الانكشارية معول الهدم:
سلاطين بلا سلطة ودولة أكلها الفساد من داخلها
كانت منطقة البلقان إحدى أكثر مناطق أوروبا حساسيةً من حيث تداخل المصالح الدولية وتعارضها، إذ تنافست عليها القوى الكبرى، وفي مقدمتها إنجلترا وفرنسا وروسيا، في إطار صراع طويل ارتبط أساسًا بمحاولة وقف التمدد العثماني غربًا، ثم باستغلال مظاهر الضعف التي بدأت تضرب جسد دولة العثمانيين من الداخل.
البلقان بين المصالح الأوروبية وأزمة الانكشارية في الدولة العثمانية.
ويرجع الاهتمام الأوروبي المتزايد بالبلقان إلى المرحلة التي تلت توقف الزحف العثماني نحو قلب أوروبا. فبعد هزيمة الجيوش العثمانية بقيادة الصدر الأعظم قره مصطفى باشا أمام أسوار فيينا سنة (1683)، في مواجهة مشتركة بين النمسا وبولونيا، انتقلت المبادرة العسكرية إلى القوى الأوروبية. وخاضت النمسا عقب ذلك سلسلة من المعارك الحاسمة مع الدولة العثمانية، استطاعت من خلالها التقدم شرقًا حتى بلغت الأراضي الواقعة غربي بلغاريا.
وتُوِّج هذا التحول بتوقيع معاهدة كارلوفتز سنة (1699)، التي مثّلت نقطة مفصليَّة في تاريخ الصراع العثماني–الأوروبي، إذ أقرّت بتراجع النفوذ العثماني في أوروبا، ومنحت النمسا موقعًا متقدمًا بوصفها قوة بلقانية مؤثرة. ورغم أن النمسا لم تحقق لاحقًا اختراقات كبرى على حساب الدولة العثمانية، فإن وجودها السياسي والعسكري في جنوب شرق أوروبا أصبح عاملًا ثابتًا في معادلات المنطقة.
في الوقت ذاته، بدأت روسيا القيصرية تتحرك بثبات نحو الجنوب، سعيًا إلى تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في الوصول إلى البحرين الأسود والمتوسط. غير أن هذه الطموحات اصطدمت، في مراحلها الأولى، بعوائق داخلية في الدولة العثمانية، كان من أبرزها تعنّت الانكشارية واضطراب المؤسسة العسكرية، وهو ما حال دون تحقيق الروس انتصارات حاسمة قبل أواخر القرن السابع عشر. ومع احتلال جيوش القيصر بطرس الأول قلعة آزوف المطلة على البحر الأسود، دخلت الدولتان في مرحلة طويلة من الصراع العسكري استمرت أكثر من قرن، واستنزفت قدرات الدولة العثمانية. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بدأ التفوق العسكري الروسي يتجلى بوضوح، خصوصًا في معاهدة ياسي سنة (1792)، التي اعترفت فيها الدولة العثمانية بخسارتها لأراضٍ واسعة شملت القرم، وأجزاء من القوبان وبسارابيا، والأقاليم الواقعة بين نهري بوج ودنيستر، اللذين أصبحا حدًا فاصلًا بين الدولتين.
منذ تلك الحقبة، بدأ الخطاب الأوروبي يتعامل مع الدولة العثمانية بوصفها “الرجل المريض”، وهو توصيف لم يكن مجرد توصيف سياسي، بل مقدمة لسياسات عملية هدفت إلى تقاسم ممتلكاتها الأوروبية، وفي مقدمتها البلقان، مستفيدة من تفكك الداخل العثماني.
وعند تتبع أوضاع الانكشارية ودورهم في الحياة السياسية والعسكرية للدولة، يتضح أنهم كانوا أحد أهم أسباب الاضطراب المستمر. فمنذ عهد السلطان عثمان الثاني، برز الانكشارية قوةً معطِّلةً لإرادة الدولة، إذ لم يكتفوا بالتقاعس عن القتال، بل تدخلوا صراحة في القرار السياسي، وسعوا إلى منع السلطان من المضي في حملاته العسكرية، ثم انتهى الأمر بقتله وتنصيب عمه من بعده.
أدى هذا الحدث إلى سلسلة من الفوضى والاضطرابات في إسطنبول، رافقتها أعمال نهب وسلب ومظالم واسعة. ومع انتشار أخبار هذه الفوضى، اتخذ بعض الولاة قرارات جريئة بالانفصال الفعلي عن سلطة العاصمة، وكان من أبرزهم والي طرطوس الذي بادر بطرد الانكشارية من ولايته، ثم والي أرضروم أباظة باشا، الذي أعلن سعيه للثأر لدم السلطان عثمان الثاني، وتتبّع الانكشارية وصادر ممتلكاتهم.
استمرت هذه الاضطرابات، وأصبحت أفعال الانكشارية معول هدم في جسد الدولة، إذ استباحوا أموال الخزينة، وفرضوا إرادتهم على السلطان مصطفى الأول الذي كان عاجزًا عن ضبطهم، بل بلغ الأمر أن اقترح الصدر الأعظم كمانكش علي باشا عزله بزعم ضعفه العقلي، ونُصِّب بعده السلطان مراد الرابع.
ورغم أن مراد الرابع لم يكن في بداياته يتمتع بهيبة راسخة لدى الانكشارية، فإنه أدرك خطورة تغوّلهم، وسعى إلى استعادة سلطة الدولة وهيبتها. غير أن محاولاته قوبلت بثورات عنيفة، كان أبرزها تمردهم الذي انتهى بقتل الصدر الأعظم حافظ باشا. ورغم هذه التحديات، استطاع السلطان أن يواجههم بالقوة، وأن يقود حملات عسكرية حقق فيها تقدمًا ملموسًا، وأجبر الانكشارية على الانصياع مؤقتًا، قبل أن يتوفى سنة (1640).
تولى الحكم بعده السلطان إبراهيم الأول، وتمكن في عهده من تحقيق إنجازات عسكرية لولا عودة الانكشارية إلى العصيان. ففي سنة (1646)، وبينما كان السلطان على وشك ضم مدينة كنديا، اندلعت اضطرابات في إسطنبول، حالت دون استكمال الحملة. وعندما حاول التخلص من قادة الانكشارية، استبقوه بالمؤامرة، واتخذوا من الدين غطاءً لتحركهم، واجتمعوا في مسجد أورطه، وانضم إليهم بعض العلماء والمفتي عبد الرحيم أفندي، وقرروا عزله وتنصيب ابنه. ولم تتوقف تجاوزاتهم عند العزل، بل أقدموا على خنق السلطان إبراهيم بالطريقة نفسها التي قُتل بها عثمان الثاني، في مشهد يعكس مدى انحلال هيبة الدولة.
وفي عهد السلطان محمد الرابع، واصل الانكشارية تدخلهم في شؤون الحكم، وكان لهم دور مباشر في الهزائم العسكرية، ومنها هزيمة الدولة في اليونان سنة (1649). وتشير المصادر إلى أن انشغال النمسا بحرب الثلاثين عامًا حال دون فقدان المجر.
ورغم طول مدة حكم محمد الرابع التي تجاوزت أربعين عامًا، فإن عهده اتسم بعدم الاستقرار، وتخللته مؤامرات متكررة انتهت بعزله، في وقت كانت فيه الدولة تفقد مدنًا ومواقع استراتيجية نتيجة استنزافها داخليًا.
تولى الحكم بعده السلطان سليمان الثاني، الذي سلك النهج ذاته في محاولة استرضاء الانكشارية عبر الإغداق عليهم بالعطايا، غير أن ذلك لم يشفع له. فقد عادوا إلى ممارسة القتل، ونهب ممتلكات الصدور العظام، وسادت الفوضى في إسطنبول، بينما كانت القوى الأوروبية تستثمر هذا التفكك الداخلي لتوسيع نفوذها في البلقان.
وفي ظل هذا المشهد، أصبحت الدولة العثمانية رهينة لصراع داخلي دمّر مؤسساتها، وفتح الطريق أمام القوى الأوروبية لتقويض وجودها في أوروبا الشرقية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع البلقان، حيث تداخل انتشار الإسلام وتراجعه مع تحولات السياسة والحرب والانهيار الداخلي.
- أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العثمانية، 2014).
- أحمد الرمال، واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني (القاهرة: د.ن، 1962).
- عبدالعزيز جمال الدين، مختارات من تاريخ الجبرتي (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2022).
- محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).