قراءة نقدية لسياسة عبدالحميد الثاني تجاه العالم العربي
يقول عبد الحميد الثاني في مذكراته، مدافعًا عن استبداده وعنفه: “يتهمني خصومي بأني كنت مستبدًا، ولا يتوقفون عن نعتي بـ(السلطان الأحمر)، بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك فنعتني بـ(الحيوان الأحمر)، وكنت على يقين بأن الدولة لا تُدار بالشفقة”.
"الأحمر" استنزف ثروات العرب وساوم على مقدراتهم مع الدول الأجنبية.
تكشف هذه العبارة بوضوح عن فلسفة الحكم التي آمن بها عبدالحميد حين تولى سلطنة الدولة العثمانية خلال الفترة (1876-1908)، والتي قامت على العنف الصريح، وإنكار أي بُعد أخلاقي أو إنساني في إدارة الدولة. ومن خلال هذه النظرة، لم يكن عبدالحميد حاميًا لثروات العالم العربي، الذي رزح جزء كبير منه تحت السيطرة العثمانية، بقدر ما كان يبحث عن الدولة الحليفة التي يمكن أن يسلّمها تلك الثروات مقابل ضمانات سياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب العرب أنفسهم.
فلم يكن رفضه للهيمنة الأجنبية نابعًا من حرص على السيادة العربية أو حماية مقدراتها، وإنما من حسابات مصلحية بحتة تتعلق باختيار الطرف الأكثر ملاءمة لمصالحه. ويبرز ذلك بوضوح في موقفه من الثروات النفطية، التي بدأت مؤشرات اكتشافها تظهر في العراق وسواحل الخليج في تلك المرحلة، حيث كانت القوى الكبرى تتنافس بشدة للسيطرة عليها.
وبسبب طبيعة الشك لديه، والخلافات المتكررة التي دخل فيها مع البريطانيين والألمان، فضّل السلطان أن يعرض هذه الامتيازات على اليابانيين، رغم البعد الجغرافي لبلادهم، إدراكًا منه لطموحاتهم الإمبراطورية الناشئة آنذاك، وسعيهم المحموم للحصول على موارد تمكّنهم من تمويل توسعهم العسكري والاقتصادي. ولم يكن النفط، في هذا السياق، سوى الهدف الأثمن.
وتورد مجلة تاريخ العلوم إشارة بالغة الدلالة، حيث يذكر السلطان في مذكراته كيف أن الإنجليز، ثم الألمان من بعدهم، سعوا إلى إقناعه بالسماح لهم بالحفر في أراضي العراق والحجاز وسوريا بذريعة التنقيب الأثري، بينما كان هدفهم الحقيقي هو البحث عن البترول. وحين أدرك هذه الخديعة، لم يرفض المبدأ ذاته، بل غيّر الطرف الذي سيمنحه الامتياز، فالتفت إلى اليابانيين.
ومن هنا يتضح أن السلطان عبدالحميد لم يكن معاديًا للهيمنة الأجنبية في ذاتها، وإنما كان يسعى فقط إلى اختيار الطرف الذي يضمن له السيطرة على الثروات العربية، دون أن تكون له أهداف سياسية أو استعمارية أخرى قد تهدد عرشه.
ولم تقتصر مذكرات السلطان على كشف مواقفه الاقتصادية والسياسية، بل أزاحت الستار أيضًا عن أسرار الحكم داخل القصور السلطانية. إذ يروي كيف تم تنصيب أخيه مراد، الذي وصفه بالماسوني، بعد أن أعدّته المحافل الماسونية في أوروبا لهذا الدور، ودفعت به جماعة تركيا الفتاة إلى العرش، ليُلقب بمراد الخامس. ويذكر أن اثنين من كبار رجال الدولة، هما مدحت باشا ورشدي باشا، قابلاه بعد مرض مراد، وأخبراه بأن أخاه كان قد وافق على استصدار دستور، بل واستحسن الفكرة.
أما على صعيد الأوضاع السياسية والعسكرية في العالم العربي خلال عهد عبدالحميد الثاني، فقد اتسمت السياسة العثمانية بفرض عزلة صارمة على الولايات العربية، خوفًا من تسرب الأفكار الأوروبية الحديثة إليها. وكان الاعتقاد السائد لدى العثمانيين أن هذه العزلة ستُبعد الأطماع الأوروبية، لكنها في الواقع أسهمت في تكريس التخلف وتعميقه.
وقد حافظت الدولة العثمانية، بشكل عام، على النظم الاقتصادية التقليدية التي كانت سائدة في البلاد العربية قبل خضوعها للاحتلال العثماني، دون أي محاولة جادة للتحديث أو التطوير. وانعكست هذه السياسات مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان العرب، الذين عانوا من تدهور مستمر في مستويات حياتهم.
وعند النظر في تعامل السلطان عبدالحميد مع الثروات العربية المحدودة، يتضح أنه لم يسعَ إلى تنميتها أو تعظيم الاستفادة منها، بل انتهج سياسة ممنهجة تقوم على الاستيلاء على ما تطاله يده أو أيدي ولاته، وفي الوقت ذاته فرض سياسات أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي، الذي كان يشكّل العمود الفقري للحياة الاقتصادية العربية آنذاك.
فقد ظل الفلاحون يستخدمون أساليب زراعية بدائية، نتيجة العزلة المفروضة عليهم، كما دفعتهم الضرائب الباهظة إلى هجر أراضيهم. وفي المقابل، وُزّعت هذه الأراضي على الأمراء وكبار الموظفين والجنود العثمانيين، وتحولت إلى إقطاعات عسكرية، ما عمّق من اختلال البنية الاقتصادية والاجتماعية.
وأدى حرمان العرب من الوصول إلى التقنيات الزراعية الحديثة إلى بقائهم في حالة فقر مزمن، عاجزين عن كسر دائرة الحاجة. وبينما كانت إسطنبول في عهد عبدالحميد الثاني تعيش على إيقاع النهضة الأوروبية، كان العالم العربي غارقًا في قرون من التخلف.
لقد كانت هذه السياسة، في جوهرها، سياسة عثمانية متعمدة تهدف إلى إبقاء العرب تحت السيطرة، تابعين للدولة، غير قادرين على التحرر منها. وهي سياسة لم تكن وليدة عهد عبدالحميد وحده، بل امتدت منذ احتلال سليم الأول للأراضي العربية، واستمر عبدالحميد في ممارستها وإقرارها حتى نهاية الاحتلال العثماني.
وزاد الأمر سوءًا تفضيل العثمانيين التعامل مع الأوروبيين ومنحهم امتيازات اقتصادية واسعة على حساب العرب. ونتيجة لذلك، بقيت الصناعة العربية متأخرة إلى حد يمكن معه القول إنها لم تكن موجودة فعليًا، تمامًا كما حدث في القطاع الزراعي. وقد أسهمت هذه السياسات في تدمير البنية الاقتصادية للعالم العربي، الذي ظل بعيدًا عن أي مسار تنموي، مقارنة بما كان يجري في الأناضول والمدن التركية.
ورغم الخلافات السياسية التي كانت قائمة بين عبدالحميد والدول الأوروبية، فإنه أبقى الامتيازات الأوروبية دون إلغاء، وكأنه يبعث برسالة واضحة إلى العرب مفادها: نعم نختلف مع الأوروبيين، لكنهم مفضّلون عندي عليكم. وكانت هذه الامتيازات من أبرز أسباب تخلف الصناعات والاقتصاد في الولايات العربية.
وهكذا عرف العالم العربي في عهد عبدالحميد الثاني تدهورًا حادًا في أوضاعه المعيشية. فقد نظر عبدالحميد وولاته إلى الأقاليم العربية بوصفها مجرد خزائن ضرائب، لا تعود على سكانها بأي فائدة حقيقية. كانت الأموال تُجبى بالقوة، ثم تُحوَّل لتنمية المدن التركية، وتعظيم مظاهر الترف داخل القصور السلطانية.
ومع الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية للدول الأوروبية، ازدهرت التجارة في أوروبا، التي سيطرت على الطرق التجارية، وربطت السلطنة العثمانية اقتصادها بالاقتصاد الأوروبي، بينما فُرضت عزلة خانقة على الولايات العربية، وكأنها تعيش في عالم منفصل تمامًا عن حركة التاريخ.
- فاطمة الزهراء حاج إسماعيل، “العرب في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876–1909)” (رسالة ماجستير، جامعة يحيى فارس المديه، 2020).
- عبدالرؤوف سنو، “السلطان عبدالحميد الثاني والعرب”، مجلة حوار العرب، مارس (2005).
- مذكرات السلطان عبدالحميد الثاني، تقديم وترجمة: محمد حرب، ط3 (دمشق: دار القلم، 1991).