ما تجاهله الإسلامويون

التاريخ الدموي للدولة العثمانية

منذ اتحاد التيارات الإسلاموية مع العثمانيين الجدد بدأت سردية عثمانية بهدف إعادة اجترار السلطنة العثمانية تحت مسمى الخلافة، وحاولت جاهدة بناء سيرة جديدة للسلاطين العثمانيين تنقلهم من بشريتهم إلى مرتبة أعلى، ولأجل تلك السردية يتم تقديم السلاطين العثمانيين في المخيلة العربية على أنهم فوق البشر، ومن أجل ذلك غيرت الوقائع وأخفيت الحقائق، وبنيت الدراما الرومانسية التي تروج لتلك السردية الجديدة، بل إنهم في أحيان كثيرة يرفعون السلاطين فوق مستوى الصحابة في انحياز متطرف لا مبرر له.

عند محاكمة السلاطين العثمانيين تاريخيًّا وسياسيًّا يجب النظر إليهم كما كانوا، فقد قدموا مصلحة عرقهم التركي ومصالح بلادهم فوق أي مصلحة أخرى، كما استخدموا من أجل تحقيق ذلك كل ما وصلت إليه أيديهم وتفكيرهم، ومنها اختطاف الخلافة الإسلامية وتحويلها إلى أداة للتسيُّد على العنصر العربي والتمدد في أراضيه وإخضاعه بسلطة الخلافة.

العثمانية والسلوك الدموي:

عُرف الحكم العثماني بدمويته، وتوغله في الدماء المعصومة، كما كان لتدخل النساء -وخاصة المحظيات منهن- في آلية انتقال ولاية العهد دوره وتأثيره الواضح في خط الحكم، لقد كانت روكسيلانة أشهر المحظيات، ووصلت إلى مراتب عليا في الدولة، حتى سُمِّيت بقرينة السلطان سليمان القانوني، وكانت تقتسم معه السلطة والنفوذ، حتى قادت ابنها للملك، بعدما حاكت داخل القصر المؤامرات لإزاحة أولياء العهد الأكبر سنًّا.

شرعنوا إزهاق النفس التي حرَّم الله من أجل السلطة والحكم.

سالت الدماء، وتلطخت أيدي السلاطين بها، ولعلنا إذا نظرنا إلى سلوك السلاطين الدموي، وآلية انتقال السلطة بينهم؛ فسنجد أنها لم تأخذ منهجًا شوريًّا إسلاميًّا ولا بيعة معتبرة، بل ذهبت نحو الانقلابات المتتالية والقتل والترويع الاستباقي، حتى وصل الأمر لقتل الأطفال الصغار، كل ذلك السلوك يتم إخفاؤه عمدًا، ويقدم بدلًا عنه الأدبيات العثمانية على أنها صور حديثة للخلفاء، ويتم إخفاء جرائمهم في حق الشعوب أو في سياستهم للوصول إلى كرسي الحكم والحفاظ عليه.

مفتتح القتل: محمد الفاتح

يقول أحمد المهداوي في بحثه عن “وحشية العرش العثماني”: من أجل شرعنة القتل على باب الحكم، جاء السلطان محمد الفاتح، بما لم يأتِ به أحد من قبله، إذ أراد غطاءً دينيًّا يبرر به قتل أخيه أحمد -المنافس المحتمل له على العرش-، وتم إدراج البند الخاص بقتل الإخوة في عهده ضمن مجموعة القانون (نامه)، الذي ينُصُّ على أن: “أيّ شخص يتولّى السُّلطة من أولادي، فمن المناسب أن يقتل الإخوة من أجل نظام العالم، وأجازه أكثر العلماء، فليعملوا به”. وهكذا، تحوّل قتل الإخوة من عُرفٍ في النظام العثماني إلى قانونٍ في نظام السلاطين السياسي.

بدأ محمد الفاتح حكمه بقتل أخيه الرضيع أحمد، وقد قام بتلفيق تهمة القتل إلى أحد رجالات دولته: علي بك أورانوس، خشية سُخط العامة، وأمر بقتله قصاصًا للمقتول.

سليمان القانوني يقتل أبناءه وأحفاده:

يقول رجائي عطية في كتابه “دماء على جدار السلطة”: “السلطان المتألم على قتل ولديه وأحفاده الخمسة، قد توجه إلى الله بالشكر والحمد على مصرع هذه الذرية المزعجة، التي كانت تهدد عرشه، وأنه يستطيع الآن أن يعيش في رغد وسلام”. ففي عهد سليمان القانوني، أعدم ولديه -ولي العهد- مصطفى، وبايزيد، وكل المصادر التاريخية تجمع على أن السلطان سليمان وقع تحت تأثير جاريته “روكسلانة”، التي أوغرت صدره ودفعته لقتل ابنه الأمير مصطفى من زوجته الأولى “مهدفران سلطان”، لإفساح المجال أمام ابنها سليم، وتمهيد الطريق له نحو العرش.

سليمان القانوني أوجد المسوغات القانونية والفقهية لإعدام ابنه؛ إذ سرعان ما استحصل على فتوى من شيخ الإسلام أبي السعود أفندي، مفادها أنَّ الأمير مصطفى أعلن العصيان ضد الدولة. ونُفِّذ الإعدام عندما حضر الأمير مصطفى للقاء والده في خيمته أثناء إحدى الحملات؛ حيث أُعدِم بخيطٍ من حرير من قِبل الجلادين، وهم أشخاص صم بكم، وِفقًا للتقليد العثماني في إعدام الشخصيات المهمة، ولم تتوقف الدماء هنا، بل إن القانوني استدعى ابنه الآخر بايزيد مع أولاده الأربعة (أورخان، محمود، عبد الله، عثمان) وقتلهم جميعًا؛ ليصفو الأمر لابن روكسيلانة سليم الثاني.

حقق سليمان القانوني مجدًا شخصيًّا، لكنه ذبح نصف ذريته، وأمر بذبح أهم وزرائه إبراهيم باشا، دون إنذار أو محاكمة، وهذا لا يبرر أبدًا أن يُقدَّم على أنه شخصية صالحة، كما يردد ذلك الإسلامويون والأدبيات التي تصنع على أعينهم.

السلطان مراد خان، حفيد الجارية “روكسيلانة” المفضلة عند جده سليمان القانوني، تولى الحكم بعد وفاة والده السلطان سليم الثاني، وما إن تولى الحكم حتى قتل إخوته الخمسة فورًا.

السلطان الذي قتل 19 من إخوته في ليلة واحدة:

ما إن تولى مقاليد الحكم السلطان محمد الثالث، ابن المحظية الإيطالية صفية، حتى قام بقتل إخوته التسعة عشر دفعة واحدة، وقام بخنقهم قبل أن يُدفَن أبوه، السلطان أحمد الأول، الذي كان أقلهم دموية، حيث اكتفى باحتجاز أخيه الأمير مصطفى حتى توفي.

  1. أحمد المهداوي، “وحشية العرش العثماني”، مرايانا، على الرابط:
    1. https://2u.pw/4BqdFXax

 

  1. رجائي عطية، دماء على جدار السلطة (القاهرة: دار الشروق، 2017).

 

  1. فلاديسلاف بايتسا، حمَّام بلقاني، ترجمة: هاني غرايبة (عمَّان: الآن ناشرون، 2019).

 

  1. طالب عزيز وجمان كبة، الحقيقة: معالم الحضارة الإسلامية (القاهرة: دار الكتب المصرية، د.ت).