بيعة عثمان بن أرطغرل:
كيف تحوّل الطقس التركي القديم إلى رواية إسلامية؟
تبدو صورة عثمان بن أرطغرل في كثير من الكتابات العثمانية المتأخرة، وفي الأعمال الدرامية التركية الحديثة، أكبر بكثير من الشخصية التي تسمح لنا المصادر التاريخية المبكرة بمعرفتها. فقد تحوّل زعيم قبلي محدود النفوذ، ورث مكانته عن والده في أواسط الأناضول، إلى بطل ملحمي أحاطته الروايات بالكرامات والأحلام والفتوحات والصفات الخارقة. غير أن قراءة الظروف التاريخية التي ظهر فيها عثمان تكشف أن صعوده لم يكن منفصلًا عن المصادفة السياسية والجغرافية. فقد وجد نفسه في منطقة فاصلة بين قوتين كانتا تمران بمرحلة من الضعف والانحلال: دولة سلاجقة الروم التي كانت تقترب من نهايتها، والإمبراطورية البيزنطية التي أخذ نفوذها في الأناضول يتراجع بصورة متواصلة، حتى انحصر حضورها تدريجيًا في عدد من المدن والحصون.
من حلم الشجرة إلى أقداح اللبن: بناء الأسطورة العثمانية.
ومن هنا، فإن صعود عثمان لا يحتاج بالضرورة إلى كل تلك الروايات البطولية التي نسجها مؤرخو البلاط من حوله. فالفراغ السياسي، واضطراب الأناضول، وتراجع القوى الكبرى، وتنافس الإمارات التركمانية، عوامل كافية لتفسير انتقال زعامة قبلية صغيرة إلى مشروع سياسي قابل للتوسع. لكن السؤال الأهم هو: لماذا أصر عدد من المؤرخين العثمانيين والمتعاطفين مع الدولة العثمانية على إحاطة عثمان بهذه الهالة الأسطورية، مع أن الفترة التي عاش فيها من أكثر فترات التاريخ العثماني غموضًا واضطرابًا، وأن الأخبار المعاصرة له قليلة ومتفرقة؟.
تكمن المشكلة الأساسية في أن معظم الروايات المفصلة عن حياة عثمان لم تُكتب في عصره، بل ظهرت بعد قيام الدولة واتساعها بزمن طويل. وعندما بدأ المؤرخون العثمانيون تدوين تاريخ الأسرة الحاكمة، كانت الدولة قد أصبحت قوة كبرى، فأصبح من الضروري، في نظر كتّاب البلاط، أن يكون لمؤسسها تاريخ يوازي مكانتها. ولهذا لم يعد عثمان في تلك الكتابات مجرد زعيم قبلي استفاد من ظروف عصره، بل صار غازيًا مثاليًا، وصاحب رسالة، وبطلًا تحيط به البشارات والأحلام النبوئية. وينقل الدكتور تيسير جبارة، في كتابه تاريخ الدولة العثمانية 1280-1924م، رواية نسبها إلى هربرت جيبونز، مفادها أن أصول العثمانيين تعود إلى جماعة من البدو الأتراك الذين فروا أمام الزحف المغولي إلى آسيا الصغرى، وأن عثمان لم يكن مسلمًا في بداية أمره. وسواء قُبلت هذه الرواية أو رُفضت، فإن مجرد وجودها ضمن روايات متعددة ومتناقضة عن أصل الأسرة العثمانية يكشف حجم الغموض الذي يحيط بالبدايات الأولى للدولة. كما يكشف أن الصورة اليقينية التي تقدمها بعض الكتابات والدراما المعاصرة ليست انعكاسًا لمصادر تاريخية حاسمة، بل بناء متأخر جرى تركيبه بعد أن أصبحت الدولة العثمانية بحاجة إلى ماضٍ مؤسس يناسب حاضرها الإمبراطوري.
لم تتوقف صناعة الأسطورة عند حروب عثمان أو مكانته السياسية، بل امتدت إلى حياته الخاصة وزواجه. ومن أشهر الروايات التي أُلحقت بسيرته قصة زواجه من ابنة أحد الشيوخ الصالحين، فتقول الرواية إن عثمان رأى الفتاة في بيت والدها، فتعلّق بها وطلب الزواج منها، لكن والدها رفض طلبه. فحزن عثمان، وظل صابرًا ولم يرغب في الزواج بغيرها، حتى قصّ على الشيخ حلمًا رآه في بيته. وفي الحلم، رأى عثمان قمرًا يخرج من صدر الشيخ، ثم يكتمل بدرًا وينزل في صدره. وبعد ذلك خرجت من صلب عثمان شجرة عظيمة، أخذت تنمو حتى غطّى ظلها العالم، وظهرت الجبال تحتها، وخرجت من جذعها أنهار النيل ودجلة والفرات، بينما تحولت أوراقها إلى سيوف تتجه نحو القسطنطينية. وبحسب الرواية، تفاءل الشيخ بهذا المنام، وأدرك أن نسل عثمان سيقيم دولة عظيمة، فوافق على تزويجه ابنته.
إن هذه القصة، بما تحمله من رموز كونية وأنهار ومدن وسيوف، لا تبدو رواية تاريخية عن زواج زعيم قبلي، بقدر ما تبدو نصًا سياسيًا صيغ بعد قيام الدولة واتساعها، ثم أُسقط على طفولتها وبداياتها. وقد تنبه محمد فريد بك المحامي إلى الطبيعة المصنوعة لهذه الرواية، فقال في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية: “إن هذا المنام لا بد أن يكون موضوعًا، كما يضع المؤرخون مثل هذه الأحلام لتعليل ظهور وتقدم كل دولة، سواء كان في ممالك الشرق أو الغرب”. وتكمن أهمية ملاحظة محمد فريد في أنه لم يرفض الحلم بسبب موقف معادٍ للدولة العثمانية، بل لأنه أدرك النمط المتكرر في كتابة تاريخ الدول. فحين تنجح أسرة حاكمة في إقامة إمبراطورية، يبدأ المؤرخون في البحث عن بشارات سابقة لظهورها، ويصنعون أحلامًا ونبوءات تمنح صعودها معنى مقدسًا، وتجعل توسعها يبدو قدرًا مكتوبًا منذ البداية. وهكذا لم يعد قيام الدولة العثمانية نتيجة ظروف سياسية وعسكرية قابلة للفهم والتحليل، بل أصبح تحقيقًا لحلم كوني سبق ظهورها، وبشارةً بانتصارها وفتحها القسطنطينية.
ربما أن أخطر ما في هذه الروايات ليس مجرد تضخيم شخصية عثمان أو إسناد الأحلام إليه، بل إعادة تفسير العادات التركية القديمة وتقديمها باعتبارها شعائر إسلامية. ففي كتاب جامع الدول: تاريخ الدولة العثمانية 698-1083هـ/1299-1672م، يورد منجّم باشي أحمد بن لطف الله رواية عن الطريقة التي اجتمع بها أمراء التركمان على عثمان بعد انقراض دولة سلاجقة الروم وخروجهم عن طاعة الأمراء المغول، وجاء في الرواية أن أمراء التركمان أجمعوا على عثمان بعدما عظم شأنه، ثم بايعوه بالسلطنة: “بوضع الركبة ويديه على الأرض، على تورة أوغوز خان، وأعطى السلطان كل واحد منهم قدحًا من اللبن الحامض، فشربوه على طاعته، فتم أمر البيعة في سنة 699هـ”، هذه الرواية لا تصف بيعة إسلامية بالمعنى المعروف شرعًا، بل تصف طقسًا قبليًا تركيًا مرتبطًا بميراث أوغوز خان وتقاليد جماعات التركمان القادمة من أواسط آسيا. فالنص نفسه لا يقول إن القوم بايعوا عثمان وفق سنة نبوية أو تقليد إسلامي، وإنما يربط طريقة الانحناء ووضع الركبة واليدين على الأرض بـ “تورة أوغوز خان”، أي بقانون أو تقليد أوغوزي سابق على قيام الدولة العثمانية. كذلك فإن توزيع أقداح اللبن الحامض وشربها علامةً على الطاعة لا أصل له في صفة البيعة الإسلامية المعروفة، وإنما يبدو جزءًا من المراسم القبلية التي كان الترك يمارسونها عند الاعتراف بالزعامة وتجديد الولاء. ومن هنا تظهر المشكلة في الطريقة التي تعامل بها بعض المؤرخين مع الرواية. فقد جرى الاحتفاظ بعناصر الطقس التركي القديم، مثل الانحناء، ووضع الركبتين واليدين على الأرض، وشرب اللبن، ثم أُطلق على ذلك كله اسم البيعة، بما يوحي للقارئ بأنه امتداد طبيعي للبيعة الإسلامية. لكن إطلاق مصطلح إسلامي على طقس قبلي لا يجعل الطقس إسلاميًا.
البيعة في التقليد الإسلامي تقوم على العهد بالسمع والطاعة، وتتم بالقول، وقد تقترن بالمصافحة بالنسبة إلى الرجال، من دون أن تتضمن سجودًا للحاكم أو ركوعًا أمامه أو شرب أقداح من اللبن. وقد أشار الإمام النووي، في شرحه لصفة البيعة، إلى أن: “بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وبيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام”. وبذلك فإن جوهر البيعة الإسلامية هو العهد اللفظي، مع المصافحة في بيعة الرجال، لا أداء طقوس الخضوع الجسدي المستمدة من تقاليد قبلية، ولا تناول مشروب معين لإثبات الولاء. أما وضع الركبتين واليدين على الأرض أمام الزعيم، وارتباط ذلك صراحةً بـ “تورة أوغوز خان”، ثم توزيع اللبن الحامض على المبايعين، فهي عناصر تنتمي إلى منظومة رمزية مختلفة عن منظومة البيعة في الإسلام.
ولا يعني هذا أن كل عادة تركية قديمة محرمة بالضرورة، أو أن المسلمين لا يجوز لهم امتلاك أعراف اجتماعية وقبلية خاصة بهم. فالمسألة هنا ليست إصدار حكم فقهي على شرب اللبن أو على شكل مجلس الزعامة، وإنما الاعتراض على تقديم طقس قبلي سابق بوصفه بيعة إسلامية مأخوذة من تقاليد المسلمين. فالتمييز بين الأمرين ضرورة تاريخية ومنهجية: شيء أن نقول إن جماعة من التركمان اختارت عثمان زعيمًا وفق أعرافها الموروثة، وشيء آخر أن نصف تلك الأعراف بأنها الصيغة الإسلامية للبيعة.
لم يكن تحويل هذا الطقس إلى بيعة مجرد خطأ لغوي عابر، بل كان جزءًا من عملية أوسع هدفت إلى إعادة بناء ماضي الأسرة العثمانية بما يتناسب مع صورتها اللاحقة. فبعد أن أصبحت الدولة العثمانية دولة كبرى، وتولى سلاطينها حماية الحرمين وادعوا تمثيل الخلافة، أصبح من الصعب على مؤرخيها أن يتركوا بدايات الأسرة خارج الإطار الإسلامي الكامل. ولهذا أعيد ترتيب الماضي بحيث يبدو عثمان منذ ظهوره غازيًا مسلمًا، يحيط به الصالحون، وتبشِّر به الأحلام، ويبايعه الناس كما يبايع المسلمون أئمتهم. وفي هذا السياق، جرى دمج ثلاثة عناصر مختلفة في رواية واحدة: أولها الموروث التركي القبلي، بما فيه من أعراف أوغوزية وطقوس ولاء. وثانيها الخطاب الإسلامي، بما يحمله من مفاهيم البيعة والجهاد والفتح. وثالثها الشرعية الإمبراطورية التي ظهرت بعد اتساع الدولة، واحتاجت إلى أن تجعل بدايتها متوافقة مع نهايتها. ونتيجة هذا الدمج، أصبحت العادة القبلية بيعة إسلامية، وتحول الزعيم المحلي إلى سلطان، وصار التوسع في أراضي بيزنطية ضعيفة مشروعًا عالميًا بشّرت به الأحلام قبل وقوعه.
في العصر الحديث، لم تعد صناعة هذه الصورة مقتصرة على كتب التاريخ التقليدية، بل انتقلت إلى المسلسلات والأعمال الدرامية الضخمة. وقد أنفقت الدراما التركية ميزانيات هائلة لإعادة تمثيل مرحلة عثمان وأرطغرل، لكنها لم تنجح في تحويل الغموض إلى تاريخ موثق، وإنما نجحت في تحويل الروايات المتأخرة إلى صور حية ومؤثرة. فالدراما تستطيع أن تمنح الأسطورة وجوهًا وأصواتًا ومعارك ومشاهد عاطفية، لكنها لا تستطيع أن تجعل الرواية المتأخرة مصدرًا معاصرًا للأحداث. كما أن ضخامة الإنتاج لا تعوّض غياب الوثائق، ولا تجعل الحكايات التي كتبها مؤرخو البلاط بعد قرون أكثر يقينًا. بل إن خطورة الدراما تكمن في قدرتها على تثبيت الصورة المتخيلة في أذهان الجمهور. فالمشاهد لا يرى خلافًا بين المؤرخين ولا يطّلع على ندرة المصادر، وإنما يرى قصة مكتملة: بطلًا واضح النسب، راسخ الإيمان، محاطًا بالعلماء والصالحين، يخوض حروبًا منظمة من أجل إقامة دولة كبرى. وهكذا تصبح الصورة الدرامية، بمرور الوقت، أقوى حضورًا من التاريخ نفسه، ويُنظر إلى كل محاولة لنقدها أو مساءلة مصادرها باعتبارها عداءً للدولة أو لشخصية عثمان.
لا تنفي القراءة النقدية أن عثمان كان شخصية تاريخية مهمة، ولا تنكر أن الكيان الذي نشأ تحت زعامته أصبح نواة لدولة استمرت قرونًا. لكنها ترفض الخلط بين أهمية النتائج التي ترتبت على ظهوره وبين مقدار ما نعرفه فعلًا عن حياته وشخصيته. فكون الأسرة التي حملت اسمه أقامت إمبراطورية واسعة لا يعني أن كل قصة رويت عنه صحيحة. كما أن عظمة الدولة اللاحقة لا تُثبت صحة الأحلام والبشارات والطقوس التي أُضيفت إلى سيرة مؤسسها. فقد كان عثمان، على الأرجح، زعيمًا تركمانيًا استطاع أن يستفيد من موقعه الحدودي ومن تراجع القوى المحيطة به، وأن يجذب حوله جماعات من المقاتلين والباحثين عن الأرض والغنيمة والنفوذ. وهذه الصورة، على بساطتها، أكثر اتساقًا مع واقع الأناضول في ذلك العصر من صورة البطل الذي وُلد وفي صدره مشروع إمبراطورية عالمية. إن الأسطورة تبدأ حين يُقرأ الماضي من خلال ما وقع بعده. فبعد أن فتح العثمانيون القسطنطينية، ظهر حلم يوجّه أوراق الشجرة نحوها. وبعد أن امتدت الدولة إلى مناطق واسعة، ظهرت شجرة تظلّل العالم وتخرج من جذعها الأنهار. وبعد أن تبنت الدولة خطاب الخلافة والشرعية الإسلامية، أعيد تفسير طقوس الزعامة التركية بوصفها بيعة إسلامية. وبذلك لم تعد الروايات تفسر نشأة الدولة، بل أصبحت نتائج الدولة اللاحقة هي التي تصنع الروايات عن نشأتها.
إن تفكيك أسطورة عثمان بن أرطغرل لا يعني إنكار دوره التاريخي، وإنما يعني إعادته إلى حجمه الذي تسمح به المصادر. فهو مؤسس سلالة نجحت في استثمار لحظة انهيار سياسي وعسكري في الأناضول، وليس بالضرورة الشخصية الخارقة التي رسمتها كتب البلاط والدراما المعاصرة. أما مراسم الانحناء ووضع الركبتين واليدين على الأرض، وشرب أقداح اللبن الحامض على الطاعة، فبحسب الرواية المنقولة في جامع الدول كانت مرتبطة صراحةً بـ “تورة أوغوز خان”. ولذلك ينبغي فهمها في سياق التقاليد التركية القديمة، لا باعتبارها صورة من صور البيعة الإسلامية المعروفة. لقد كان في مقدور المؤرخ أن يقول إن أمراء التركمان اعترفوا بزعامة عثمان وفق أعرافهم القبلية، لكن الحاجة إلى صناعة مؤسس إسلامي مثالي دفعت بعض الكتابات إلى إعادة تسمية الطقس وإدخاله ضمن خطاب البيعة والسلطنة. وهنا تقع المسافة الفاصلة بين التاريخ والأسطورة: التاريخ يعترف بالغموض ونقص المصادر وتعدد الاحتمالات، أما الأسطورة فتملأ الفراغ بالأحلام والكرامات والبطولات، ثم تقدم ما صنعته الذاكرة السياسية كما لو كان حقيقة مكتملة.
- جرجي زيدان، تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1999).
- محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العليَّة العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).
- منجم باشي، جامع الدول: تاريخ الدولة العثمانية 699-1083هـ/1299-1672م (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت).