الأسطورة والوثيقة التاريخية
في نشأة الدولة العثمانية
لا تكمن مشكلة تاريخ نشأة الدولة العثمانية في قلة ما كُتب عنها فحسب، بل في أن جانبًا كبيرًا مما كُتب جاء متأخرًا عنها، واختلطت فيه الوقائع بالروايات الشفوية، والحوادث التاريخية بالأساطير المصطنعة، ولهذا تبدو البدايات العثمانية، كلما أُمعن النظر فيها، مجالًا مفتوحًا للاختلاف والتأويل أكثر من كونها قصة تاريخية مكتملة الأركان. ولم تنجح الدراما التركية الحديثة في إزالة هذا الغموض، بل أسهمت في تكريس سردية عاطفية، بُنيت على البطولة الخارقة والرومانسية الدينية والمواجهة الدائمة بين الخير والشر. وقد نُسبت بطولات ومواقف وأحداث إلى شخصيات لا تسندها أدلة تاريخية كافية، كما رُسمت صورة دينية مكتملة لجماعات وقبائل لا تجزم المصادر المبكرة بطبيعة تدينها أو تكوينها الفكري والاجتماعي.
لقد حاول أنصار السردية العثمانية الحديثة سد فراغات التاريخ بحكايات لا تستند إلى مصادر، فضلًا عن غياب ما يؤيدها في كثير من المصادر الأجنبية. بل إن المصادر البيزنطية الموازية تقدم صورة مختلفة عن تلك التي تبنتها الروايات العثمانية المتأخرة. أما الحقيقة التي يصعب تجاهلها، فهي أن الجماعات التركية التي وصلت إلى الأناضول قادمة من أواسط آسيا وجدت أمامها أرضًا مضطربة، وسلطات محلية ضعيفة، وحدودًا رخوة، وصراعات لا تكاد تنتهي. وفي هذه البيئة وجدت الجماعة التي عُرفت لاحقًا بالعثمانيين فرصتها التاريخية: مراعٍ واسعة، ومدن متنازَع عليها، ودولة سلجوقية تتآكل، وإمبراطورية بيزنطية عاجزة عن حماية أطرافها.
ولا يقتصر الخلاف على تفاصيل النشأة، بل يمتد إلى تقييم التجربة العثمانية نفسها، حيث اختلفت آراء المؤرخين في تقييمهم للدولة العثمانية؛ فمنهم من اعتبرها دولة إمبريالية فرضت سيطرتها على العالم العربي، وكانت سببًا في تخلفه عن ركب الحضارة، بينما ذهب آخرون إلى أنها ظهرت في الوقت المناسب لتملأ فراغًا سياسيًا، وهذا الاختلاف لا ينفصل عن الغموض الذي أحاط بولادتها؛ إذ إن كل اتجاه أعاد قراءة البدايات بما ينسجم مع موقفه من التاريخ العثماني كله.
روايات البداية اعتراها كثير من الاضطراب وقليل من الحقائق.
لم تظهر إمارة العثمانية في منطقة مستقرة، ولم تقم فوق أرض تحكمها سلطة قوية ومتماسكة، لقد نشأت في الأناضول، حيث كانت الصراعات بين السلاجقة والبيزنطيين والمغول والإمارات المحلية قد استنزفت القوى الكبرى، وفتحت مساحات واسعة أمام الجماعات القبلية والعسكرية الباحثة عن موطن ونفوذ. وبحسب رواية أوردها عمر الإسكندري وسليم حسن في كتابهما: تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر، وصلت جماعة تركية قادمة من أواسط آسيا إلى أرض يتنازعها جيشان: أحدهما بيزنطي والآخر سلجوقي. وعندما بدا أن الجيش السلجوقي يوشك على الهزيمة، انضمت إليه هذه الجماعة وأسهمت في ترجيح كفته. ومن هذه الحادثة تبدأ الرواية التقليدية عن أرطغرل، والد عثمان، والتي جعلت من تدخله العسكري إلى جانب السلاجقة نقطة التحول الأولى في تاريخ أسرته وقبيلته. لكن هذه القصة، على شهرتها، تظل واحدة من الروايات التي نُقلت في مصادر متأخرة، ولا تتوافر لها شواهد معاصرة بالقدر الذي يسمح بتحويلها إلى حقيقة تاريخية قطعية. ومع ذلك، فإن المعنى السياسي الذي تحمله الرواية ينسجم مع طبيعة المرحلة: جماعات حدودية مسلحة تعرض خدماتها على سلطة أضعفها الصراع، فتحصل في المقابل على الأرض وحق الإقامة والحركة، ثم تتحول تدريجيًا من جماعة تابعة إلى قوة محلية مستقلة.
وتقول الرواية التقليدية إن السلطان السلجوقي علاء الدين قدّر مساعدة أرطغرل وقبيلته في القتال ضد البيزنطيين، فكافأه بإقطاع أرض على تخوم الدولة البيزنطية، بالقرب من إسكي شهر وبروسة. وأصبحت تلك المنطقة، وفق هذه الرواية، المهد الذي نشأت فيه الإمارة العثمانية، وفيها ظهر عثمان بن أرطغرل، الذي حملت الدولة اسمه لاحقًا. غير أن أهمية هذه الرواية تكشف عن العلاقة بين السلاجقة والجماعات التركية الحدودية. فالسلطة السلجوقية، التي كانت تعاني ضغط المغول من الشرق وتهديد البيزنطيين من الغرب، احتاجت إلى مقاتلين يحرسون التخوم. أما تلك الجماعات فكانت تحتاج إلى الأرض والغطاء السياسي والفرصة التي تتيح لها تأسيس نفوذ مستقل. كانت العلاقة، في جوهرها، تبادلًا للمصالح، استخدم السلاجقة القبائل التركية قوةً عسكرية على الحدود، بينما استخدمت القبائل ضعف السلاجقة بوابةً للحصول على الأرض والشرعية. وعندما زالت السلطة المركزية أو تراجعت، بقيت الجماعات التي استقرت على الأرض وتحولت إلى إمارات مستقلة. من هنا، لا يمكن تفسير نشأة الدولة العثمانية بوصفها نتيجة بطولة فردية أو معركة حاسمة واحدة، وإنما باعتبارها حصيلة تراكم طويل من التحالفات والفرص والصراعات والانهيارات السياسية.
كان الاقتتال الذي عصف بالسلاجقة من أهم العوامل التي أخرجتهم من التاريخ السياسي للأناضول، وفتح الطريق أمام الإمارات التركية التي نشأت على أنقاض دولتهم. وفي مقدمة هذه الإمارات جاءت إمارة عثمان، التي امتلكت موقعًا حدوديًا أتاح لها التوسع على حساب الأراضي البيزنطية. ويشرح كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر هذه المرحلة بالقول إنه في سنة 699ه (1300م) قضى المغول على ما تبقى من الدولة السلجوقية، لكنهم لم يتمكنوا من حكم الأناضول بأنفسهم، فظهرت واستقلت مجموعة من الإمارات التركية، كانت إمارة عثمان واحدة منها. وبحسب الكتاب، اعتُبر عثمان منذ ذلك الوقت مؤسس الدولة العثمانية وأول حكامها المستقلين. ثم أخذ ينظم أملاكه ويتوسع غربًا على حساب الدولة البيزنطية، بينما اندمجت الإمارات التركية الأخرى في الإمارة العثمانية على مراحل لاحقة. ولم يكن عثمان أقوى أمراء الأناضول عند ظهوره، كما لم تكن إمارته أوسع الإمارات أو أغناها. إلا أن موقعها الحدودي منحها ميزة لم تتوافر لعدد من الإمارات الأخرى. فقد كانت تواجه أراضي بيزنطية ضعيفة ومفككة، بدلًا من الدخول المباشر في صراعات استنزاف مع الإمارات التركية الأقوى.
هنا عمل العثمانيون على اختيار اتجاه التوسع الأقل كلفة والأكثر فائدة، فقد توسعوا غربًا في مناطق بيزنطية التي تتراجع فيها سلطة الدولة، واستفادوا من الخصومات المحلية، وجذبوا المقاتلين الباحثين عن الغنائم والأرض، ثم حوّلوا الانتصارات الصغيرة إلى قاعدة لتوسع أكبر. وقبل وفاة عثمان، تمكن ابنه أورخان من فتح مدينة بروسة بعد حصار طويل، فاتخذها عاصمة للإمارة. وكان سقوط بروسة تحولًا مهمًا؛ إذ انتقلت الجماعة العثمانية من طور الإمارة الحدودية المتحركة إلى طور الدولة التي تمتلك مدينة كبرى، وموارد ثابتة، وإدارة أكثر استقرارًا.
نجح العثمانيون نتيجة مجموعة من العوامل التي سرعت قيام إمارتهم، من بينها غلبة العنصر التركي في المنطقة الحدودية مع الدولة البيزنطية، وضعف الإمارات التركية الأخرى وتناحرها، وانشغال البيزنطيين بحروبهم وصراعاتهم في البلقان، إلى جانب انقسام العالم الإسلامي إلى دويلات متنافسة. ووضعت هذه العوامل النشأة العثمانية في إطارها التاريخي الحقيقي. فلم تكن الدولة ثمرة عبقرية رجل واحد، ولا نتيجة سلسلة من المعجزات والانتصارات الخارقة، بل كانت نتاج بيئة إقليمية انهارت فيها مراكز القوة التقليدية. كان السلاجقة يتفككون، والمغول يفرضون نفوذًا لا يستطيعون تحويله إلى حكم مباشر مستقر، والبيزنطيون يخسرون أطراف دولتهم، والإمارات التركية تتقاتل فيما بينها. وفي قلب هذا المشهد ظهرت إمارة صغيرة تمتلك موقعًا مناسبًا وقيادة قادرة على استثمار الفرص.
لقد نجح العثمانيون لأن خصومهم لم يكونوا في أفضل أحوالهم، ولأنهم عرفوا كيف يتحركون بين القوى المتصارعة من دون أن يدخلوا منذ البداية في مواجهة تفوق قدرتهم. تحالفوا حين كان التحالف مفيدًا، وقاتلوا حين أصبح القتال ممكنًا، واستفادوا من الانقسامات الداخلية في المدن والإمارات المحيطة بهم. لم يكن صعودهم نتيجة الشجاعة وحدها، بل نتيجة مزيج من الجرأة العسكرية والمرونة السياسية والانتهازية التاريخية. وهذه الانتهازية ليست استثناءً في تاريخ الدول؛ فالدول الناشئة لا تصنع الظروف دائمًا، لكنها تنجح عندما تكون أقدر من غيرها على استغلالها.
مشكلة الرواية العثمانية المتأخرة أعادت بناء هذه المرحلة بلغة البطولة والقداسة. فبدلًا من تقديم النشأة بوصفها عملية سياسية وعسكرية معقدة، صُورت على أنها مسيرة واضحة الأهداف منذ بدايتها، يقودها رجال يحملون مشروعًا إمبراطوريًا ودينيًا مكتملًا. وأُلبست الشخصيات الأولى صفات القادة المؤسسين كما تصورتهم الأجيال اللاحقة، لا كما تسمح الأدلة التاريخية المبكرة برؤيتهم. فتحول أرطغرل إلى بطل متكامل، وعثمان إلى قائد يحمل منذ أيامه الأولى تصورًا واضحًا لدولة كبرى، وتحولت الحوادث المتفرقة إلى حلقات مترابطة في مشروع تاريخي محسوم النهاية. لكن الدول لا تبدأ وهي تعرف ما ستصبح عليه بعد قرون. لم يكن في وسع عثمان أو رجال إمارته الصغيرة أن يتنبؤوا بأن هذه الإمارة ستعبر لاحقًا إلى أوروبا، وتسقط القسطنطينية، وتحكم مساحات واسعة من آسيا وأفريقيا والبلقان. لقد كان هدفهم المباشر أكثر بساطة: البقاء، وحماية الأرض، وتوسيع النفوذ، والحصول على موارد جديدة.
أما تحويل هذه التحركات المحدودة إلى مشروع عقائدي متكامل منذ اللحظة الأولى، فهو جزء من صناعة الذاكرة السياسية التي تلجأ إليها الدول بعد استقرارها. فكل دولة كبرى تحتاج إلى قصة تأسيس، وكل سلالة حاكمة تسعى إلى تقديم بدايتها بوصفها لحظة استثنائية تحمل بذور عظمتها اللاحقة. وهنا تكمن خطورة الخلط بين التاريخ والدراما. فالعمل الدرامي لا يبحث بالضرورة عن الحقيقة، بل عن قصة قادرة على جذب الجمهور. وحين تكون الوثائق قليلة، تصبح المساحة المتاحة للخيال واسعة، ويتحول الاحتمال إلى واقعة، والرواية المتأخرة إلى شهادة معاصرة، والشخصية الغامضة إلى بطل يعرف المشاهد أدق تفاصيل حياته وحواراته ومواقفه.
لقد كان الفراغ السياسي والعسكري في الأناضول العامل الحاسم في ظهور الإمارة العثمانية. فالصراع المستمر بين السلاجقة والبيزنطيين والمغول، إلى جانب تناحر الإمارات المحلية، أنهك الجميع وخلق مساحة لقوة جديدة لم تكن في البداية الأشد بأسًا، لكنها كانت الأكثر قدرة على البقاء والتوسع. لم يصنع العثمانيون هذا الفراغ، لكنهم كانوا من أبرز المستفيدين منه. صعدوا فوق أنقاض قوى أقدم منهم، واستثمروا ضعفها، ثم استوعبوا بقاياها البشرية والعسكرية والإدارية، وكلما سقطت مدينة أو ضعفت إمارة، توسعت المساحة التي يمكن للدولة الناشئة أن تتحرك داخلها. وبهذا المعنى، لم تنشأ الدولة العثمانية في فراغ، بل نشأت من الفراغ نفسه، من غياب السلطة القادرة، ومن اهتزاز الحدود، ومن تفكك الدول التي سبقتها، ومن حاجة السكان والمقاتلين إلى قوة جديدة توفر قدرًا من الأمن والاستقرار. وبقليل من القوة في البداية، وكثير من المرونة والقدرة على استثمار اللحظة، تحولت إمارة عثمان من كيان حدودي محدود إلى دولة أخذت تبتلع منافسيها واحدًا بعد آخر، أما الصورة التي جعلت من هذا الصعود سلسلة من البطولات النقية والخوارق المتتابعة، فهي صورة صنعتها الروايات اللاحقة ورسختها الأعمال الدرامية الحديثة. ومهما حاولت السرديات القومية والدراما الحديثة سد الفراغات بالحكايات، فإن التاريخ لا يُقاس بمدى إثارة الرواية، بل بقوة الوثيقة وقربها من الحدث. وفي تاريخ نشأة الدولة العثمانية بقيت الوثائق قليلة، بينما تكاثرت الروايات؛ ولهذا ظل الاضطراب واسعًا، وظلت الحقائق أقل بكثير مما توحي به الشاشات والكتب المتأخرة.
- أحمد كوندز وسعيد أوتوتوك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العثمانية، 2014).
- ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها (بيروت: المدار الإسلامي، 2007).
- عمر الإسكندري وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر (القاهرة: مكتبة هنداوي، 2014).
- محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العليَّة العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، ط2 (بيروت: دار النفائس، 1983).
- ياوز بهادر أوغلوا، مرحبًا سوغوت: قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية، ترجمة: مصطفى حمزة ومحمد حمزة (بيروت: مكتبة المعارف، 2017).