السردية العثمانية:
صناعة البطولة وتقديس التأسيس
يواجه الباحث في التاريخ العثماني المبكر؛ مشكلة أن كثيرًا من الكتابات المتعلقة بنشأة الدولة العثمانية لم تُبنَ على الرواية التاريخية البحتة، بل على سردية تمزج بين التقديس والبطولة والأسطورة، حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين ما هو حدث تاريخي وما هو بناء ذهني صاغته الدولة لاحقًا لتمنح نفسها شرعية تاريخية وروحية تتجاوز حدود الواقع.
عثمانيون أم أسطوريون؟ بين الوثيقة والكرامات المزيفة
فالحديث عن أرطغرل وعثمان في الأدبيات التركية الحديثة لا يأتي غالبًا بوصفهما زعيمين قبليين تحركا في بيئة حدودية مضطربة، بل باعتبارهما شخصيتين استثنائيتين ظهرتا ضمن مشروع مقدس كبير، تحيط به البشارات والرؤى والكرامات والإشارات الغيبية. وهنا تتحول الدولة من كيان سياسي تشكل بفعل الظروف التاريخية إلى رسالة مقدسة كُتب لها أن تظهر منذ البداية.
وتشير ثريا فاروقي إلى اهتمام المؤرخين في القرن العشرين بتاريخ الدولة العثمانية من جوانبها الديموغرافية والحضرية والاقتصادية، مع تركيز واضح على سجلات الضرائب والوثائق الرسمية في القرن الخامس عشر الميلادي وما بعده. غير أن هذا الاهتمام المتأخر يكشف ضمنيًا حجم الغموض الذي يلفّ المرحلة التأسيسية نفسها، إذ إن البدايات العثمانية بقيت مفتوحة على التأويل، وقابلة لإعادة الصياغة بما يخدم صورة الدولة لاحقًا.
ويظهر هذا التوجه بصورة أكثر وضوحًا في كتاب ياوز بهادر أوغلو حول قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية، إذ لا يقدّم المؤلف سردًا تاريخيًا تقليديًا بقدر ما يقدّم قصة كبرى تتداخل فيها بشارات فتح القسطنطينية، وإلهامات الأولياء، والرؤى والإشارات الغيبية التي قادت عشيرة قايي خلال ترحالها الطويل حتى الوصول إلى تخوم الأناضول.
ولا إشكال في الحديث عن نشر الإسلام أو مشاركة المسلمين في حروبهم التاريخية، لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحول التاريخ إلى فضاء عجائبي، تُربط فيه نشأة الدول بالخوارق والرؤى، لا بالظروف السياسية والعسكرية والاجتماعية. فالمؤلف نفسه يتحدث عن الكرامات والرؤى والإشارات التي كانت تكشف المستقبل، ثم يعود ليمنح هذه الإشارات بعدًا تأسيسيًا للدولة العثمانية، وكأن قيام الإمبراطورية كان قدرًا مكتوبًا منذ اللحظة الأولى.
واللافت أن الخطاب ذاته لا يكتفي بتمجيد أرطغرل وعشيرته، بل يضعهم في صورة المنقذ للدولة السلجوقية والعالم الإسلامي في مواجهة البيزنطيين والمغول، رغم أن المصادر المعاصرة لتلك المرحلة لا تقدم هذا التصور البطولي الضخم. بل إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا: إذا كان أرطغرل بهذا الحجم التاريخي الهائل، فلماذا لا نجد حضورًا متناسبًا له في التوثيق السلجوقي أو البيزنطي المعاصر؟ ولماذا يبدو وكأن شخصيته تضخمت كلما ابتعدنا زمنيًا عن عصره؟.
إن هذه الفجوة بين الصورة المتأخرة والصمت المعاصر ليست تفصيلًا هامشيًا، بل مؤشر بالغ الأهمية على أن الدولة العثمانية – بعد استقرارها – أعادت كتابة بداياتها بطريقة تمنحها بعدًا بطوليًا ورساليًا. فكل إمبراطورية كبرى تحاول غالبًا أن تعيد تشكيل ماضيها بما ينسجم مع عظمتها اللاحقة، والعثمانيون لم يكونوا استثناءً من ذلك.
ويتضح هذا أكثر في الطريقة التي تُصوَّر بها شخصية أرطغرل داخل الأدبيات الحديثة والدراما التركية؛ إذ يُقدَّم بوصفه الفارس الملهم الذي تحيطه النبوءات منذ طفولته، حتى إن بعض النصوص تتحدث عن حراسته باعتباره النواة الأولى لدولة إسلامية عظيمة. وهي لغة لا تنتمي إلى الكتابة التاريخية النقدية، بل إلى صناعة الرموز والأساطير السياسية.
كما أن الوصف الأدبي الذي يُرسم له – وهو يمتطي جواده، ويحدق في الغابة، وتتطاير خصلات شعره – يعكس محاولة واعية لتحويل الشخصية التاريخية إلى بطل درامي مكتمل الصورة، أقرب إلى أبطال الملاحم منه إلى قادة القبائل الحدودية في القرن السابع الهجري.
ومن الملاحظ كذلك أن كثيرًا من هذه الكتابات تتأثر تأثرًا واضحًا بالموروث الإسلامي والعربي، لكنها تعيد توظيفه داخل سياق عثماني قومي جديد، فتظهر اللغة الدينية بوصفها أداة لبناء الشرعية التاريخية، لا مجرد انعكاس للواقع الديني في تلك المرحلة. ولهذا تبدو النصوص أحيانًا وكأنها تمزج بين التدين الشعبي والأسطرة السياسية بطريقة تتجاوز المنطق التاريخي نفسه.
ثم تأتي الوصايا المنسوبة إلى عثمان، وما يُروى عن أورخان من عدل وتسامح، لتُستخدم باعتبارها أساسًا أخلاقيًا لتوسع الدولة العثمانية، وكأن الإمبراطورية لم تتشكل عبر الصراع السياسي والعسكري المعهود في كل الدول، بل عبر نموذج مثالي من العدالة والتسامح والرسالة الحضارية.
ولا شك أن الدولة العثمانية امتلكت لاحقًا تجربة سياسية وعسكرية ضخمة، لكن المشكلة هنا ليست في الاعتراف بإنجازاتها، بل في تحويل تلك الإنجازات إلى سردية مغلقة لا تقبل النقد أو المراجعة. فالتاريخ العثماني – كما يُقدَّم في كثير من الأدبيات الحديثة – لا يكتفي بوصف التوسع العسكري، بل يصرّ على تسميته فتوحات، بما يحمله المصطلح من قداسة دينية وأخلاقية، حتى يصبح كل توسع سياسي وكأنه مهمة خلاصية لإنقاذ البشرية من هيمنة بيزنطة ومن والاها.
بل إن هذا التصور لا يزال يُغذّى حتى اليوم عبر الاحتفالات الشعبية والفعاليات الثقافية التركية، مثل مسابقات المصارعة والفروسية التي تُقام في سوغوت قرب ضريح أرطغرل، حيث يُقدَّم للأجيال الجديدة بوصفه الأمير أرطغرل، رغم استمرار الجدل التاريخي حول كثير من تفاصيل شخصيته ونسبه ودوره الحقيقي.
والأكثر إثارة أن البعد الروحي والسياسي لهذه السردية تجاوز تركيا نفسها، حتى أصبح ضريح أرطغرل مقصدًا لآلاف الزوار من خارج العالم التركي، وخاصة من باكستان، في ظل انتشار بعض التصورات الصوفية والبكتاشية المرتبطة بالعثمانيين، وهو ما يكشف كيف تحولت الشخصية من مجرد زعيم قبلي تاريخي إلى رمز عابر للحدود يُعاد إنتاجه دينيًا وقوميًا وثقافيًا.
ومع ذلك، فإن الضبابية لا تزال تسيطر حتى على التفاصيل الأساسية المتعلقة بقيادة قبيلة قايي نفسها؛ فبعض الروايات تجعل زعيمها سليمان شاه، بينما ترجح روايات أخرى اسم كوندز آلب، استنادًا إلى بعض المصادر العثمانية والمسكوكات النقدية. وهذا التناقض وحده يكشف أن المرحلة المبكرة للدولة العثمانية لا تزال أبعد ما تكون عن اليقين التاريخي الذي تحاول بعض السرديات الحديثة فرضه.
وفي النهاية، فإن القضية لا تتعلق بإنكار التاريخ العثماني أو التقليل من أثره، بل تتعلق بضرورة تحرير التاريخ من السرديات المغلقة التي تصنع من الدول والأشخاص كيانات فوق النقد والمراجعة. فالتاريخ الحقيقي لا يقوم على الكرامات والرؤى والأساطير، بل على الوثيقة والتحليل والسياق. أما حين يتحول الماضي إلى ملحمة مقدسة، فإننا لا نكون أمام تاريخ بقدر ما نكون أمام مشروع لإعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر صورة منتقاة بعناية عن الماضي.
- ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها (بيروت: المدار الإسلامي، 2007).
- محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، ط2 (بيروت: دار النفائس، 1983).
- ياوز بهادر أوغلو، مرحبا سوغوت “قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية “، ترجمة: مصطفى حمزة ومحمد حمزة (بيروت: شركة دار مكتبة المعارف، 2017).