بدأها بيران وقادها عبدالله أوجلان

قصة تأسيس حزب العمال الكردستاني ومسيرة التعذيب التركي

لم يكن حزب العمال الكردستاني يمثل حركة نضالية من أجل الاستقلال فقط، بل كانت حركة إنسانية فريدة من نوعها في التاريخ البشري الحديث لاستعادة حياة شعب حُرم الحرية لقرون طويلة، تلك الميزة التي سرقها العثمانيون ومن بعدهم، من الأتراك الجدد الذين حوّلوا شعبًا أصيلاً من أهم مكونات الإقليم إلى مُكَوِّن بشري مجرد، يقع تحت رحمة مزاج رجال السياسة، الذين حرموا الكرد من لغتهم الأصلية وأناشيدهم القومية ولباسهم وأرضهم التي ولدوا وعاشوا عليها منذ آلاف السنين.

مرت العلاقة بين الأكراد والعثمانيين بطريقٍ طويل، عنوانه الخديعة الكبرى، فالأكراد نظروا للأتراك نظرة الحلفاء المحتملين، بينما لم يتعامل العثمانيون معهم إلا كحلفاء مؤقتين وعبيدًا في المستقبل، على الرغم من أن الأكراد لعبوا دورًا استراتيجيًّا لصالح الأتراك السلاجقة، في حربهم ضد  البيزنطيين و الصفويين، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن ذلك لم يشفع للكرد أمام أنانية العثمانيين.

منذ عام (1515) حين عقد العثمانى سليم الأول اتفاقيته مع الأمراء الكرد، اعترف بسيادة الإمارات على كردستان وبقاء الحكم الوراثي فيها ومساندة الآستانة لها عند تعرضها للغزو أو الاعتداء مقابل أن تدفع الإمارات الكردية رسومًا سنوية كرمزٍ لتبعيتها للدولة العثمانية، إلا أنه بعد أربعة عقود نقض العثمانيون اتفاقهم وعقدوا اتفاقًا آخر في أماسيا حين قسمت كردستان بينهم وبين الصفويين، وهو ما تسبب في اندلاع عدة ثورات عبر التاريخ العثماني من قبل الأكراد امتدت إلى بداية عصر الجمهورية التركية، التي كانت أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران وقد وُئِدت مبكرًا فكانت رحِمًا لثورة عبدالله أوجلان بعد 50 عامًا.

جاءت حركة عبد الله أوجلان وأصدقائه الطلاب، في بداية سبعينيات القرن الماضي، وذلك ردة فعل على آلة القمع التركية التي استباحت أراضيهم ولغتهم وموروثهم وجعلتهم لاجئين مجردين في أراضيهم، وخصوصًا بعد تمدد العنصرية التركية في كافة الأقاليم المتبقية إثر سقوط السلطنة العثمانية، حيث كان لابد للأكراد من استعادة حلم ثورتهم المشروع، الذي حاول الترك دفنه مع إعدام الشيخ سعيد بيران قائد ثورتهم الأولى، ولذلك جاءت ولادة حزب العمال الكردستاني في 27 نوفمبر (1978) أمرًا طبعيًّا ومنتظرًا وإن تأخر كثيرًا.

تأسس الحزب على يد أوجلان عام (1978)، وقبض عليه (1999).

جاء التأسيس منسجمًا مع المد اليساري في العالم من كوبا حتى فيتنام، عند قيام مجموعة من الطلاب الماركسيين غير المعروفين في الساحة السياسية الكردية، بينهم الشاب عبد الله أوجلان الذي اختير فيما بعد رئيسًا للحزب الذي تبنى في بداياته العقيدة الماركسية، لكنه لم يحد عن أهدافه القومية أبدًا، تلك التي يتمناها كل كردي، وهي قيام دولة كردستان الكبرى المستقلة. ويصف الباحث والكاتب السوري عبدالباسط سيدا حزب العمال الكردستاني بالبراغماتي، وهو دقيق في ذلك إلى حد بعيد، ففي ظل احتلال عدة دول لمعظم الأراضي الكردية، لا بد لأي حركة نضالية من التعامل بحذر مع القوى المحيطة بها لضمان الاستمرارية والوصول إلى الأهداف النهائية.

ويتحدث الكاتب سيدا عن ذلك بقوله: “يدرك المتابع لسياسات وممارسات حزب العمال الكردستاني “ب. ك. ك” منذ تشكيله عام (1978) إلى اليوم، أنه قد اعتمد منذ البداية أربع قواعد أساسية، لم يتخل عنها حتى اليوم، بل إن الظروف الإقليمية التي ساعدته قد أتاحت له المزيد من مساحة الحركة، والاستمرار في حركته النضالية”.

كانت لنتائج تنظيم أوجلان عواقب وخيمة، حيث بدأت آلة القتل التركية في حصد الأرواح الكردية كما فعلت مع الأرمن، كونهم ضحايا لقاتلٍ واحد، إذ لقي أكثر من 40 ألف شخص كردي حتفه منذ اندلاع الصراع بين الطرفين الذي وصل إلى ذروته أواسط تسعينيات القرن الماضي، ودُمرت آلاف القرى الكردية في جنوب شرقي وشرقي تركيا، ما اضطر مئات الآلاف من الأكراد إلى النزوح باتجاه أجزاء أخرى من تركيا.

لا يوجد تاريخ محدد لبدء النشاطات الكردية المسلحة المنظمة، إلا أن إعلان حزب العمال الكردستاني بقيادة أوجلان استراتيجية الكفاح المسلح في عام (1984)، مما يُعد مؤشرًا مهمًّا في هذا الاتجاه، حيث تواصلت المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية وعناصر حزب العمال الكردستاني حتى أواخر التسعينيات، إذ تم القبض على زعيم الحزب عبدالله أوجلان في فبراير عام (1999)، لتبدأ مرحلة جديدة من التنظيم.

حاولت الحكومات التركية المتعاقبة التعاطي مع المسألة الكردية عبر سلسلة إجراءات ذات طابع أمني في الغالب وبعض الحلول الاقتصادية غير المجدية، وكان قرار الحكومة التركية في تغليب الحل العسكري سببًا في تعقيد مشكلات الاقتصاد، وتزايد الإنفاق العسكري، حتى أن مشروع (الغاب) لتطوير منطقة جنوب شرق الأناضول، تعثر كثيرًا ولم يكن الحل الاقتصادي المنشود كما يقول كوثر الربيعي في منشوره تحت اسم تركيا والمسألة الكردية، حيث ألقى الضوء على المطالب الكردية والحصول على بعض التعاطف، إلا أن مقاربات الحل ظلت ضعيفة بفعل إنكار جميع الحكومات لكون الأكراد قومية واحدة، إذ استمر الحرص على كون كل من يقيم في تركيا هم من الأتراك وأطلقوا على الكرد لقب أتراك الجبال.

اتخذ الأكراد جميع الطرق بهدف التخلص من الاستبداد التركي.

بدأ حزب العمال نشاطه العسكري منذ تأسيسه لكنه تصاعد بشكل كبير، إثر ردة الفعل التركية التي اتخذت موقفًا أقرب للتصفية بدء من العام (1980) ما دفع الأكراد للهروب من أراضيهم واللجوء إلى كردستان العراق وجعلها منطقة حماية لقواعدهم الخلفية، كما أقاموا تحالفًا مع العشائر الكردية العراقية.

في نهاية التسعينيات الميلادية انتقل عبد الله أوجلان إلى سوريا وبدأ بإدارة تنظيمه من هناك، وقتها عُقد مؤتمر حزب العمال الكردستاني الأول في سوريا في منتصف يوليو (1981) ثم خرج الحزب من سوريا واستقرّ في شمالي العراق، ليعود مرة أخرى في عام (1984) نحو سوريا، ومنها بدأ في شن عمليات مسلحة ضدّ أهداف عسكرية تركية، خاصة في مدن هكاري وماردين وسيرت، لتكون أولى عملياته المسلحة في هكاري، بينما استمرت العمليات المسلحة التي شنها الحزب على المباني الحكومية والأهداف العسكرية التركية. وأعلنت الحكومة التركية حالة الطوارئ في عام (1987)، وخلال هذه الفترة، نفذ التنظيم اقتحامات في عدد من القرى في شرق تركيا.

اضطرت تركيا لعقد صفقة مع الموساد الإسرائيلي، من أجل اختطاف عبد الله أوجلان ليتلقى الحزب ضربة قاضية في عام (1999) باعتقال زعيمه، وسجنه في تركيا بتهمة الخيانة. ويروي الكاتب جوردان تومس في كتابه “أسرار الموساد” تفاصيل معقدة لقصة اختطاف زعيم حزب العمال الكردي، التي أفرد لها فصلاً خاصًا وحاول تتبعها بين عدة عواصم، قائلا: “طلب رئيس وزراء تركيا بولند أجاويد، من رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها بنيامين نتنياهو المساعدة في القبض على أوجلان الذي تسبب بصداع للسلطات التركية، وكان يتنقل بين مختلف البقاع بيروت وألمانيا وإيطاليا وموسكو، واستطاع التخفي دون أن تتمكن المخابرات التركية من القبض عليه”.

ويكمل الكاتب تومس روايته بقوله: “إن مكتب الموساد في العاصمة الإيطالية روما لعب دورًا محوريًا في تتبع أوجلان، حين تلقى معلومة عن توجهه من هولندا إلى لعاصمة الكينية نيروبي بطائرة خاصة هربًا من الملاحقات، أرسلت المعلومة لمكتب الموساد في نيروبي لمراقبة وصول أوجلان الذي لجأ فور وصوله إلى السفارة اليونانية، بينما تم رصد حركته حتى قرر الخروج من كينيا مبلغًا مرافقيه أنه سيتوجه لهولندا مرة أخرى، مررت المخابرات الإسرائيلية المعلومة للأتراك الذين بدورهم جهزوا على عجل طائرة بديلة، تم فيها آخر فصول القصة الطويلة والمثيرة بالقبض عليه وإلقائه بالسجن مدى الحياة في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، بعد مثوله أمام القضاء والحكم عليه بالإعدام بتهمة “الخيانة العظمى”، ثم خفف الحكم إلى السجن “مدى الحياة”، بعد إلغاء عقوبة الإعدام بموجب قوانين التوأمة مع الاتحاد الأوروبي.

  1. حنا عزو، “قضية حزب العمال الكرستاني وانعكاساتها على العلاقات العراقية التركية”، مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل (2012).

 

  1. محمد الساعد، “ليلة اختطاف عبدالله أوجلان”، صحيفة عكاظ، السعودية (2018).

 

  1. كوثر الربيعي، “تركيا والمسألة الكردية”، المجلة السياسية والدولية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جامعة بغداد (2019).