ما أخفته كتب الفتوح
عن العلاقات العثمانية الجنوية
لم تكن سيطرة العثمانيين على القسطنطينية سنة (1453) حدثًا عسكريًا عابرًا في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، بل كان زلزالًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا هزّ أوروبا والعالم البيزنطي، وفتح أمام الدولة العثمانية بابًا واسعًا لإعادة ترتيب موازين القوة في الشرق والغرب. ومن هنا لا يمكن قراءة ما جرى بعد ذلك، ولا سيما في علاقة العثمانيين بجمهورية جنوى ومراكزها التجارية، بوصفه مجرد سلسلة من المعاهدات أو الصفقات أو الترتيبات التجارية. فخلف تلك الاتفاقات كانت تقف المدافع، وخلف الامتيازات كان يتحرك مشروع توسعي واضح، وخلف لغة الأمان والصلح والشرعية كانت توجد وقائع أشد قسوة مما أرادت كتب البلاط العثماني أن تظهره.
ومن أبرز من أسهموا في صياغة تلك الذاكرة العثمانية المبكرة عاشق باشا زاده، صاحب كتاب تواريخ آل عثمان، وهو من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تشكل الرواية التاريخية العثمانية. فالكتاب معروف بوصفه أحد مصادر التاريخ العثماني المبكر، وقد طبع في مطبعة عامرة في إسطنبول سنة 1332هـ/1916م، وتذكر المصادر التعريفية أن عاشق باشا زاده عاش في القرن الخامس عشر، وأنه من أوائل المؤرخين العثمانيين. غير أن أهميته لا تعني التسليم بما كتبه، ولا التعامل مع نصه كما لو كان مرآة صافية للوقائع. فهو لم يكتب من خارج النظام العثماني، ولم يكن بعيدًا عن مناخ التمجيد الذي أحاط بسلاطين آل عثمان، بل كان جزءًا من بيئة تاريخية وسياسية ودينية صنعت للسلطان صورة الفاتح، وللدولة صورة الرسالة، وللتوسع العسكري لغة شرعية ترفع الحدث من مستوى الاحتلال والسيطرة إلى مستوى الفتح والمجد. فالرواية العثمانية لم تكن تكتفي بتسجيل ما حدث، بل كانت تعيد تشكيله. تلتقط من الوقائع ما يخدم صورة السلطان، وتتجاوز ما يربك تلك الصورة، وتمنح الجانب العسكري غطاء دينيًا وسياسيًا، حتى يظهر التوسع الإمبراطوري وكأنه استجابة لقدر تاريخي أو واجب شرعي، لا مشروع قوة وهيمنة.
نظرت أوروبا إلى سقوط القسطنطينية بوصفه كارثة كبرى. وقد عبّر إينياس سيلفيوس بكولوميني، الذي أصبح لاحقًا البابا بيوس الثاني، عن وقع الصدمة بقوله إن الكنيسة فقدت إحدى عينيها. ولم تكن الصدمة رمزية فقط؛ فقد هزّت أخبار الدماء التي أريقت بعد اقتحام المدينة مشاعر المعاصرين من رومان ويونان ولاتين، وظهرت في شهاداتهم صور قاسية عن القتل والجثث والخراب الذي لحق بالمدينة بعد الحصار. لكن هذه الصورة، حين تعبر إلى الكتابات العثمانية، تنقلب إلى مشهد آخر تمامًا. فالمدينة في تلك الروايات لا تبدو مدينة منهكة بعد حصار مرير، ولا فضاءً خرج من حمام دم، بل تكاد تظهر كأنها استقبلت الفاتح بالأمان والرضا، وكأن السكان فرحوا بمروره في طرقاتها. وهكذا تتحول القسطنطينية المجروحة في شهادات المعاصرين إلى قسطنطينية مطمئنة في ذاكرة المنتصر.
ضمن سياق السردية العثمانية وطمس العنف.
والسؤال هنا لا يتعلق بإنكار القدرة العسكرية لمحمد الثاني، ولا بإنكار أن الحصار كان من أعقد العمليات العسكرية في زمانه. فالمدينة كانت ذات حصانة طبيعية وعسكرية هائلة، ولم يكن اقتحامها أمرًا يسيرًا. لكن الإشكال يكمن في تحويل ذلك الحدث إلى رواية مقدسة لا تقبل النقد، وفي تغطية ما رافقه من عنف وفوضى وانهيار أمني بعبارات الأمان والشرعية. فإذا كانت بعض الروايات تذكر أن المدينة بقيت بلا أمن حقيقي أيامًا بعد الاقتحام، فمن حق الباحث أن يسأل: أين كانت سلطة الفاتح في تلك اللحظات؟ وكيف تتحول الفوضى إلى أمان بمجرد أن تكتبها أقلام البلاط؟ ولماذا يصبح كل ما جرى بعد الحصار داخلًا في باب المجد، لا في باب المساءلة التاريخية؟.
حين نتحدث عن جنوة في هذا السياق، فالمقصود ليس مدينة جنوة الواقعة شمال إيطاليا فقط، بل جمهوريتها البحرية وشبكة مصالحها ومراكزها التجارية في الشرق. فقد كانت جنوة قوة بحرية كبرى، ذات تاريخ تجاري عريق، ولها حضور واسع في البحر المتوسط والبحر الأسود، من غلطة بيرا قبالة القسطنطينية، إلى كافا في القرم، وخيوس وفوشة في بحر إيجة وسواحل الأناضول.
بعد سنة (1453)، أصبح الوجود الجنوي أمام واقع جديد: دولة عثمانية سيطرت على القسطنطينية، وأرادت أن تمسك بمفاتيح التجارة والبحر والمضائق. وهنا لم تكن العلاقة بين الطرفين علاقة حرب دائمة فقط، ولا علاقة سلم مستقرة فقط، بل كانت مزيجًا من الخوف والمصلحة والتفاوض والقهر. فالغرب أدرك أن العثمانيين قادمون، وأن سقوط القسطنطينية لم يكن النهاية بل البداية. لكن المشكلة الأوروبية الكبرى أنها لم تتمكن من بناء موقف عسكري موحد. كانت المصالح التجارية تمزق المواقف، وكانت الخصومات بين جنوة والبندقية وغيرها من القوى البحرية تمنح العثمانيين فرصة واسعة للمناورة. وكما تكشف دراسات التجارة في تلك المرحلة، لم تكن العلاقة بين العثمانيين والجنويين منقطعة قبل (1453)، بل كانت فيها اتصالات ومعاهدات ومصالح متبادلة، رغم الصدامات والتحالفات المضادة أحيانًا. وهذا بالضبط ما جعل التجارة مدخلًا للنفوذ. فحين تعجز أوروبا عن التوحد، وحين يغلب التاجر على الفارس، وحين تصبح المصلحة الخاصة أقوى من الخطر العام، يصبح الطريق مفتوحًا أمام القوة الصاعدة كي تفرض شروطها.
حي غلطة بيرا، الخاضع للنفوذ الجنوي، كان نموذجًا واضحًا لهذه السياسة. فبعد فتح القسطنطينية، سلّمت غلطة لمحمد الثاني بموجب عهد، وأُعلن الأمان لأهلها وممتلكاتهم، لكن ذلك لم يمنع إخضاعها للإدارة العثمانية المباشرة، وتعيين مسؤول عثماني وقاضٍ فيها، وإلغاء وضعها السابق كمستعمرة جنوية شبه مستقلة. وهنا تظهر طبيعة السياسة العثمانية بوضوح: لا ضرورة دائمًا للإبادة الكاملة أو التدمير الكامل ما دام الهدف السياسي والاقتصادي يتحقق بطريقة أخرى. فالأمان قد يبقى في النص، لكن السيادة تنتقل. والامتيازات قد تستمر جزئيًا، لكن الاستقلال ينتهي. والتجارة قد لا تُغلق، لكنها تدخل تحت رقابة القوة الجديدة. هذه ليست سياسة تسامح خالصة كما تريد الرواية العثمانية أن تقدمها، وليست كذلك مجرد اتفاق تجاري بريء. إنها صيغة من صيغ السيطرة: احتواء، ثم إخضاع، ثم إعادة توظيف للمكان والسكان والتجارة في خدمة المركز العثماني الجديد.
من الروايات اللافتة التي تكشف تناقضات تلك المرحلة ما يذكر عن بعض التجار الجنويين الذين كانوا يواصلون حياتهم ومصالحهم في لحظات كان فيها العثمانيون يقصفون القسطنطينية. فبينما كانت المدافع تضرب الأسوار، كان بعض التجار يتناولون عشاءهم على متن السفن، وكأن الحرب حولهم ليست إلا مشهدًا بعيدًا، أو كأن السياسة والتجارة قادرتان دائمًا على إيجاد ممر بين الدم والربح. هذا المشهد، مهما بدا غريبًا، يختصر طبيعة المرحلة. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة بين دينين أو عالمين، كما صورتها بعض الكتابات، بل كانت أيضًا صراع مصالح، وتجارة، وموانئ، وامتيازات، وأسواق، وطرق بحرية. كان العثمانيون يضربون بالقوة حين يحتاجون، ويفاوضون حين يخدمهم التفاوض. وكان الجنويون، مثل غيرهم من القوى البحرية، يحاولون حماية مصالحهم حتى في قلب العاصفة. ومن هنا فإن دراسة التاريخ الاقتصادي تكشف ما تخفيه كتب الفتوح. فالوثائق التجارية، وصكوك البيع والشراء، ودفاتر التجار، ورسائل السفراء، وتعليمات المجالس، وسجلات الأسعار والنزاعات، تقدم وجهًا آخر للتاريخ؛ وجهًا لا يظهر في نصوص المناقب التي تجعل السلطان بطلًا دائمًا، والدولة صاحبة رسالة دائمة، والخصوم مجرد عوائق في طريق المجد.
من أهم ما يميز دراسة العلاقات العثمانية الجنوية أن مادتها لا توجد في المصادر العثمانية وحدها. فهناك أرشيفات البندقية وجنوة وفلورنسا، وفيها رسائل التجار، وتعليمات المجالس، وصكوك البيع والشراء، وبيانات السلع، ومعلومات عن الأسعار والنزاعات التجارية والمعاهدات. وهذه الوثائق لا تروي التاريخ بلغة السلطان، بل بلغة المصلحة والخسارة والربح والخوف. ولهذا يصبح من الخطأ المنهجي الاعتماد على الرواية العثمانية وحدها. فهذه الرواية، خصوصًا عند عاشق باشا زاده ومن سار في طريقه، كتبت داخل أفق سياسي واضح، وكانت تميل إلى تحويل التوسع إلى فتح، والغلبة إلى شرعية، والسيطرة إلى رسالة. بل إن بعض المؤرخين الذين جاءوا بعد عاشق باشا زاده اعتمدوا عليه مصدرًا رئيسيًا، ومنهم نشري، الأمر الذي جعل كثيرًا من الأخبار تنتقل من نص إلى آخر، لا لأنها موثقة بالضرورة، بل لأنها دخلت مبكرًا في السردية العثمانية ثم جرى تكرارها. وهنا تكمن الخطورة: إذا كان المصدر الأول متأثرًا بالرواية السلطانية، فإن من يبني عليه قد يعيد إنتاج الانحياز نفسه، لكن في صورة تبدو أكثر رسوخًا لأنها تكررت في أكثر من كتاب. ومما يزيد الإشكال أن عاشق باشا زاده نفسه يذكر أو يستند إلى مواد أقدم، منها ما ينسب إلى يخشى فقيه، لكن الأصل الذي يفترض أنه اعتمد عليه مفقود، أو غير متاح للمقارنة المباشرة. وهذا يجعل التعامل مع تلك الأخبار محتاجًا إلى حذر مضاعف، لا إلى تسليم تلقائي.
لم تكن المصادر العثمانية وحدها هي التي تحدثت عن تلك المرحلة. فهناك كتابات بيزنطية لم تحظَ في كثير من الدراسات العربية والإسلامية بالعناية الكافية، مثل كتابات باخيمرس وغريغوراس ودوكاس وكنتاكوزينوس، وهي كتابات تناولت التوسع التركي والسياسة البيزنطية، وتطرقت إلى الأنشطة التجارية والاقتصادية، ولو بدرجات متفاوتة. فصحيح أن المؤرخين البيزنطيين لم يكتبوا دائمًا في الاقتصاد بالوفرة التي يتمناها الباحث، لكن إشاراتهم تظل مهمة، لأنها تمنحنا زاوية أخرى غير زاوية المنتصر العثماني. فهي تكشف أثر التوسع التركي على الإمارات والمجتمعات والطرق التجارية، وتضع الأحداث في سياقها البيزنطي والأوروبي، لا في سياق الرواية العثمانية وحدها.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكتابات العربية، مثل ابن بطوطة والعُمري وغيرهما. فرغم شح المصادر العربية المبكرة التي تتناول ما قبل سنة (1453) تفصيلًا، فإن قيمتها تكمن في أنها لا تنتمي إلى جهاز التأريخ العثماني الرسمي، ولا تتحرك دائمًا داخل منطقه الدعائي. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الكتاب الذي يرد أحيانًا في العربية بعنوان قريب من تاريخ الملوك العثمانيين للأحمدي، هو في الأصل مرتبط بما يعرف عثمانيًا باسم داستان تواريخ ملوك آل عثمان، وهو من النصوص المبكرة التي ينبغي الرجوع إليها عند دراسة البدايات العثمانية، لا تجاهله لمصلحة نصوص لاحقة أكثر شهرة.
حتى الوثائق العثمانية الرسمية، مثل القانون نامه وبعض السجلات التي تعود إلى عهد السلطان محمد الثاني أو بعده، لا ينبغي أن تقرأ بلا حذر. فهي مهمة بلا شك، لكنها ليست دائمًا معاصرة تمامًا للأحداث التي نريد دراستها، وقد تكون كتبت في مرحلة لاحقة لتقنين أوضاع سابقة أو إعادة صياغتها إداريًا. وهنا ينبه بعض الباحثين إلى خطورة التعامل مع هذه النصوص كما لو كانت تصويرًا مباشرًا للماضي. فهي تصلح كمؤشرات، لكنها لا تكفي وحدها لبناء رواية كاملة. فالوثيقة المتأخرة قد تخبرنا عن شكل الإدارة حين كتبت، لكنها لا تكشف بالضرورة كل ما جرى عند لحظة السيطرة الأولى. لذلك لا بد من المقارنة: الرواية العثمانية مع الوثيقة الجنوية، والسجل الإداري مع رسالة التاجر، والنص البيزنطي مع الدفتر التجاري، والمخطوط العربي مع الحولية العثمانية. بهذه الطريقة فقط يمكن الاقتراب من صورة أكثر واقعية، بدل الاكتفاء بصورة السلطان كما رسمها مؤرخوه.
إن دراسة العلاقات العثمانية الجنوية تكشف أن التوسع لم يكن عسكريًا فقط. فالقوة العسكرية فتحت الطريق، لكن التجارة ثبتت السيطرة. والاتفاقات لم تكن دائمًا علامة سلام، بل كانت أحيانًا وسيلة لاحتواء الخصم، وإعادة توجيه مصالحه، وربطه بالنظام الجديد. ومن هذه الزاوية، تبدو بعض السياسات العثمانية قريبة من سياسات القوى الاستعمارية التي تستخدم الشراء، والامتياز، والمعاهدة، والضغط الاقتصادي، ثم تجعل السيطرة العسكرية نتيجة طبيعية لما سبق. فالاستحواذ على الأراضي والموانئ والأسواق لا يتم دائمًا بالسيف وحده، بل قد يبدأ بصك بيع، أو اتفاق تجاري، أو امتياز، أو حماية مزعومة. وهذا لا يعني أن العثمانيين اخترعوا هذه الأساليب وحدهم، فهذه لغة إمبراطوريات قديمة وحديثة. لكن المشكلة أن الرواية العثمانية حاولت دائمًا أن تلبس هذه السياسات لباسًا شرعيًا، وأن تقدمها كما لو كانت توازنًا عالميًا أو عدلًا سياسيًا، بينما تكشف الوثائق والوقائع أنها كانت جزءًا من مشروع إمبراطوري توسعي لا يختلف في جوهره عن مشاريع السيطرة الأخرى.
لا يبدو أن السياسة الاقتصادية لمحمد الثاني انفصلت جذريًا عن سياسات من سبقوه، بل يمكن القول إنها امتداد أكثر حزمًا وفاعلية لها. فقد أدركت الدولة العثمانية أن السيطرة على التجارة لا تقل أهمية عن السيطرة على الأسوار، وأن الإمبراطورية لا تعيش بالسيف وحده، بل بالميناء والضريبة والامتياز والسوق. ولهذا لا يمكن اختصار تراجع بعض أشكال التبادل التجاري بين جنوة والعثمانيين في سياسة محمد الثاني وحدها، كما لا يمكن تجاهل أن بلاطه ظل مقصدًا لتجار إيطاليين وجدوا في التعامل معه مصلحة وربحًا. غير أن هذا التعامل لم يكن دليل براءة، بل دليل قدرة على تحويل التجارة إلى أداة سياسية. فالنتيجة النهائية لم تكن حرية تجارية مستقلة، بل إدخال التجارة في المجال العثماني، وضرب المصالح التي لا تخضع له، وإبقاء التوسع العسكري مستمرًا دون أن يفقد النظام الجديد قدرته على الاستفادة من خبرة التجار وشبكاتهم.
واللافت في كثير من الكتابات الغربية أنها لا تتحرج من استخدام مفردات مثل: الاحتلال، الاستعمار، المستعمرات، السيطرة الإمبراطورية عند الحديث عن التوسع العثماني. أما في كثير من الكتابات العربية والإسلامية، فقد غلب خطاب التمجيد والتقديس، حتى صار من الصعب على بعض المؤرخين وصف الأشياء بأسمائها. فالتوسع يصبح فتحًا دائمًا، والاحتلال يصبح تحريرًا، والسيطرة تصبح حماية، والضرائب تصبح نظامًا، وإسكات الشعوب يصبح استقرارًا. وهكذا لا يعود التاريخ دراسة للوقائع، بل يتحول إلى دفاع عن صورة مسبقة. وهنا تكمن خطورة السير خلف عاشق باشا زاده وغيره من مؤرخي السردية العثمانية دون نقد. فهؤلاء لم يكتبوا خارج زمنهم ولا خارج مصالح دولتهم. كتبوا تاريخًا على مقاس السلطان، وجعلوا من آل عثمان مركزًا للمجد، ومن توسعهم امتدادًا للرسالة، ومن خصومهم عوائق في طريق التاريخ. أما القراءة الجادة، فلا تكتفي بهذه الصورة. إنها تفتح الأرشيفات، وتقارن الروايات، وتقرأ شهادات الرومان واليونان واللاتين، وتعود إلى الوثائق التجارية، وتضع النص العثماني في موضعه الصحيح: مصدر مهم، لكنه ليس الحقيقة كلها.
إن العلاقات بين جمهورية جنوة والدولة العثمانية بعد (1453) تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية صناعة التاريخ حين يكتبه المنتصر. فالرواية العثمانية حاولت أن تقدم السيطرة على القسطنطينية وما تلاها بوصفها فتحًا عادلًا، وأن تصور التعامل مع الجنويين بوصفه سياسة أمان وتنظيم، بينما تكشف القراءة المقارنة أن وراء ذلك شبكة معقدة من الخوف، والمصلحة، والضغط، والاتفاقات، والعنف، وإعادة تشكيل المجال التجاري والسياسي.
ولذلك فإن دراسة هذه المرحلة لا يجوز أن تبقى أسيرة كتب المناقب ولا نصوص البلاط. فالتاريخ لا يقرأ من جهة واحدة، ولا يؤخذ من لسان السلطان وحده. وما كتبه عاشق باشا زاده وأمثاله يجب أن يقرأ بوصفه جزءًا من مشروع الذاكرة العثمانية، لا بوصفه حكمًا نهائيًا على الماضي. لقد كانت جنوى، بمراكزها الشرقية وشبكاتها التجارية، شاهدًا على وجه آخر للتوسع العثماني: وجه لا يكشفه خطاب الفتوح بسهولة، لكنه يظهر بوضوح في الوثائق، والمعاهدات، وسجلات التجارة، وشهادات الذين رأوا الحدث من خارج قصر السلطان. ومن هنا فإن الواجب ليس إنكار التاريخ، بل تحريره من القداسة الزائفة. فبين ما حدث فعلًا، وما أراد مؤرخو آل عثمان أن يبقى في الذاكرة، مساحة واسعة لا يملؤها إلا البحث، والمقارنة، والجرأة على تسمية السيطرة باسمها الحقيقي.
- أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العلمية، 2014).
- إيلبير أورتايلي، إعادة استكشاف العثمانيين، ترجمة: بسام شيحا (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009).
- محمد شعبان صوان، يوميات السلطان: الحوادث الهامة في تاريخ الدلة العثمانية ودلالاتها (الجزائر: دار الروافد للنشر، 2020).
- كات فليت، التجارة بين أوروبا والبلدان الإسلامية في ظل الدولة العثمانية، ترجمة: أيمن الأزماني (الرياض: مكتبة العبيكان، 1425هـ).
عاشق باشا زاده أنموذجًا
كتابة التاريخ على مقاس أحلام السلاطين
في جانبٍ كبير من التاريخ العثماني الذي وصل إلينا، لم يكن مجرد نقل بريء للوقائع، ولا تسجيلًا محايدًا لما جرى في ميادين السياسة والحرب، بل كان سرديةً عثمانية صيغت بعناية، وكتبت تحت ظلال القصور، وداخل مناخ سياسي كان يبحث عن المجد أكثر مما يبحث عن الحقيقة. فكثير من السلاطين العثمانيين أدركوا مبكرًا خطورة التاريخ وقوته؛ إذ لم يكن التاريخ بالنسبة إليهم ذاكرة للماضي فحسب، بل كان وسيلة لصناعة الشرعية، وترسيخ الهيبة، وتقديم الدولة بوصفها وريثة المجد الإسلامي وحاملة راية الفتوحات. ومن هنا جاء تعيين المؤرخين، أو تقريبهم من البلاط، أو تشجيعهم على كتابة تاريخ يتوافق مع صورة السلطان عن نفسه، لا بالضرورة مع حقيقة الوقائع كما حدثت.
ولعل واحدًا من أبرز الأسماء التي تمثل هذا النمط من التأريخ هو درويش أحمد عاشقي، المعروف باسم عاشق باشا زاده أو عاشق زاده، صاحب كتاب تواريخ آل عثمان، وهو من أوائل من شاركوا في تشكيل الذاكرة العثمانية المكتوبة، ومن أهم الذين ساهموا في تحويل الرواية العثمانية من أخبار متناثرة إلى سردية متماسكة تخدم صورة الدولة والسلطان. لم يكن عاشق باشا زاده مؤرخًا مستقلًا بالمعنى الدقيق، ولم يكن مجرد راوٍ استهوته الحكايات فراح يجمعها من الناس والأسفار. بل كان جزءًا من بيئة عثمانية واسعة، يتداخل فيها التصوف والسياسة والحرب، ويختلط فيها تمجيد الغزو بتثبيت السلطة، وتقديم آل عثمان بوصفهم أصحاب رسالة تاريخية كبرى. ينتمي عاشق باشا زاده إلى خلفية صوفية واضحة، ويرجع نسبه إلى الشاعر والدرويش المعروف عاشق باشا. وتشير الأخبار المتداولة عنه إلى أنه ولد في منطقة أماسيا، وتنقل في الأناضول وغيرها، واحتك بأوساط دينية وسياسية متعددة، قبل أن يستقر في مراحل مختلفة من حياته في بيئات علمية وروحية كان لها أثر في تكوينه. وهذه الخلفية ليست تفصيلًا هامشيًا؛ فكثير من رجال الدولة العثمانية ومؤرخيها الأوائل خرجوا من فضاءات صوفية أو ارتبطوا بها، وهو ما منح كتاباتهم طابعًا يمزج بين الحكاية، والكرامة، والغزو، والرسالة الدينية.
ومن هنا يمكن فهم موقع عاشق باشا زاده داخل مشروع أوسع: مشروع صناعة تاريخ عثماني يقدم الدولة لا بوصفها قوة سياسية صاعدة فحسب، بل بوصفها امتدادًا مباركًا لمسيرة الإسلام، وذروة جديدة من ذرى الفتح والجهاد. في دراسة بعنوان: الكتابة التاريخية عند العثمانيين في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، أعدّتها رابعة مزهر شاكر ومحمد عبدالقادر خريسات، يتضح أن الكتابة التاريخية عند العثمانيين بدأت بالتركيز على مناقب آل عثمان وفتوحاتهم، وأن المؤلفات الأولى جاءت متشابهة في بنيتها وغاياتها، مع غلبة واضحة للطابع العسكري والبطولي عليها. وبحسب هذا التصور، يمكن تصنيف المؤلفات التاريخية العثمانية المبكرة في ثلاثة مسارات رئيسة:
أولًا: كتب الغزوات والفتوحات، وهي المؤلفات التي ركزت على الحروب، والمعارك، والتوسع العسكري، وتقديم السلطان بوصفه قائدًا منتصرًا.
ثانيًا: كتب السلاطين والمناقب، وهي التي اختصت بسير بعض السلاطين وأعمالهم، مثل كتب سليمان نامه، وكتب المناقب التي كتبت عن بايزيد وغيره من السلاطين.
ثالثًا: كتب التاريخ العام، وهي التي تناولت تاريخ آل عثمان في صورة أوسع، وضمّت حوليات وأخبارًا شعبية وروايات متفرقة جرى ترتيبها في إطار يخدم البناء العام للسردية العثمانية.
وضمن هذا السياق برز عدد من المؤرخين، منهم: عاشق باشا زاده، وابن قرة علي، وعروج، وكمال باشا زاده، ولطفي باشا الرومي، ومحمد جمالي، وشكري زاده، ونشانجي، ورمضان زاده، وغيرهم ممن شاركوا في بناء الصورة الرسمية أو شبه الرسمية للماضي العثماني. لقد بدأ السلاطين العثمانيون، منذ مرحلة مبكرة، في تشجيع كتابة تواريخهم باللغة التركية، وعلى نحو يتأثر بأسلوب الشاهنامه الفارسية؛ حيث يكون السلطان محور الحكاية، وتكون الحرب ميدان المجد، ويصبح الانتصار العسكري هو المعيار الأعلى لقيمة الحاكم والدولة. ولذلك طغت أخبار الفتوحات والحروب على معظم تلك المؤلفات، بينما بقيت الجوانب الحضارية، والاجتماعية، والفكرية، وأحوال الشعوب الخاضعة، في مرتبة ثانوية أو غائبة أو مبتورة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: أن التاريخ العثماني كما صاغه كثير من مؤرخي البلاط لم يكن معنيًا بتقديم صورة كاملة عن المجتمع والدولة، بل كان معنيًا أولًا بتقديم صورة منتقاة عن السلطان، وعن آل عثمان، وعن فتوحهم. فالحروب حاضرة بكثافة، والمناقب حاضرة بإفراط، أما الناس، والمدن، والضرائب، والأزمات، والتمردات، والواقع الاجتماعي للشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني، فتظهر غالبًا في إشارات عابرة، أو أخبار متقطعة، أو عبارات لا تكفي لبناء فهم حقيقي لذلك الزمن.
حين يصبح المؤرخ موظفًا في بلاط السلطان.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن مؤلفات العثمانيين انصبت بدرجة كبيرة على مناقب آل عثمان، وفتوحاتهم، وتراجم بعض سلاطينهم وولاتهم وعلمائهم. وقد بدأ هذا المسار مع يخشى فقيه، صاحب كتاب مناقب آل عثمان، الذي استفاد منه عدد من المؤرخين اللاحقين، وفي مقدمتهم عاشق باشا زاده في كتابه تواريخ آل عثمان. وهذا يعني أن كثيرًا من هذه الكتابات لم تنطلق من عقل تاريخي نقدي، بقدر ما انطلقت من تقليد سابق، يعاد تدويره، وتوسيعه، وتجميله، ثم إدخاله في بناء سياسي أكبر. فالمؤرخ هنا لا يظهر بوصفه صاحب موقف مستقل، بل يختفي في الغالب خلف أخبار السلاطين، وسرد الفتوحات، وذكر العزل والتولية، وتراجم القادة والأمراء. ولهذا يصعب من خلال هذه المصادر أن نرى الحياة الفكرية والاجتماعية كما كانت، لأن صوت السلطة يعلو فيها على صوت المجتمع.
ولعل أبرز ملامح هذه الروايات، وخاصة عند عاشق باشا زاده ومن سار في طريقه، أنها نادرًا ما تخرج عن الإطارين القصصي والعسكري. فالتاريخ يتحول إلى حكاية مجد، والسلطان يظهر في مركز المشهد، والفتوحات تقدم كما لو كانت قدرًا تاريخيًا لا جدال فيه. وهذه ليست مصادفة، بل يبدو أنها انعكاس لرغبة سياسية واضحة في إبراز أعمال السلاطين وبطولاتهم، لا لأنها دائمًا وقائع مكتملة ودقيقة، بل لأن التنافس بين السلاطين أنفسهم، وبين الدولة العثمانية وغيرها من الدول، كان يقتضي صناعة مجد متراكم، ولو جرى تضخيم بعضه، أو إسناد بعض البطولات إلى غير أصحابها، أو تجاوز ما لا يخدم الصورة المراد ترسيخها.
ومن هنا تبدو الموضوعات الأخرى، مثل أحوال البلاد الواقعة تحت السيطرة العثمانية، أو أوضاع الشعوب غير التركية، أو طبيعة الإدارة والضرائب، أو التحولات الاجتماعية، غامضة في كثير من الأحيان. فهي لا تحتل مركز الرواية، بل تأتي في الهوامش. وحتى حين تذكر، فإنها تذكر بصورة مختصرة أو متقطعة، لا تمنح القارئ صورة مكتملة عن الواقع الذي كانت تعيشه تلك المجتمعات. ولم تقف المشكلة عند حدود الانتقاء والتضخيم، بل امتدت أحيانًا إلى طبيعة اللغة والأسلوب. فبعض ما وصل من مؤلفات أو ترجمات عربية كتب بلغة ركيكة، وبأسلوب بسيط، وفيه ألفاظ عامية وأخطاء لغوية ونحوية، ولا يمكن الجزم دائمًا هل تعود هذه العيوب إلى المؤلفين أنفسهم أم إلى النساخ اللاحقين. غير أن النتيجة واحدة: نصوص تحتاج إلى قراءة حذرة، لا إلى تسليم مطلق.
لقد حاولت الرواية التاريخية العثمانية، على يد عاشق باشا زاده وغيره، أن تجعل من الأمة التركية، ومن آل عثمان تحديدًا، امتدادًا مباشرًا للرسالة الإسلامية ووريثًا لبطولات العصرين النبوي والراشدي، متجاوزة قرونًا طويلة من التاريخ العربي الإسلامي، بما فيها الدولة الأموية والعباسية، وما شهده ذلك التاريخ من فتوحات، وعلوم، وعمران، وحضارة، وتجارب سياسية كبرى امتدت من دمشق إلى بغداد، ومن القيروان إلى الأندلس. وهذا التجاوز لم يكن بريئًا؛ فقد كان نتيجة طبيعية لغلبة الأنا العثمانية التركية في الكتابة التاريخية، وهي الأنا التي أرادت أن تبدأ المجد الإسلامي من جديد عند عتبة آل عثمان، أو أن تجعله يبلغ ذروته في تجربتهم. ولذلك نجد أن تعظيم الأعمال العسكرية يتقدم في معظم المؤلفات التاريخية العثمانية، حتى يصبح الفتح هو المعيار شبه الوحيد للشرعية، ويصبح السلطان العثماني منافسًا رمزيًا لكل من سبقه من حكام المسلمين. ويظهر هذا المعنى بوضوح في ما ينسب إلى بعض مؤرخيهم من القول إنه، باستثناء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة، لم يحقق أي حاكم مسلم إنجازات أعظم من إنجازات السلاطين العثمانيين. وهذه العبارة، في دلالتها، لا تمجد العثمانيين فحسب، بل تعيد ترتيب التاريخ الإسلامي كله على نحو يجعل آل عثمان في موضع الذروة، ويجعل ما قبلهم مجرد تمهيد طويل لصعودهم.
لقد أدرك السلاطين العثمانيون أهمية التاريخ بوصفه أداة حكم، لا مجرد سجل للزمن. ولذلك حرصوا على تقريب المؤرخين، وتكليف بعضهم، وتشجيع آخرين، حتى تُكتب أعمالهم ومناقبهم بالطريقة التي يريدونها أن تصل إلى العامة والخاصة. ومن بين هؤلاء برز عاشق باشا زاده، الذي صار اسمه مرتبطًا بواحد من أهم النصوص المؤسسة للسردية العثمانية المبكرة. غير أن قيمة هذه النصوص لا تعني التسليم بها. فهي مصادر مهمة بلا شك، لكنها ليست مرايا صافية للحقيقة. إنها نصوص كتبت في ظل سلطة، وداخل ثقافة سياسية، وبأهداف واضحة، ولذلك لا يجوز التعامل معها كما لو كانت شهادات محايدة. فالتاريخ الذي يكتبه القصر لا يكتفي بوصف الماضي، بل يعيد تشكيله. والتاريخ الذي يمليه السلطان، أو ينتظر رضاه، لا يروي كل شيء، بل يختار ما يخدم صورته، ويصمت عما يربك مجده. ومن هنا فإن قراءة عاشق باشا زاده لا ينبغي أن تكون قراءة إعجاب فقط، بل قراءة تفكيك ومساءلة. فهو لا يمثل مؤرخًا منفردًا بقدر ما يمثل نمطًا كاملًا من الكتابة التاريخية العثمانية؛ نمطًا جعل من السلاطين أبطالًا دائمين، ومن الفتوحات مادة مركزية، ومن آل عثمان محورًا للتاريخ الإسلامي، بينما تراجعت خلف ذلك كله أصوات الشعوب، وتفاصيل الحياة، وتعقيدات الواقع.
إن المشكلة ليست في أن يكتب العثمانيون تاريخهم، فهذا حق كل أمة ودولة، بل في أن يتحول التاريخ إلى أداة لاحتكار المجد، وإلغاء السابقين، وتجميل السلطة، وصناعة ذاكرة لا تسمح إلا بصورة واحدة: سلطان منتصر، ودولة مقدسة، وفتوحات لا تنتهي. وهكذا يصبح عاشق باشا زاده مثالًا بارزًا على المؤرخ الذي كتب داخل أفق السلطة، وساهم، بقصد أو بغير قصد، في بناء تاريخ على مقاس أحلام السلاطين. تاريخ لا يمكن فهمه إلا إذا قرأناه بحذر، ووازنّاه بالوثائق والسجلات والمصادر الأخرى، وأدركنا أن بين ما حدث فعلًا، وما أراد البلاط أن نتذكره، مسافة واسعة اسمها: صناعة التاريخ.
- رابعة شاكر ومحمد خريسات، “الكتابة التاريخية عند العثمانيين في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي”، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة الأردنية، مج.41، ع.1 (2014).
- عاشق باشا زاده، تواريخ آل عثمان (إسطنبول: مطبعة عامرة، 1916).
- عمَّار الحُصري، “كُتّاب التاريخ العثماني وكتاباتهم في القرن الثامن عشر الميلادي”، مجلة كلية الآداب بجامعة المنصورة، ع.73 (2023).

