النبوي الشريف، ولم يحسب لما يمكن حدوثه من أضرار في المدينة، بل كان همه الأول كيف يكافح الثورة العربية، ويثبت عسكريته في المقام الأول.

عبدالحق النقشبندي

عبد الحق بن عبد السلام النقشبندي، ولد بالمدينة المنورة سنة (1322هـ/1904م)، ويُعدُّ أحد أهم رجالات الأدب في العصر الحديث في المدينة المنورة، وقد عاصر الفترة التي ولِّي فيها فخري باشا المدينة المنورة، إذ كان عمره حينها بين 12 و 16 سنة، فكان يعي تفاصيلَ دقيقة عما حدث في المدينة من مآسي وأحداث.
لم يستجب جميع سُكَّانِ المدينة لنداءاته بالإخلاء، فراح يُطلق يد جُند حاميته في الشوارع بأمرهم أن يقبضوا على كل من يواجهونه من الأهالي تعسفًا، وألا يراعون في ذلك إن كان المقبوض عليه امرأة أو طفل أو عاجز أو رب أسرة، والمآسي التي رويت من أهالي المدينة حيال ذلك متعددة وكثيرة وموجهة، لا يمكن أن يغفرها التاريخ لفخري، الذي تشبَّع بكُرهه للعرب، إذ لم يكن يصفهم كما مرَّ معنا سوى بالخونة، ولم يكن لديه مراعاة حتى للضُّبَّاط العرب الذين كانوا ضمن أفراد حاميته.
ونتيجةً للتَّعسُّف المُمارس ضد أهالي المدينة؛ حمل الكثيرون منهم ذكريات مأساوية؛ إذ إنه لم يُمهل أحدًا ممن تم القبض عليهم في الشوارع من ترتيب أوضاعهم أو إبلاغ ذويهم، حتى أن رجلاً خرج ليُحضر لزوجته التي تلد طعامًا لترضع صغيرها وحين خرج قُبض عليه وأرسل بالقطار، وعندما خرجت زوجته في أثره بحثًا عن الطعام لابنها أُخذت هي الأخرى، وما أن وصلت الشام حتى توفيت، بينما وُجد رضيعها بعد أيام ميتًا في البيت من الجوع والبكاء مع إخوته الصغار. تم نقل المدينيين ولم تُرحم ذاكرتهم وعواطفهم، فالذين عاصروا تلك الكارثة الإنسانية يتحدثون عن وضعهم في القطارات ونقلهم وبكاءاتهم وتوسلاتهم، حيث مات منهم الكثير، وفُقد منهم أكثر، وشُرِّدت الأسر وبُعثرت.
ويصف التركي قاندمير الحال الذي كان عليه الأهالي في محطة سكة الحديد استعدادًا للرحيل يوم 14 مارس (1917م) بأنه ينضح بالألم، حيث كان الجنود يحشرون الناس في عربات القطار حشرًا، ويضربون الخيول بالسياط، بينما كان منظر البُكاء الجماعي ماثلاً بين الرجال والنساء والأطفال، وتعابير الوداع، وعلى الرغم من أنه كان واحدًا من أتباع الحامية لم يستطع تحمل الموقف، حين صوَّره بأنه موجِعٌ للقلب.

شردوا "المدينيين" من بصرى إلى بلغاريا

أصبح أكثر أهالي المدينة لاجئين في الشام وتركيا وشرق أوروبا والبلدان الحجازية الأخرى، ولم يبقَ منهم في المدينة سوى أعداد قليلة جدًا من أهلها. ولم يكتف فخري بالإجلاء فقط، إذ مارس جنوده نهب وسلب بيوت أهل المدينة المنورة، ممن غادروها جبرًا ولم يتمكنوا من ترتيب أوضاعهم وأملاكهم، وفي هذه الحالة أصبحت المدينة مستباحةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولم تُرعَ فيها حرمات الناس من قبل جيش فخري.