خلافة الشعار:

كيف وظّف عبدالحميد الثاني الدين لإدارة الانهيار؟

حكم السلطان عبدالحميد الثاني الدولة العثمانية حكمًا فرديًا صارمًا من مقر إقامته في قصر يلدز، حيث ربط معظم مؤسسات الإمبراطورية بشخصه مباشرة. واستند إلى الجيش واعتمد عليه اعتمادًا شديدًا، كذلك اعتمد اعتمادًا واسعًا على أجهزة التحريات والأمن، التي انتشرت في كل مكان، وارتكبت العديد من التجاوزات في سبيل تثبيت سلطته.

وفي إطار تعزيز شعاراته الدينية، برز دور جمال الدين الأفغاني في بث خطاب “الجامعة الإسلامية”، ونشره في أرجاء العالم الإسلامي، ولا سيما في بلاد الهند التي شكّلت بثقلها البشري ركيزة أساسية لهذا الخطاب، كما وصلت أصداؤه إلى الصين وإلى عدد من البلدان الإفريقية عبر باشوات السلطنة.

جمال الدين الأفغاني والجامعة الإسلامية بين الدعوة والتوظيف.

غير أن التساؤل الجوهري يظل قائمًا: ما الأسباب التي دفعت عبدالحميد إلى الابتعاد عن العرب، بدلًا من أن يجعلهم خير سند له؟. في هذا السياق، طُرحت مشاريع كبرى تصدّرت المشهد، وقدّم المقربون من السلطان إغراءات متعددة، مؤكدين أن هذه المشاريع كفيلة بإنقاذ الدولة من التدهور، وتعافي “الرجل المريض”، وامتلاء خزانة الدولة. وكان أبرز هذه المشاريع إنشاء سكة حديد الحجاز وسكة حديد بغداد. غير أن تشييد سكة حديد بغداد تم برأسمال ألماني، وتولت ألمانيا حمايتها بوصفها صاحبة الامتياز، ما أدخل السلطنة في صراع أوروبي جديد، بعد أن أدخل ألمانيا طرفًا منافسًا في منطقة خليج البصرة الغنية بالنفط.

وقد ظن السلطان أنه بتقريبه للألمان تخلّص من النفوذ البريطاني، لكنه في الواقع فتح جبهة عداء جديدة من إنجلترا، وأثار في الوقت ذاته قلق روسيا التي كانت تراقب تطورات المنطقة بحساسية بالغة.

وهنا يبرز سؤال محوري آخر: لماذا لم يبدأ السلطان بتشييد سكة حديد الحجاز أولًا، لتكون ترجمة عملية لشعاراته الدينية، وتُصرف الأموال التي جُمعت من المسلمين في الغاية التي أُعلنت باسمهم؟. تشير مصادر تركية وإنجليزية ويهودية إلى أن هذا التوجه جاء بإيعاز من قوى يهودية، هدفها تمكين النفوذ في البلاد العربية وثرواتها، وتهيئة الأرضية لاحتلال فلسطين. كما تداخلت أسباب داخلية وخارجية أسهمت في تعقيد المشهد السياسي. ففي الفترة التي نشط فيها تيودور هرتزل داخل أروقة السلطنة، كان مدحت باشا من أبرز رجالات الدولة، وقد شغل مناصب إدارية رفيعة، من ولاية بلغاريا إلى الدانوب، ثم ولاية بغداد. وكان متأثرًا بالفكر الغربي، وقد وُلد في إسطنبول من يهود الدونمة. شغل منصب وزير العدل في عهد السلطان عبدالعزيز، وكان من أبرز من ساهموا في الإطاحة به عام (1876)، بعدما فضّل السلطان عبدالعزيز الأرمن على اليهود، وأبعدهم عن مراكز النفوذ.

مثّل مدحت باشا، بما امتلكه من نفوذ وقوة، أحد أهم العوامل التي دفعت عبدالحميد إلى إعلان الدستور وتأسيس مجلس نيابي على غرار البرلمانات الأوروبية. ويُلاحظ في هذا السياق مدى حرص السلطان على تقليد النموذج الغربي، طمعًا في نيل القبول الأوروبي، في مسار سبق أن انتهجه عدد من السلاطين، فكان تقليدًا أفضى إلى فقدان الهوية والاتزان السياسي.

وحين تبيّن لعبدالحميد اتصال مدحت باشا بإنجلترا، قرر إعدامه، لكنه تراجع ونفاه بدلًا من ذلك. ويُطرح هنا تساؤل مشروع: لماذا لم يُنفّذ السلطان قراره؟ تشير الوقائع إلى أن تنفيذ الإعدام كان سيجر على الدولة أضرارًا جسيمة من قبل القوى اليهودية العالمية، وهو ما دفعه إلى التراجع. ومن الأسباب التي أربكت السلطان وجعلت قراراته متخبطة أن إعلان الدستور لم يكن سوى محاولة لإسكات المعارضة الداخلية، وكسب ودّ الدول الأوروبية في الخارج. إلا أن النتائج جاءت عكسية، إذ بدأت الدولة تتلقى الضربات تباعًا منذ مؤتمر برلين عام (1878)، حيث استقلت رومانيا وصربيا، وسعت بلغاريا إلى اللحاق بهما، واحتلت النمسا البوسنة والهرسك.

تساقطت الولايات الواحدة تلو الأخرى، ولم يجد السلطان بدًا من التعويض بحليف قوي مثل ألمانيا، يكون في خصومة مع إنجلترا والدول الأوروبية الأخرى. وكانت البلاد العربية، بثرواتها ومواقعها، ساحة لتحقيق هذه الحسابات، مع زرع قوى تستنزف مقدراتها، تحت وهم أن الدولة باتت في مأمن من المؤامرات. ولا يمكن إغفال الدور الروسي، ولا سلسلة الثورات التي اندلعت ضد السلطان، من ثورة كريت وأرمينيا، إلى اضطرابات حوران عام (1898)، وثورة اليمن، في حين كانت مصر قد خرجت فعليًا من قبضته وأصبحت تحت الحماية البريطانية عام (1882)، وتونس تحت الحماية الفرنسية عام (1881).

في ظل هذه الظروف المتشابكة، لجأ السلطان عبدالحميد إلى التمترس خلف الشعارات الدينية، وعلى رأسها “الجامعة الإسلامية”. واكتمل مشروع سكة حديد الحجاز بين عامي (1901-1908)، ليُستخدم لاحقًا في أحداث سفربرلك، لا بوصفه مشروعًا نهضويًا كما رُوّج له.

وفي تقرير لسفير بريطانيا في إسطنبول عام (1907)، ورد ما نصه: “يمكننا أن نقرر أن من بين حوادث السنوات العشر الأخيرة عنصرين بارزين في الموقف السياسي العام؛ أولهما خطة السلطان الماهرة التي استطاع بها أن يظهر أمام ثلاثمائة مليون مسلم في ثوب الخليفة، الرئيس الروحي للإسلام، وأن يقيم لهم برهانًا على غيرته الدينية ببناء سكة حديد الحجاز… وقد ترتب على هذه السياسة خضوع أعمى من رعاياه لم يسبق له مثيل”. وكان جمال الدين الأفغاني أحد أبرز من أعانوا السلطان في هذا المسار، إذ جاء في كتابه الأعمال الكاملة: “من السلطان عبدالحميد الخليفة العثماني الداهية الذي بنى الجامعة الإسلامية وشيد أركانها”.

وقد هدفت هذه السياسة إلى خلق صراعات بين الدول والولايات، ليبدو الحل الوحيد هو الالتفاف حول من ادعى الخلافة وهو لا يستحقها وجامعته الإسلامية، باعتباره المنقذ من الهيمنة الأوروبية. واختلف المؤرخون في تقييم طبيعة هذه الخلافة وشعاراتها، لكنهم اتفقوا على أن أي توظيف للدين في هذا السياق لا بد أن يؤكد العلاقة الروحية والدنيوية معًا.

وأكد عبدالحميد على دور الأفغاني في الترويج لفكرة الجامعة الإسلامية، ورأى ضرورة وجوده في إسطنبول ليمنح حكمه الشرعية والسمعة في العالم الإسلامي. وكان يُفترض أن يكون حلقة وصل بين تركيا والمسلمين، عبر تنقله بين البلدان العربية واتصاله بمشايخ القبائل. غير أن هذه الخلافة ظلت في نظر العرب شكلية إلى حد كبير، ولم تحظَ باهتمام واسع من مشايخهم، إلا من قلة ارتبطت مواقفها باعتبارات خاصة.

  1. أحمد شفيق، مذكراتي في نصف قرن (القاهرة: مطبعة مصر، 1934).

 

  1. جمال الدين الأفغاني، الأعمال الكاملة، دراسة وتحقيق: محمد عمارة (بيروت: د.ن، 1979).

 

  1. فيليب حتي، خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1975).

 

  1. محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الادب المعاصر من الثورة العرابية الى قيام الحرب العالمية الأولى (القاهرة: المطبعة النموذجية، 1956).