لا هو العادل ولا هو المظلوم:
قراءة في سياسات عبدالحميد
لم يكن السلطان عبدالحميد الثاني كما تصوّره السرديات الإسلاموية الجديدة: لا هو السلطان العادل الذي حمى ديار المسلمين، ولا هو الضحية المظلومة التي أُسقطت لأنها تمسكت بفلسطين. بل كان حاكمًا مرتبكًا في لحظة تاريخية حرجة، أخفق في إدارة التحديات الكبرى، وتخبط بين خطابٍ شعبوي يُطمئن به الداخل، ومفاوضاتٍ سرية يُساوم فيها على الجغرافيا. ففي عهده سقطت معظم الأراضي العربية تباعًا من الاحتلال التركي إلى الاحتلال الغربي، وتحوّلت الإمبراطورية التي رفعت شعار الخلافة إلى جسدٍ مثقلٍ بالديون، مخترقٍ سياسيًا واقتصاديًا. أما فلسطين – التي يُراد لنا أن نصدق أنه رفض بيعها رفضًا قاطعًا – فقد شهدت في عهده الانطلاقة الفعلية للاستعمار الصهيوني المنظم.
فلسطين في ميزان المساومات العثمانية.
يُعتبر العام (1882) البداية الفعلية للاستعمار الصهيوني على أرض فلسطين، عبر مشروع استيطاني قائم على امتلاك الأراضي، وإنشاء المستعمرات، وإحياء اللغة والثقافة العبريتين. ويُشار هنا إلى مرحلتين واضحتين: مرحلة الاستيطان غير المنظم حتى عام (1900)، ثم مرحلة الاستيطان المنظم بعد هذا التاريخ. واللافت أن هذه المراحل الكثيفة من التغلغل والاستيطان وقعت جميعها في ظل حكم عبدالحميد الثاني، وتحت السيادة العثمانية المباشرة على فلسطين.
لقد حاول السلطان اللعب على جميع الحبال، في العلن، قدّم نفسه حاميًا للأراضي الإسلامية، وفي الخفاء فاوض زعيم الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل، ليس من موقع رفضٍ مبدئي، بل من موقع مقايضة سياسية. فالعراق – في حساباته – لم تكن إلا ورقة تفاوضية بديلة عن فلسطين، لا لأن المبدأ مرفوض، بل لأن المكاسب المرجوّة لم تكتمل بعد. عرض في البداية تمكين اليهود من العراق، خوفًا من ردّ فعل أوروبي على بيع فلسطين، خاصة في ظل الحساسية المسيحية تجاه الأرض المقدسة. لم يكن يخشى الرأي العام الإسلامي بقدر ما كان يخشى الجيوش الأوروبية. أما الداخل العربي والإسلامي، فقد كان يُدار بالدعاية والقمع.
تكشف الوثائق المنشورة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية جانبًا من تلك المفاوضات، عبر الحوار المنقول بين هرتزل وصديق السلطان الصحافي النمساوي نيولنسكي، حيث جرى الحديث عن ترتيبات خاصة بالقدس، وإخراجها من حدود الدولة لتصبح كيانًا للجميع، في صيغة تُفرغ السيادة من معناها. كما ورد عرض مالي ضخم يقضي بدفع عشرين مليون ليرة تركية لإصلاح الأوضاع المالية العثمانية، مقابل ترتيبات تتعلق بفلسطين، وتحرير الدولة من بعثة الحماية الأوروبية، مع تقديم امتيازات لحملة الأسهم الأوروبيين.
لم يكن الأمر إذًا صراعًا مبدئيًا على الأرض، بل مفاوضات معقدة على إدارة الأرض وشروط التنازل. واستمر السلطان في تهيئة البيئة القانونية والسياسية للاستيطان، عبر تعديل القوانين، ومنح الجنسية العثمانية لليهود، وتسهيل انتقالهم، وحمايتهم إداريًا، مع اشتراط ضمان موافقة القوى الأوروبية لتفادي الاصطدام الدولي.
وخلال ذلك أقيمت أكثر من مئة مستوطنة في عهد عبدالحميد الثاني، مع إنشاء مدارس ومصانع وبنوك وجمعيات استيطانية كانت تعمل في إطار من الحماية العثمانية. لم يكن الاستيطان تسللًا خفيًا خارج إرادة الدولة، بل عملية جرت داخل بنيتها الإدارية. وفي الوقت نفسه، كان السلطان يفاوض الألمان على امتيازات اقتصادية وعسكرية واسعة، وفي مقدمتها مشاريع السكك الحديدية والتغلغل في الأناضول والعراق. وكان النفط العراقي – الذي بدأ يلفت أنظار القوى الكبرى – جزءًا من معادلة التحالف مع ألمانيا، في مواجهة الإنجليز والفرنسيين. وهكذا تحولت العراق إلى ورقة مزدوجة: تفاوض مع اليهود من جهة، وتنسيق نفوذ مع الألمان من جهة أخرى.
يوصف عبدالحميد بأنه سلطان مصلحي، قدّم بقاء عرشه على ثوابت الأرض. لم يكن متمسكًا بفلسطين رفضًا مطلقًا، بل سعى إلى أعلى عائد سياسي ومالي ممكن. وحين تعذّر إبرام الصفقة بالشروط التي يريدها، استمر في المناورة، بينما كانت الأرض تُعاد صياغتها ديموغرافيًا واقتصاديًا.
إن السردية الرومانسية التي صاغتها الدراما العثمانية الجديدة لا تهدف إلى قراءة التاريخ بقدر ما تهدف إلى إعادة إحياء صورة الخلافة في الوجدان العربي. فعبدالحميد – بوصفه آخر السلاطين الأقوياء قبل الانهيار – تحوّل إلى رمز تعبوي، تُنسج حوله القصص، وتُخفى عنه الوقائع، ليبقى الحنين إلى العثمنة حيًا. لكن التاريخ لا يُدار بالحنين. وفلسطين لم تضع فجأة بعده، بل بدأت مسارات ضياعها المنظمة في عهده. والعراق لم يكن يومًا عرضًا أخلاقيًا، بل ورقة سياسية. والخلافة لم تكن حصنًا مانعًا، بل سلطة تفاوضت على الجغرافيا تحت ضغط البقاء.
عبدالحميد الثاني لم يكن السلطان العادل كما يُصوَّر، ولا المظلوم كما يُرثى، بل سلطان مرحلة أخفق في إدارتها، فدفع المشرق ثمن ارتباكه حتى اليوم.
- فدوى نصيرات، دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876-1909 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014).
- عبدالحميد العلوجي، الهجرة الصهيونية إلى فلسطين (بغداد: مديرية التأليف والترجمة والنشر، 1968).
- مروان أبو شمالة، الاستراتيجية الصهيونية تجاه مدينة القدس 1897-1948 (رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية بغزة، 2012).