تاريخ كتب في قصر السلطان!!

من يصدق تاريخا أسقط من كتبه 600 عام من التاريخ العربي المجيد، وهذا ما يقوله الاتراك العثمانيين أنفسهم وعلى لسان أحد مؤرخيهم الذي اكد: “إنه باستثناء محمد صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الأربعة من بعده، لم يكن لأي حاكم مسلم آخر انجازات أكثر من إنجازات السلاطين العثمانيين”.

 هكذا يرون أي أحد غيرهم فكيف يمكن قبول أي تاريخ او رواية تصدر عنهم!!

لعل المدقق في الخلفية التاريخية والثقافية العثمانية سيجدها متواضعة جدا خاصة عند بداية ظهور السلطنة من مجموعة قبلية جاءت من أواسط اسيا لا تحمل ارثا ولا ثقافة ولا مجدا ولا حضارة ، فقط سيوفها وشهوتها للسيطرة والقتال، بل انه لم يبدأ التدوين وفهم أهمية الكتابة التاريخية الا بعد احتكاك العثمانيين بالعرب، عندها فقط بدأ الاهتمام بالتدوين والكتابة لدرجة استعارتهم للحرف العربي.

 الا ان ذلك التدوين لم يكن علميا ابدا، بل كان صدى لما يحلم به السلطان داخل قصره، فهو يريد انتصارات ويريد معارك يقوم فيها بالمعجزات، ويريد اسقاط الهزائم والخسائر التي قد تشوه تاريخه، وهكذا كان.

انه تاريخ يُغيّبُ عمدا تفاصيل الحركة الاجتماعية للشعوب العربية او غيرها من الشعوب التي كانت تعيش تحت طائلة الاحتلال العثماني، وكأن لا وجود لامة غير الامة العثمانية على وجه الأرض.

كما ان كثير من المؤلفات التاريخية العثمانية لم تخضع لا للمراجعة العلمية ولا التدقيق الفني، الذي يفترض ان يخرج منه الإضافات والاكاذيب والاختلاقات، بل تم القفز على الحقائق والصاق الكثير من الروايات بها لتبدو وكأنها مثالية جدا.

ان البحث عن المثالية، كان هوس السلاطين العثمانيين ولا زال حتى اليوم بدأ من الصاق التاريخ العثماني بالعهد النبوي مباشرة وكأن ستة قرون عربية ليس لها وجود، وكأن أمة عربية عاشت منذ العهد النبوي حتى الحكم العثماني اختفت بكل امجادها وعبقريتها وشجاعتها ونتائجها على الأرض والتاريخ.

انه تعبير حقيقي عن الغطرسة والتكبر العثماني الذي لا يقدم سوى بطولاته وانجازاته – ان وجدت- بالرغم من انها جاءت على اكتاف الحضارة العربية، واقتاتت من المزود العربي في كل شيء بدء من الإسلام نفسه والفقه والتشريعات وليس انتهاء بالحرف العربي الذي كتب به اللغة التركية قبل ان يلغيه اتاتروك.

ولعل من أوائل من التفت لأهمية التدوين التاريخي واحاطته بكثير من المعلومات المصنوعة كان السلطان العثماني بايزيد الثاني الذي عين عاشق زادة مؤرخا برتبة موظف مخلص في القصر، يخدم الرواية التي يريدها بايزيد، ويدونها وينشرها، وبالطبع يقوم بإخفاء ما لا يرضى عنه بايزيد، وبالتالي فإن الرواية التي نقرأها وتحمل كل هذه الرومانسية التاريخية والامجاد العثمانية هي رواية فصلت داخل القصر السلطاني العثماني بلا شك.

كان يفترض في عاشق زادة وغيره من المؤلفين والمؤرخين العثمانيين، التدقيق في الرواية التاريخية، او حتى التوسع في تدوين تاريخ دولتهم بدلا من تركيزها فقط على السلاطين والغزوات، رواية تجنبت تمام ذكر الوقائع اليومية للناس، واثرهم الاجتماعي، لقد اختصرت الدولة العثمانية في سلاطينها فقط، بدء من ارطغرل وعثمان الأول وانتهاء بعبد الحميد، وكلهم يظهرون في صورة مثالية بدون نقد وبدون اظهار الحقائق التي سنجدها في التاريخ الموازي عند الأوربيين – مثالا- الذين وثقوا تجارتهم وعلاقاتهم السياسية وحروبهم مع العثمانيين، عندها سنكتشف رواية أخرى تماما تناقض أحيانا، بل وتهدم أحيانا أخرى الرواية العثمانية.

هذا ليس حبيس الامس كما يقال، بل لازالت الدراما التركية التي تسرد التاريخ العثماني تدور حول السلطان فقط مهملة عن عمد اي شيء اخر غيره، بل لقد تم تحويل السلاطين الى شخصيات اسطورية لتعميق اثرهم في وجدان المتلقين، فنحن نعرف ماذا كان يأكل ويلبس السلطان، وماذا كان يستمع من العزف وأي جواري كان يفضل، لكننا نجهل تماما كيف كان يعيش البسطاء من الناس كيف كانوا يصلون أي فقه يتبعون، انها فكرة تجهيل كبرى لتاريخ امتد لـ 600 عام تم سرده بطريقة تخدم السلاطين وصورتهم في عيون المتلقين.