أرطغرل التاريخ المُختلق وصناعة البطل
عند البحث في شخصية أرطغرل، لا يظهر أمامنا تاريخٌ متماسكٌ قائمٌ على المصادر، بقدر ما تبرز صورةٌ أسطورية مُتضخّمة، تُقدَّم بوصفها حقيقة تاريخية راسخة. فالمرويات الشائعة ترسمه بطلاً خارقًا، تجاوز في إنجازاته كل من سبقوه، حتى أولئك الذين مهّدوا لوجوده في الأناضول، بل وتذهب إلى نسبته إلى دورٍ تأسيسيٍ شاملٍ في بناء كيانٍ سياسيٍ امتد لاحقًا بالدولة العثمانية.
دخل كُتَّاب السرديات العثمانية بأزمة أرطغرل الأسطورية.
وتتكرر في هذه السرديات عبارات من قبيل أنه أحد أعظم الشخصيات في التاريخ التركي، وأنه صاحب الفضل في تحويل الأناضول إلى موطن لقبيلته، وأنه شارك في حروب السلاجقة ضد المغول، وأسهم في إنهاء النفوذ البيزنطي، بل ووضع حجر الأساس لإمبراطورية دامت قرونًا. غير أن هذه الصورة، على اتساعها، تفتقر إلى ما يسندها من توثيقٍ تاريخيٍ رصين. فالأبطال في التاريخ، على اختلاف عصورهم، توافرت لهم مصادر متعددة من التوثيق، وتقاطعت حولهم مصادر مختلفة، مما يرسّخ حضورهم الواقعي. أما أرطغرل، فإن التمجيد الذي أُحيط به تجاوز حدود التعظيم إلى ما يشبه التقديس، دون أن يقابله حضورٌ واضحٌ في المصادر التاريخية المعتبرة، سواء التركية المبكرة أو حتى في مصادر الأمم المجاورة.
وبناءً عليه؛ تبرز إشكالية جوهرية: كيف تتحول شخصيةٌ بهذا الحجم إلى مركزٍ لسردية تاريخية، في ظل غيابٍ شبه تامٍ في المدونات المعاصرة لها؟. يأتي كتاب قيامة أرطغرل نموذجًا واضحًا لمحاولة بناء هذه السردية، حيث لا يكتفي بعرض الأحداث، بل يعيد تشكيلها ضمن إطارٍ يهدف إلى إنتاج تاريخٍ متكامل لمرحلةٍ لا تتوافر لها مقومات هذا البناء. فالكاتب، في مقدمته، يقرر أن تاريخ أرطغرل يمتد عبر سياقٍ زمنيٍ معقدٍ يصل إلى قرابة مئتي عام، يبدأ من هجرة القبيلة بقيادة سليمان شاه، وينتهي بوفاة أرطغرل واستمرار ابنه عثمان في بناء الدولة. غير أن هذا الطرح، على اتساعه، يأتي خاليًا من التوثيق، قائمًا على عرضٍ إنشائيٍ يفتقر إلى الإسناد النقدي أو التحليل التاريخي الدقيق.
بل إن التناقض يظهر منذ البداية، حين يُحال إلى مواقع جغرافية غير منضبطة، مثل “هامان“ التي تُنسب إلى سياق لا يمت بصلة جغرافية واضحة، في مقابل ذكر “خلاط“ بوصفها موطنًا، دون تفسيرٍ منهجيٍ يربط بين هذه المعطيات أو يوضح سياقها التاريخي. ويتكئ النص على لغةٍ عاطفيةٍ كثيفة، تُستدعى فيها مفردات الإيمان والجهاد والطموح، بوصفها محركاتٍ للتاريخ، دون تفكيكٍ حقيقيٍ لهذه المفاهيم أو بيانٍ لحدودها. فعندما يُصوَّر تجمع الأتباع حول أرطغرل بوصفه نتيجة للإيمان العميق والفكرة الجامعة، يُطرح تساؤل جوهري: هل كان هذا المشروع دينيًا خالصًا؟ أم مشروعًا سياسيًا لبناء سلطة؟.
هذا التداخل غير المحسوم بين الديني والسياسي لا يُناقش، بل يُترك في صيغة خطابية تُخفي أكثر مما تُظهر، وتُمرّر تصوراتٍ دون مساءلة. ويمتد الخلل إلى تصوير البنية الاجتماعية والسياسية؛ فبينما يُقدَّم زعيم القبيلة بوصفه مناهضًا للعصبية، تُغفل تمامًا الطبيعة القبلية التي تقوم أساسًا على العصبية بوصفها ركيزة للسلطة. كما يُطرح “العُرف“ بوصفه نظامًا منظمًا، دون التطرق إلى ممارسات العنف أو الصراع التي كانت جزءًا أصيلًا من تلك البيئات. ويُضاف إلى ذلك التقليل من دور الخلافة العباسية، في مقابل تضخيم دور أرطغرل، بما يخلق توازنًا مختلًا في قراءة التاريخ.
وتبلغ الإشكالية ذروتها في مسألة النسب، حيث يُرجَّح رأيٌ معين استنادًا إلى مؤرخين متأخرين، دون تقديم الأدلة الكافية، أو عرض الروايات المختلفة، أو حتى توثيق المصادر بشكلٍ علمي. بل إن شجرة النسب نفسها تُعرض دون إسنادٍ واضح، ما يحولها من وثيقةٍ تاريخية إلى رسمٍ تخطيطيٍ بلا قيمة علمية حقيقية. ويزداد التناقض حين تُطرح تسميات الأبناء، وتُبرر بطريقة رمزية، في حين أن غياب التفسير التاريخي الدقيق يجعل هذه التبريرات أقرب إلى الافتراض منها إلى التحليل. ويتجه السرد في نهايته إلى حصر الامتداد التاريخي في شخصية عثمان، بوصفه الوريث الحقيقي للمشروع، بينما يُهمّش دور بقية الإخوة، بل ويُختزل مصيرهم في روايات الإبادة أو الغياب عن التاريخ.
وهنا تظهر بوضوح آلية صناعة البطل، حيث يُعاد ترتيب الأحداث لتخدم خطًا واحدًا ينتهي بتأسيس الدولة، فيُختزل التاريخ في مسارٍ أحادي، ويُعاد تشكيله لخدمة سردية لاحقة. لا يمكن قراءة هذا النوع من الكتابات بمعزل عن مفهوم القوة الناعمة، حيث تُستخدم الأعمال الثقافية لإعادة بناء الماضي بما يخدم الحاضر. فبدل أن يُقرأ التاريخ بوصفه مادةً للفهم، يُعاد إنتاجه بوصفه أداةً للهوية، مما يؤدي إلى خلق تاريخٍ جديدٍ، لا يستند إلى الوثيقة، بل إلى الحاجة.
- عبداللطيف بن دهيش، قيام الدولة العثمانية (مكة المكرمة: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، 1988).
- محمد الثنيان، قيامة أرطغرل (عمَّان: دار الفتح، 1439هـ).
- محمد كوبرلي، قيام الدولة العثمانية، ترجمة: أحمد السعيد (القاهرة: دار الكاتب العربي، 1967).