التاريخ العثماني بلا شواهد…
وبدايات صنعتها الرواية المتأخرة
لعلّ من أعقد الإشكالات التي تواجه الباحث المحايد في دراسة التاريخ العثماني المبكر، وبالأخص تاريخ عثمان بن أرطغرل ووالده أرطغرل، أن هذا التاريخ يقوم في جانبٍ كبير منه على فراغٍ مصدري، وعلى روايات متأخرة زمنيًا عن الأحداث التي تتحدث عنها. فالمؤرخ حين يقترب من مرحلة التأسيس العثماني لا يجد نفسه أمام سيلٍ من المصادر، بل أمام روايات كُتبت بعد قيام الدولة واستقرارها وترسخ مؤسساتها السياسية والعسكرية والمالية، أي بعد أن أصبحت السلطة تمتلك القدرة على صياغة تاريخها بالطريقة التي تريدها، وتسويق روايتها الرسمية بوصفها الحقيقة النهائية.
الدولة التي صنعت ماضيها متأخرًا.
وهنا تبرز الأزمة الحقيقية؛ إذ إن أغلب ما نعرفه عن عثمان الأول ووالده أرطغرل لم يُدوَّن في زمنهما، بل ظهر بعد أكثر من قرن من نشأة الدولة العثمانية، وهي مدة كافية لصناعة الأساطير السياسية، وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية، وتحويل الشخصيات التاريخية إلى رموز فوق النقد والمراجعة. ومن هنا يصبح من المشروع جدًا التساؤل: هل نحن أمام تاريخٍ حقيقي، أم أمام سردية سياسية كُتبت لاحقًا لتمنح الإمبراطورية الناشئة جذورًا بطولية ومقدسة؟.
ويشير الباحث أوميد عبدالكريم إبراهيم إلى هذه الإشكالية بوضوح حين يتحدث عن أرطغرل، مبينًا أن السجلات العثمانية الأولى التي تناولته تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وأن كثيرًا من المؤرخين ينظرون إلى تلك الروايات بوصفها أقرب إلى الطابع الأسطوري منها إلى التوثيق التاريخي الدقيق. والأكثر إثارة للانتباه أن شخصيات تاريخية كبرى ومعاصرة تقريبًا لتلك المرحلة، مثل ابن بطوطة والإمبراطور والمؤرخ البيزنطي يوحنا السادس قانتاقوزن، لم يذكرا أرطغرل أصلًا في كتاباتهما، رغم أنه – بحسب الرواية العثمانية المتأخرة – الشخصية التي مهدت لقيام واحدة من أعظم الإمبراطوريات الإسلامية.
إن غياب الإشارات المعاصرة لا يُعد تفصيلًا عابرًا في علم التاريخ، بل هو من أخطر الإشارات التي تدفع الباحث إلى إعادة النظر في الرواية السائدة. فحين تُنشأ دولة يُفترض أنها كانت تخوض معارك كبرى وتحقق توسعات ضخمة على حدود العالم الإسلامي والبيزنطي، ثم لا يلتفت إليها مؤرخو عصرها، فإن ذلك يفرض سؤالًا صادمًا: هل كانت تلك الصورة البطولية موجودة فعلًا في زمنها؟ أم أنها صُنعت لاحقًا عندما احتاجت الدولة العثمانية إلى ماضٍ ملحمي يبرر عظمتها اللاحقة؟.
ومن هنا لا يبدو مستغربًا أن يتوسع بعض الباحثين في طرح احتمالات أكثر جرأة، تتجاوز مجرد التشكيك في تفاصيل الرواية، إلى التساؤل عن حقيقة بعض الشخصيات نفسها، أو على الأقل عن الحجم الحقيقي لدورها التاريخي مقارنةً بما ضخمته الدراما القومية التركية الحديثة. فالمبالغات التي قدمتها الأعمال الدرامية المعاصرة، وخاصة تلك التي صاغها التيار التركي القومي الجديد، لم تكتف بإعادة إحياء التاريخ العثماني، بل أعادت إنتاجه بصورةٍ بطولية تكاد تنتمي إلى عالم الأساطير أكثر من انتمائها إلى البحث التاريخي النقدي.
وفي دراسة صادرة عن الجامعة المستنصرية يظهر الاعتراف الصريح بحجم الغموض الذي يحيط بنشأة الدولة العثمانية، إذ تؤكد الدراسة أن المرحلة المبكرة من تاريخ العثمانيين لا تزال ضبابية إلى حد بعيد، وأن الباحثين ما زالوا مختلفين حول الكيفية التي تشكلت بها الإمارة العثمانية، والعوامل السياسية والاجتماعية والثقافية التي ساعدت في ظهورها. كما تشير الدراسة إلى أن الإمارة العثمانية في بدايتها لم تكن سوى إمارة حدودية صغيرة نشأت في بيئة عسكرية مضطربة على تخوم الدولة البيزنطية.
هذا الاعتراف الأكاديمي بالغموض يقود إلى نتيجة بالغة الأهمية؛ وهي أن الصورة اللاحقة للدولة العثمانية أُلقيت بأثر رجعي على مرحلة التأسيس. فالإمبراطورية التي أصبحت لاحقًا قوة عالمية، أُعيد رسم بداياتها بطريقة تجعل من كل تفصيل صغير إرهاصًا لعظمة قادمة، ومن كل تحرك قبلي بسيط مشروعًا إمبراطوريًا واعيًا منذ اللحظة الأولى، بينما الواقع التاريخي يبدو أكثر تعقيدًا وأقل رومانسية بكثير.
حتى شخصية عثمان نفسه لم تسلم من هذا الاضطراب السردي؛ فالمصادر اختلفت في توصيفه، وتعددت ألقابه بين أمير وقائد حملة وخان وسلطان. وتشير دراسة الجامعة المستنصرية إلى أنه لم يكن سلطانًا فعليًا في زمانه، وأن الألقاب الإمبراطورية أُلصقت به بعد وفاته، عندما أصبحت السلالة العثمانية بحاجة إلى مؤسسٍ ذي هالة استثنائية يليق بإمبراطورية توسعت لاحقًا على ثلاث قارات.
ومن اللافت أن كثيرًا من الروايات البطولية التي نُسجت حول عثمان وأرطغرل تتجاهل عنصرًا أساسيًا في فهم نشأة الدولة العثمانية، وهو عنصر الصدفة التاريخية. فقيام الدولة لم يكن – وفق كثير من القراءات النقدية – نتيجة مشروع حضاري خارق بقدر ما كان نتيجة فراغ سياسي وانهيار متزامن لقوتين كبيرتين أنهكتا بعضهما البعض: السلاجقة والبيزنطيون. وفي خضم هذا الإنهاك ظهرت قبائل حدودية تركمانية وجدت أمامها مجالًا مفتوحًا للتوسع والتحرك.
ويصف عمر الإسكندري وسليم حسن هذه اللحظة بوضوح في كتابهما تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر، حين يذكران أن قبيلة أرطغرل صادفت جيشين يقتتلان، فانضمت إلى الطرف السلجوقي الذي كان على وشك الهزيمة، فانتصر بمساعدتها على البيزنطيين، ثم كافأ السلطان السلجوقي أرطغرل بمنحه أرضًا حدودية أصبحت لاحقًا نواة الدولة العثمانية.
إن هذه الرواية، بعيدًا عن الزخرفة البطولية المتأخرة، تقدم تفسيرًا أكثر واقعية لنشأة العثمانيين؛ إذ يبدو الأمر أقرب إلى تحولات سياسية واستغلال ذكي لفراغ القوة، لا إلى ملحمة مقدسة مخطط لها منذ البداية. لكن السردية العثمانية اللاحقة – ومعها كثير من الخطابات الأيديولوجية الحديثة – حولت تلك الظروف التاريخية المعقدة إلى قصة بطولية متماسكة، تُظهر العثمانيين وكأنهم أصحاب مشروع تاريخي استثنائي منذ اللحظة الأولى.
كما أن المصادر التركية التقليدية كثيرًا ما تتغافل عن حقيقة أن عثمان لم يكن يتحرك في بيئة تركمانية موحدة خلفه، بل واجه معارضة من إمارات تركمانية أخرى، خصوصًا الإمارة الكرمانية، وهو ما تؤكده أيضًا دراسة الجامعة المستنصرية. لكن عثمان – بحسب الدراسة – تجنب الاصطدام بجيرانه من أمراء الأناضول، وركز توسعاته نحو الغرب البيزنطي، مستفيدًا من حالة الضعف والانقسام التي كانت تعيشها الإمبراطورية البيزنطية آنذاك.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في السرديات التاريخية ليس انحيازها فقط، بل قدرتها على التحول مع الزمن إلى حقائق مقدسة يصعب الاقتراب منها. والتاريخ العثماني المبكر يقدم نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية؛ إذ نجد أنفسنا أمام مرحلة يكتنفها الغموض، وشخصيات تفتقر إلى التوثيق المعاصر الكافي، وروايات متأخرة صيغت في ظل دولة أصبحت بحاجة إلى صناعة ماضٍ يوازي قوتها السياسية والعسكرية.
وهنا لا يصبح السؤال الحقيقي: هل كان عثمان بن أرطغرل شخصية تاريخية فحسب؟
بل يصبح السؤال الأعمق: كيف تُصنع البدايات الكبرى في ذاكرة الأمم؟ وكيف تتحول الإمارة الصغيرة، عبر السرد والتكرار والأدلجة، إلى أسطورةٍ تبدو وكأنها حقيقة مطلقة؟.
- إبراهيم حليم بك، التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العليَّة (بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 1988).
- أوميد عبدالكريم، «أرطغرل».. شخصيةٌ حقيقيةٌ أم سرابٌ تاريخي؟ (صحيفة الخليج).
- الجامعة المستنصرية، الأمير عثمان الأول ودوره في تأسيس الدولة العثمانية (١٢٥٨ – ١٣٢٦م).
- عمر الأسكندري وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014).
- محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).