تكفيك الرواية العثمانية المتأخرة لنشأة السلطنة:
قراءة نقدية لدولتهم
لم تنشأ الدولة العثمانية نشأةً دينية كما تحاول بعض الكتابات المتأخرة أو الخطابات السياسية الحديثة تصويرها. فتقديم عثمان بن أرطغرل باعتبارهِ قائدًا إسلاميًا، أو مجاهدًا مؤسِسًا لمشروع ديني منذ اللحظة الأولى، تعتبر رواية متأخرة قُدِّمت بعد أن تحولت الإمارة الصغيرة إلى سلطنة ممتدَّة النفوذ، ثم إلى سلطة تبحث عن شرعية كبرى تبرر توسعها وتمنحها مكانة رمزية في العالم الإسلامي. والمشكلة ليست في أن عثمان أو والده أرطغرل مسلمين أو غير مسلمين، إنما في تحويل نشأة سياسية وعشائرية محدودة إلى ملحمة دينية كبرى، ثم إسقاط صورة الخلافة على لحظتها الأولى التي تأسست بها. وهذا الخلط يحتاج إلى قراءة نقدية تميز بين الواقع السياسي الذي نشأت فيه سلطنة العثمانيين والصورة المُعدلَّة التي روجها المتأخرون.
البدايات التاريخية للعثمانيين تعاني فراغًا وثائقيًا وتضخيمًا أيديولوجيًا.
ومن الصعب القول إن الإسلام كان العنصر الحاسم في البدايات الأولى للمشروع العثماني. فالدور الديني للعثمانيين لم يبرز بقوة إلا في مرحلة لاحقة، خصوصًا بعد توسع العثمانيين باتجاه العالم العربي، ثم بعد القضاء على دولة المماليك في مصر والشام، وانتقال الرمزية السياسية للخلافة العباسية التي كانت مستقرة في القاهرة تحت رعاية المماليك.
عند تلك اللحظة، أدرك العثمانيون حجم المكانة العميقة التي يحتلها الإسلام في الوجدان العربي والإسلامي، فاكتشفوا أن الشرعية الدينية قادرة على منح سلطانهم بُعدًا يتجاوز القوة العسكرية. ومن هنا بدأ توظيف الإسلام سياسيًا ورمزيًا، لا بوصفه أصلًا مؤسسًا للدولة منذ بدايتها، بل بوصفه عباءة شرعية جاءت بعد أن تمددت الدولة واحتاجت إلى خطابٍ جامع يربط الشعوب الخاضعة بها. ولعل الموقف العثماني المُتراخي من مأساة مسلمي الأندلس يكشف الحضور الديني في الوعي السياسي العثماني المبكر؛ إذ لم يظهر العثمانيون، في تلك المرحلة، بوصفهم قوة إسلامية مركزية تحمل مسؤولية الدفاع عن الإسلام حيثما كان، بقدر ما ظهروا كقوة توسعية تتحرك وفق حسابات المصلحة والنفوذ.
كما تحاول بعض الكتابات المتأخرة تقديم عثمان بن أرطغرل في صورة قائد ديني مؤسس، ويصل الأمر أحيانًا إلى رفعه إلى منزلة رمزية مبالغ فيها، تقارنه بالفاتحين الأوائل. غير أن القراءة الواقعية للبدايات العثمانية تكشف صورة مختلفة، فعثمان كان قائدًا لعشيرة تعيش على الثغور، استطاعت استثمار الفراغ السياسي والعسكري الناتج عن ضعف قوتين كبيرتين في ذلك الزمن، هما السلاجقة والبيزنطيون. فقد نشأت إمارتهم في منطقة حدودية مضطربة، تداخلت فيها المصالح والحروب والغارات والتحالفات المتغيرة. وفي مثل هذه البيئات، لا تنشأ الدول غالبًا من مشروع فكري مكتمل، بل من قدرة جماعة صغيرة على اغتنام الفرص، والتحالف مع الأقوى حينًا، والانقلاب على موازين القوة حينًا آخر. ومن هنا، فإن تحويل عثمان إلى مؤسس ديني له رسالة إسلامية منذ بدايته، لا يُقدِّم قراءة تاريخية بقدر ما يعيد بناء دعاية تهدف لجعل نشأة العثمانيين شبيهة بالفتوحات الإسلامية الكبرى، مع أن الفارق بين التجربتين كبير في الدوافع والسياق والنتائج.
وهنا يبرز سؤال مهم في نشأة السلطنة العثمانية؛ هل كانت حروب العثمانيين الأولى لعشيرة أرطغرل ثم عثمان حروبًا إسلامية، أم توسعية ومناوشات حدودية مارستها جماعة تبحث عن الأرض والنفوذ والغنيمة؟. وصف الحروب بالإسلامية يحتاج إلى أساس ديني وسياسي واضح، وهذا ما لا تقدمه الروايات المبكرة بصورة حاسمة. فالراجح، أن العشيرة العثمانية الأولى تحركت باعتبارها قوة عسكرية صغيرة تعمل في هامش الصراع بين السلاجقة والبيزنطيين. وقد كان انحيازها إلى السلاجقة أقرب إلى حسابات القرب العرقي والسياسي والمصلحي، لا إلى مشروع ديني شامل. وبذلك فإنه من الظلم أن تُنسب كل أعمال عثمان وعشيرته إلى الإسلام، أو أن تُعرض كاستمرارٍ لفتوحات صدر الإسلام.
ومما يشير إليه وليد فكري، في كتابه الجريمة العثمانية: الوقائع الصادمة لأربعة قرون من الاحتلال؛ أن هوية أرطغرل الدينية ليست محسومة كما تصوّرها الأدبيات العثمانية. فبعض الروايات تقدمه مجاهدًا مسلمًا، وبعضها يجعله أول من أسلم من قومه، بينما تذهب روايات أخرى إلى أن العشيرة لم تكن مسلمة في الأصل، وأن اعتناق الإسلام تم لاحقًا في عهد عثمان نفسه. وهذا الاضطراب في الروايات يكشف أن الصورة الدينية المكتملة لأرطغرل وعثمان ليست مستقرة، بل بناء سردي متأخر. وحتى لو افترضنا جدلًا أن عثمان اعتنق الإسلام ثم أدخل عشيرته فيه، فإن مشروع أرطغرل السابق لا يمكن وصفه مشروعًا إسلاميًا، لأنه تحرك في إطار خدمة السلاجقة والصراع على الحدود، لا في إطار أبعاد دينية معلنة. لقد بدأ كمشروع مصلحة ونفوذ، ثم تطور بفعل الظروف الجغرافية والسياسية إلى إمارة صغيرة توسعت تدريجيًا. ومع اتساع النفوذ، بدأ البحث عن شرعية أعلى، فكان الإسلام هو الوعاء الأنسب لمنح هذه الإمارة الناشئة معنى أكبر من حقيقتها الأولى.
سار عثمان على سياسة والده التي انتهجها في مساعدة السلاجقة، ومهاجمة البيزنطيين، واستثمار الصراع بين القوتين. وقد رفع ذلك مكانته عند السلطان السلجوقي علاء الدين، الذي منحه قدرًا من الاستقلال الذاتي، وأقطعه أراضي وقلاعًا، وسمح له بمظاهر سيادة مثل سك العملة وذكر اسمه في الخطبة مقرونًا باسمه. غير أن هذه الامتيازات التي بدت كمكافأة ولاء، تحولت بعد ذلك إلى أدوات انفصال واستقلال. فقد استفاد عثمان من ضعف السلاجقة، كما استفاد من تراجع البيزنطيين، ليتمدد على حسابهما معًا. ومن هنا يمكن القول إن البدايات العثمانية لم تكن ولادة دولة إسلامية بالمعنى المنطقي، بل ولادة قوة حدودية أحسنت استثمار لحظة الانهيار المحيطة بها، ثم انقضت على الفراغ السياسي الذي تركته القوى الأكبر. وهذه النقطة تحديدًا تكشف الفارق بين الرواية الأسطورية والرواية الواقعية: فالرواية الأسطورية تجعل من عثمان رجل دين، أما الرواية الواقعية فتراه رجل فرصة، عرف كيف يستثمر ضعف الآخرين ليصنع لنفسه ولعشيرته موضعًا في خريطة السلطة. وأسلمة التاريخ العثماني لم تكن بحث بريء في عقيدة الآباء المؤسسين، بل كانت عملية سياسية وثقافية تهدف إلى منح الدولة العثمانية نسبًا رمزيًا رفيعًا. فحين تصبح الدولة واسعة ومهيمنة، فإنها لا تكتفي بالقوة العسكرية، بل تحتاج إلى قصة تأسيس مشرّفة، تجعل بداياتها الصغيرة تبدو وكأنها جزءًا من قدرٍ تاريخي ورسالة دينية. لذا جاءت المبالغة في تقديم عثمان وأرطغرل بوصفهما فاتحين شبيهين بالفاتحين المسلمين الأوائل. فالهدف لم يكن توضيح التاريخ، بل تسويق المشروع العثماني في العالم الإسلامي، وخاصة في العالم العربي، عبر ربطه وجدانيًا بالإسلام والخلافة.
لذلك أشار وليد فكري إلى أن النواة الأولى التي تشكلت حول عثمان لم تكن كتلة عشائرية نقية أو متجانسة، بل تكونت من عشيرة محدودة العدد، ثم توسعت عبر ضم عشائر أضعف، إضافة إلى عناصر بيزنطية وأرمنية ناقمة على الحكم البيزنطي. وهذا يعني أن البنية الأولى للمشروع العثماني كانت خليطًا سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا، لا جماعة دينية صافية تحمل مشروعًا إسلاميًا واضحًا منذ البداية.
ولعل هذا الحال هو حال التي تحاول بعد ترسخ سلطانها؛ إعادة النظر في بداياتها. فإذا كانت البدايات متواضعة أو مضطربة أو خالية من النسب السياسي الرفيع، تبدأ عملية صناعة ميلاد مشرف يليق بالمكانة الجديدة. وهذا ما حدث في الحالة العثمانية؛ إذ جرى تضخيم البدايات وإلباسها ثوب القداسة، حتى تظهر الدولة وكأنها نشأت منذ اللحظة الأولى لخدمة الإسلام. وهذا ما يدعو إلى أن نقرأ التاريخ من دون أن نستسلم لروايته التي صنعتها الدولة عن نفسها. فالدول الكبرى لا تكتب تاريخها ببراءة، بل غالبًا ما تنتج سرديات تخدم شرعيتها، وتخفي ما لا يناسب صورتها الرسمية. لذلك فإن تفكيك الرواية العثمانية يعني وضعها في سياقها الحقيقي، بعيدًا عن التقديس والمبالغة.
وتتضح مركزية التوظيف الديني بصورة أكبر في عهد سليم الأول، الذي توسعت الدولة العثمانية في عهده في العالم العربي، وأسقطت دولة المماليك، وبدأت تستخدم ألقابًا ذات بعد ديني. وقد أشار الباحث جميل رشيد إلى أن هذا التحول منح السلطان العثماني موقعًا رمزيًا داخل العالم السني، واستُخدم لاحقًا لحشد الناس حول السلطة العثمانية وتبرير حروبها. وهذا يعني أن الخطاب الديني العثماني بصورته الكبرى لم يكن سابقًا على الدولة، بل جاء بعد توسعها. فالخلافة لم تكن أساس النشأة، وإنما أداة من أدوات تثبيت النفوذ بعد السيطرة على مراكز الثقل الإسلامي. ومن الخطأ المنهجي أن تُسقط هذه المرحلة المتأخرة على البدايات الأولى، ثم يُقال إن عثمان وأرطغرل تحركا منذ البداية بمنطق الخلافة والبُعد الإسلامي.
ربما أنه من المناسب هنا التوقف عن عبدالعزيز الشناوي وكتابه الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، الذي ُيقِر فيه المؤلف بأن الوضع الديني للأتراك العثمانيين في بدايتهم لم يكن واضحًا تمامًا، وأن اعتناقهم الإسلام ارتبط بعثمان، ثم يشير إلى احتمال أنهم كانوا في مرحلة تحول من الوثنية أو من عقائد أخرى إلى الإسلام. وهذا الاتجاه، صدر عن مؤلف يدافع عمومًا عن الدولة العثمانية، إذ يكشف أن مسألة الإسلام في البدايات العثمانية ليست بالوضوح الذي تروجه الرواية الدعائية. فإذا كان اعتناق الإسلام قد تبلور في عهد عثمان، فهذا يعني أن أرطغرل وعشيرته لم يكونوا، بالضرورة، جزءًا من مشروع إسلامي مكتمل قبل ذلك. كما يعني أن إسلام العثمانيين الأوائل ربما كان أحد أدوات الاندماج في البيئة السياسية السلجوقية، ومحاولة للاستفادة من الشرعية التي منحها الإسلام للسلاجقة قبلهم.
وعلي فإن قراءة نشأة الدولة العثمانية قراءة نقدية تكشف أن القداسة التي أُحيطت بعثمان بن أرطغرل وأبيه لم تكن جزءًا ثابتًا من التاريخ الأول، بل أُضيفت لاحقًا عندما احتاجت الدولة إلى شرعية دينية توازي اتساعها العسكري والسياسي. فالبدايات الحقيقية كانت أقرب إلى حركة عشائرية حدودية، استثمرت ضعف السلاجقة والبيزنطيين، وتوسعت بفعل المصلحة والفرصة، لا بفعل مشروع ديني واضح المعالم. لذلك، فإن وصف عثمان وأرطغرل بأنهما مؤسسا مشروع إسلامي منذ اللحظة الأولى هو تبسيط شديد للتاريخ، بل هو أقرب إلى إعادة تشكيل الماضي بما يخدم صورة سياسية لاحقة. أما المنهج التاريخي الرصين فيفرض التمييز بين الإسلام بوصفه دينًا عظيمًا له تاريخه وقيمه، وبين توظيف بعض الدول له لتبرير التوسع وإضفاء القداسة على السلطة. ومن هنا، فإن نقد الرواية العثمانية لا يستهدف الإسلام، بل يحمي الإسلام من أن تُنسب إليه حروب ومصالح وتحالفات لم تكن بالضرورة نابعة منه. فالمشكلة ليست في الدين، بل في استخدامه بعد ذلك لتجميل نشأة سياسية مضطربة، وتحويل قائد عشيرة حدودية إلى رمز مقدس، ثم تسويق ذلك بوصفه حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش.
- وليد فكري، الجريمة العثمانية: الوقائع الصادمة لأربعة قرون من الاحتلال (القاهرة: الرواق للنشر والتوزيع، 2022).
- عبدالعزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترة عليها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980).
- جميل رشيد، “الصراع العثمانيّ الصفويّ وانعكاساته على حركات الإسلام السياسيّ“، مجلة الشرق الأوسط الديموقراطي، على الرابط: https://2u.pw/n9tnC6.