لغز تأسيس دولة بني عثمان

لا تكمن أزمة تاريخ نشأة الدولة العثمانية في قلة الروايات وحدها، بل في فقر ما يمكن إثباته منها بمصادر معاصرة للأحداث. ففقر المصادر لا يعني بالضرورة أن الأحداث لم تقع، لكنه يعني أن المساحة التي يمكن وصفها بالحقيقة التاريخية المثبتة تظل ضيقة، وأن ما يتجاوزها يبقى في دائرة الاحتمال والترجيح والرواية المتأخرة. وهذه هي المعضلة الأساسية في دراسة البدايات العثمانية: دولة امتد سلطانها لاحقًا على مساحات شاسعة، واحتلت مكانًا مركزيًا في تاريخ المنطقة، لكنها تركت عن سنوات نشأتها الأولى فراغًا كبيرًا لا يتناسب مع ضخامة ما آلت إليه. وكلما اقترب الباحث من تلك المرحلة، وجد نفسه أمام قصص كُتبت بعد أن ترسخت الدولة واتسعت، لا أمام شهادات معاصرة تسمح بإعادة بناء الأحداث بثقة.

لقد ظهرت الإمارة العثمانية في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب، كانت السلطة السلجوقية في الأناضول تتفكك تحت الضغط المغولي، بينما كان النفوذ البيزنطي ينحسر في مناطق واسعة من أطراف الأناضول. وبين القوتين نشأت إمارات تركمانية متعددة، تتنافس على الأرض والنفوذ والغنائم ومناطق الحدود. وفي هذا الفراغ السياسي والعسكري النسبي، وجدت جماعة عثمان فرصة للتوسع، شأنها شأن جماعات وإمارات أخرى كانت تتحرك في البيئة نفسها. غير أن السردية العثمانية المتأخرة أعادت تصوير هذه البداية كما لو أنها مسار واضح ومتماسك، بدأ ببطولة مؤسس وانتهى، بصورة تكاد تكون حتمية، إلى قيام إمبراطورية كبرى. وهنا تصبح النتيجة اللاحقة هي التي تكتب المقدمة، ويُعاد تفسير كل حدث صغير بوصفه خطوة مقصودة نحو المصير الإمبراطوري.

من أشهر الروايات المتداولة عن نشأة الدولة العثمانية ما أورده محمد فريد في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية إذ يقول إن مؤسس الدولة هو أرطغرل بن سليمان شاه التركماني، قائد إحدى القبائل التركية النازحة من سهول آسيا إلى الأناضول. ويروي أن أرطغرل، بعد وفاة أبيه غرقًا في أحد الأنهار، كان عائدًا إلى بلاد العجم حين شاهد جيشين يقتتلان. فوقف على مرتفع يتابع المعركة، ثم لاحظ ضعف أحد الجيشين واقترابه من الهزيمة، فدفعته النخوة إلى النزول بفرسانه لمساندة الطرف الأضعف. وبحسب الرواية، استطاع أرطغرل ورجاله قلب موازين المعركة وهزيمة الجيش الذي كان على وشك الانتصار.

عثمان وإمارات الأناضول: قصة صعود أحاط بها الغموض.

هذه الرواية تستوفي شروط الملحمة البطولية، لكنها لا تستوفي شروط الخبر التاريخي القابل للتحقق. فهي تخبرنا عن الشجاعة والنخوة والمفاجأة، لكنها لا تقدم إجابات واضحة عن الأسئلة الأساسية: من كان الجيشان؟ وأين وقعت المعركة؟ ومتى حدثت على وجه الدقة؟ ومن نقل خبرها؟ وما المصدر المعاصر الذي سجّلها؟. ولا يكفي أن تكون القصة ممكنة من الناحية النظرية حتى تصبح حقيقة تاريخية. فإمكان وقوع الحدث شيء، وثبوته بالوثائق والشهادات شيء آخر تمامًا. ثم إن الجماعة المهاجرة لم تكن، على الأرجح، مجموعة من الفرسان وحدهم، بل كانت تضم عائلات ونساءً وأطفالًا وممتلكات ودوابّ، وتتحرك في ظروف مضطربة بعد رحلة طويلة. ولا نملك ما يثبت أن أرطغرل كان يقود قوة عسكرية قادرة على اقتحام معركة مجهولة وقلب نتيجتها بمجرد التدخل فيها. ولهذا تبدو الرواية أقرب إلى قصة صيغت لاحقًا لإحاطة المؤسس بهالة من البطولة والفروسية، منها إلى خبر تاريخي قائم على وثيقة معاصرة. وربما كان وراءها حدث محدود أو مشاركة عسكرية جرى تضخيمها بمرور الزمن، وربما لم يكن لها أصل ثابت أصلًا. وفي كلتا الحالتين، لا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة يقينية.

لم يكن الأناضول، عند ظهور عثمان، أرضًا خالية تنتظر قدومه، كما توحي بعض الروايات المبسطة. فقد كان مسرحًا لعشرات القوى والجماعات، وفي مقدمها الإمارات التركمانية التي نشأت بعد ضعف السلطنة السلجوقية. وجاء في كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر لعمر الإسكندري وسليم حسن ليقولا فيه: “في سنة 699هـ/1300م قضى المغول على البقية الباقية من الدولة السلجوقية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحكموا تلك البلاد بأنفسهم، فاستقلت فيها عشر إمارات تركية؛ إحداها إمارة عثمان، الذي اعتُبر من ذلك الحين المؤسس للدولة العثمانية وأول حاكم مستقل فيها، أما باقي الإمارات التركية فاندمجت في هذه الإمارة على توالي الأيام، وسمّوا أنفسهم عثمانيين أيضًا”. ويكشف هذا النص، على الرغم مما فيه من اختزال، أن الإمارة العثمانية لم تظهر باعتبارها القوة الوحيدة أو الوريث الطبيعي المباشر للأناضول. كانت واحدة من مجموعة إمارات تركمانية، يختلف المؤرخون في عددها وتصنيفها، تتنافس كلها داخل البيئة السياسية نفسها. وهنا يبرز سؤال لا تجيب عنه روايات البطولة التقليدية: لماذا نجحت إمارة عثمان تحديدًا، بينما أخفقت إمارات كانت في بعض المراحل أقوى منها وأكثر اتساعًا وثراءً؟.

إن تصوير عثمان منذ البداية بوصفه مؤسس الدولة الكبرى التي ستبتلع جميع منافسيها، هو قراءة للماضي بعين النتيجة. فعثمان في زمانه لم يكن يعرف أن جماعته ستتحول إلى إمبراطورية، كما أن منافسيه لم يكونوا يرون فيه بالضرورة مشروع الدولة التي ستقضي عليهم. كان واحدًا من أمراء الحدود، يتحرك داخل شبكة معقدة من الصراعات والتحالفات والمصالح. وبالتالي، فإن قيام الدولة العثمانية لم يكن نتيجة حكاية بطولية واحدة، ولا معركة غامضة غيّر فيها أرطغرل مجرى التاريخ، بل كان حصيلة مسار طويل من التوسع والمنافسة واستغلال ضعف القوى المحيطة. أما التفاصيل الدقيقة لذلك المسار في سنواته الأولى، فما زال كثير منها غارقًا في الغموض.

يزداد الغموض عندما ننتقل من مسألة التوسع السياسي إلى أصل الجماعة العثمانية نفسها. فالروايات المتعلقة بنسب أرطغرل، واسم أبيه، ومسار هجرة قبيلته، والموطن الذي جاءت منه، ليست متفقة على صورة واحدة. إذ تقدم بعض الروايات سلسلة نسب طويلة تصل العثمانيين بقبائل الأوغوز، وتمنحهم موقعًا واضحًا داخل البناء القبلي التركي. لكن هذه الأنساب لم تصل إلينا من سجلات معاصرة للهجرة المفترضة، بل من كتابات متأخرة ظهرت بعدما أصبحت الدولة في حاجة إلى ماضٍ متماسك ونسب يمنح أسرتها الحاكمة مكانة سياسية وقبلية. ومن هنا يصعب التعامل مع كل ما ورد عن هجرة القبيلة وأصلها كما لو أنه سجل تاريخي دقيق. فكلما تأخر تدوين الرواية عن زمن الحدث، زادت احتمالات أن تكون قد تعرضت للإضافة والانتقاء وإعادة التفسير. إن الدولة التي أصبحت قوية كانت قادرة أيضًا على إنتاج روايتها الخاصة عن الماضي، أو على الأقل ترجيح رواية دون غيرها حتى تتحول، مع كثرة التكرار، إلى النسخة الرسمية من التاريخ. لكن تكرار الرواية لا يجعلها صحيحة، كما أن وجودها في الكتب لا يعوض غياب الوثيقة المعاصرة.

لا يقف الخلاف عند أصل الجماعة وهجرتها، بل يمتد إلى هويتها الدينية في سنواتها الأولى. فقد قدّم المؤرخ هربرت آدامز غيبونز فرضية تقول إن العثمانيين كانوا جماعة بدوية فرت أمام الزحف المغولي إلى آسيا الصغرى، وإن عثمان لم يكن مسلمًا منذ البداية، بل اعتنق الإسلام لاحقًا بعد احتكاكه بشيوخ المسلمين وسكان المناطق التي استقر فيها. وفي المقابل، يورد عبدالعزيز الشناوي في كتابه الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها؛ أن الوضع الديني والعسكري والسياسي للأتراك العثمانيين تحدد في وقت مبكر خلال عهد الأمير عثمان، وأن عثمان اعتنق الإسلام وتبعه الأتراك العثمانيون، بينما كانت عقيدتهم السابقة غير واضحة، مع احتمال أنهم كانوا في مرحلة انتقال من الوثنية أو من معتقدات أخرى إلى الإسلام. ولا تمثل هذه المسألة تفصيلًا هامشيًا؛ لأن الهوية الإسلامية أصبحت لاحقًا أحد أهم عناصر الشرعية السياسية والعسكرية للدولة العثمانية. ولذلك فإن الخلاف حول زمن إسلام عثمان وجماعته يضرب في صميم رواية التأسيس نفسها.

هل كان العثمانيون جماعة مسلمة منذ وصولها إلى الأناضول؟ أم كانوا في مرحلة تحول ديني؟ وهل أسلم عثمان بنفسه، أم أن أسرته كانت مسلمة قبله؟ وما طبيعة العقائد السابقة التي كانت سائدة بينهم؟. لا تقدم الروايات المتاحة إجابة واحدة حاسمة. وما يورده بعض المؤرخين بوصفه حقيقة يقدمه آخرون بوصفه احتمالًا أو فرضية. وهذا وحده يكفي للحذر من السرديات التي تصور النشأة العثمانية في صورة مكتملة، واضحة العقيدة والهدف والهوية منذ اللحظة الأولى.

والمشكلة الأعمق ليست في وجود روايات متعارضة؛ فالتعارض أمر مألوف في دراسة التاريخ القديم والوسيط. المشكلة تبدأ عندما تُنتقى رواية من بين الروايات، ثم تُجرّد من طابعها الاحتمالي، وتُقدَّم إلى القارئ باعتبارها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. فالتفاوت في تحديد التواريخ، وأسماء الشخصيات، وأصل القبيلة، وعدد الإمارات، وتسلسل الأحداث، يكشف أن البناء التاريخي لتلك المرحلة ليس صلبًا بالقدر الذي توحي به الكتب التقليدية. وأحيانًا يجري توظيف تاريخ بعينه ليكون نقطة بداية رسمية للدولة، رغم أن التحول من جماعة حدودية صغيرة إلى إمارة مستقلة لم يكن حدثًا وقع في يوم واحد، بل عملية تدريجية يصعب اختزالها في سنة واحدة. ولذلك نجد اختلافًا في تحديد سنة التأسيس والاستقلال، وفي تحديد ما إذا كان أرطغرل أم عثمان هو المؤسس الفعلي.

أرطغرل يُقدَّم في بعض الروايات بوصفه المؤسس الأول، مع أنه لم يحمل اسم الدولة ولم يعلن استقلالها. وعثمان يُقدَّم في روايات أخرى باعتباره المؤسس؛ لأن الدولة حملت اسمه ولأن الاستقلال السياسي ارتبط بعهده. أما الرواية اللاحقة فتجمع الاثنين داخل قصة واحدة متماسكة، تبدأ بأرطغرل البطل وتنتهي بعثمان المؤسس، وكأن الأحداث كانت تتحرك منذ البداية وفق خطة واضحة. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. فالنتائج الكبرى لا تكون معروفة لمن يعيشون بداياتها، ولا يجوز تفسير كل حادثة قديمة باعتبارها خطوة واعية نحو نتيجة لم تكن قد ظهرت بعد.

من أبرز من تناولوا مشكلة نشأة الدولة العثمانية المؤرخ التركي فؤاد كوبرللي، الذي وجّه نقدًا شديدًا إلى عدد من المؤرخين الغربيين، وفي مقدمتهم غيبونز، وحاول تقديم تفسير أكثر ارتباطًا بالبيئة التركية والإسلامية في الأناضول. غير أن عبدالعزيز الشناوي يلفت النظر إلى أن آراء كوبرللي نفسها لا يمكن قبولها كلها دون تحفظ، ولا سيما بسبب حدة موقفه من المؤرخين المخالفين له، وبسبب اعترافه بأن النتائج التي توصل إليها لم تكن حاسمة. وقد عبّر كوبرللي عن ذلك بقوله: “مهما يكن من أمر، فلا بد أن نعترف بأن النتائج التي حصلنا عليها ليست كافية لا كمًّا ولا كيفًا، وبأننا لا نزال بعيدين عن أن نكون قد حللنا لغز تأسيس الدولة العثمانية، أو حتى نكون قد وضحناه بعض الشيء”. هذا الاعتراف ليس عبارة عابرة، بل هو مفتاح القضية كلها. فإذا كان أحد أشهر من درسوا نشأة الدولة العثمانية قد انتهى إلى الإقرار بأن اللغز لم يُحل، فكيف يمكن للسرديات المبسطة أن تقدم للقارئ قصة مكتملة لا شك فيها؟. والمفارقة أن كوبرللي، على الرغم من نقده الشديد لغيبونز ومحاولته نقض فرضياته، لم يستطع أن يضع مكانها رواية نهائية تحسم الجدل. لقد استطاع الاعتراض على بعض التصورات، لكنه لم يستطع تحويل البديل الذي قدمه إلى حقيقة مكتملة الأركان. وهذا يعيدنا إلى المشكلة الأولى: فقر المصادر المعاصرة لا يسمح ببناء رواية يقينية، مهما بلغت براعة المؤرخ في التحليل والتركيب.

ليست الخلاصة أن الدولة العثمانية ظهرت من العدم، ولا أن كل ما قيل عن بداياتها مختلق بالضرورة. الخلاصة أن المسافة بين الأحداث التاريخية وما رُوي عنها لاحقًا واسعة، وأن التمييز واجب بين أربع درجات مختلفة: حقيقة تؤيدها وثيقة أو شهادة قريبة من زمن الحدث، فرضية يرجحها السياق، من دون أن تبلغ درجة اليقين، رواية متأخرة لا يمكن التحقق من تفاصيلها، وأسطورة تأسيسية صيغت لإضفاء البطولة والشرعية على الأسرة الحاكمة. يمكن القول إن إمارة عثمان ظهرت في سياق تفكك السلطة السلجوقية وانحسار النفوذ البيزنطي وصعود الإمارات التركمانية في الأناضول. ويمكن القول إنها استفادت من موقعها الحدودي ومن الاضطراب السياسي والعسكري المحيط بها، ثم توسعت على حساب منافسيها. أما قصة الهجرة بتفاصيلها، ونسب أرطغرل، واسم أبيه، ومعركة الجيشين، وطبيعة العقيدة الدينية الأولى، والتاريخ الدقيق للاستقلال، والدوافع التي حركت الجماعة منذ البداية، فكلها مسائل لا تسمح المادة المتاحة بتقديمها في صورة حقيقة مطلقة. إن قوة الدولة العثمانية في عصورها اللاحقة لا تمنح روايات نشأتها حصانة من النقد، كما أن نجاحها السياسي والعسكري لا يثبت تلقائيًا صحة القصص التي رويت عن مؤسسيها.

لقد كُتبت البدايات في ظل النهاية؛ أي إن تاريخ الجماعة الصغيرة أعيدت صياغته بعدما أصبحت دولة كبرى. ومن الطبيعي، في مثل هذه الحالة، أن تحضر البطولة والنبوءة والنسب الرفيع والغاية الدينية الواضحة في أخبار التأسيس، وأن تختفي المصادفات والانتكاسات والترددات والتناقضات التي تصاحب عادة نشأة الكيانات السياسية. لهذا لا يكون السؤال العلمي الدقيق: كيف تأسست الدولة العثمانية؟ فقط، بل يجب أن يسبقه سؤال آخر أكثر أهمية. أي جزء مما نرويه عن تأسيسها يمكن إثباته؟ ومن كتب هذه الرواية؟ ومتى كتبها؟ وعلى أي مصدر اعتمد؟. فالتاريخ لا يُبنى بكثرة التكرار، ولا تتحول الحكاية إلى حقيقة لمجرد أنها انتقلت من كتاب إلى آخر. وما لم تظهر وثائق أكثر صلة بتلك السنوات الغامضة، ستبقى نشأة دولة بني عثمان مزيجًا من حقائق محدودة، وفرضيات متنافسة، وروايات متأخرة، وأساطير صاغتها الدولة عن نفسها بعد أن اشتد عودها ورسخ سلطانها.

  1. عبدالعزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980).

 

  1. عمر الأسكندري وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014).

 

  1. محمد فريد بك المحامي، الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).

 

  1. محمد كوبرللي، قيام الدولة العثمانية، ترجمة: أحمد السعيد (القاهرة: دار الكاتب العربي، 1967).

 

  1. يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود (إسطنبول: منشورات فيصل، 1990).

العثمانية الجديدة:

استدعاء الماضي لصناعة النفوذ

عاد الحديث عن العثمانيين ودولتهم بقوة إلى الخطاب السياسي المؤدلج، خصوصًا في تركي التي تريد أن تستعيد الماضي مرةً أخرى، ويسعى هذا الخطاب إلى تكريس فكرة أن الأتراك اليوم هم أحفاد العثمانيين، ولم يكن ذلك استدعاءً عاطفيًا للتاريخ، بل يحمل دلالة سياسية واضحة؛ إذ يحيل إلى نحو أربعة قرون من الاحتلال العثماني لبعض البلاد العربية، حين خضعت للسلطنة بوصفها ولايات ورعايا داخل نظام إمبراطوري، لا بوصفها أطرافًا متكافئة أو شريكة في الحكم.  وصار يتردد على مسامعنا من بعض الساسة الترك تصريحات مثل القول: “نحن أصحاب إرث باقٍ من العثمانيين. يقولون عنا إننا عثمانيون جدد؛ نعم، نحن عثمانيون جدد، ويتحتم علينا الاهتمام بالدول التي في منطقتنا، حتى إننا ننفتح على شمال إفريقيا”. والمعنى  لهذا القول ظل حاضرًا؛ تركيا الجديدة لا تريد الانفصال عن المجال الذي خضع يومًا للدولة العثمانية، بل تسعى إلى استعادة دورها فيه تحت عناوين التاريخ والثقافة والدين والمصالح المشتركة.

المشكلة ليست في اهتمام تركيا بتاريخها، ولا في اعتزاز شعب بتاريخ دولته، وإنما في تحويل ذلك التاريخ إلى مصدر استحقاق سياسي، وكأن احتلال العثمانيين لشعوب المنطقة يمنح الدولة التركية المعاصرة حقًا خاصًا في التدخل في قضاياها أو توجيه سياساتها. فالتاريخ لا يمنح أحفاد الإمبراطوريات حقًا دائمًا في البلاد التي أخضعها أسلافهم.

أقام العثمانيون إمبراطورية مترامية الأطراف، شبيهة بالإمبراطوريات الكبرى التي عرفها التاريخ، كالإمبراطوريات الهلنستية والرومانية والفارسية. وامتدت دولتهم من البلقان وأجزاء من وسط أوروبا إلى غرب آسيا وشمال إفريقيا، واحتلت غالبية البلاد العربية الآسيوية وأجزاء واسعة من البلاد العربية الإفريقية. غير أن الكتابة التاريخية العربية اعتادت وصف هذا التوسع باسم الفتوحات العثمانية، وهو وصف ليس محايدًا؛ لأنه يمنح العمل العسكري شرعية دينية وأخلاقية قبل دراسة طبيعته ونتائجه. وفي المقابل، تستخدم مصادر أوروبية وعربية نقدية مصطلحات مثل الغزو أو الاحتلال أو الإخضاع الإمبراطوري.

وهنا ينبغي التوقف عند الفرق بين دخول جيش إلى بلد بهدف نشر الدين، وبين توسع دولة تسعى إلى السيطرة على الأرض والسكان والموارد وطرق التجارة. فالدولة العثمانية لم تكن جمعية دعوية، بل كانت إمبراطورية توسعية تعمل وفق منطق القوة والمصلحة، وتستخدم الدين، كما استخدمته دول كثيرة قبلها وبعدها، لتثبيت شرعيتها وتبرير حروبها. حتى سقوط القسطنطينية سنة (1453) جرى تقديمه في كثير من الروايات بوصفه بطولة خارقة ارتبطت بشخص السلطان محمد الثاني (الفاتح) وحده. والحقيقة أن سقوط المدينة كان نتيجة عوامل متراكمة، منها الضعف الذي أصاب الدولة البيزنطية، وتراجع عدد سكان المدينة وقوتها الدفاعية، إلى جانب التفوق العسكري العثماني واستخدام المدافع والحصار المنظم. وتم تحويل الحدث إلى معجزة فردية لا يخدم البحث التاريخي بقدر ما يخدم صناعة البطولة القومية.

الإرث العثماني بين التمجيد والحقائق المغيّبة.

أما تراجع العثمانيين عن أراضيهم الأوروبية، فلم يكن تنازلًا طوعيًا أو إعادة كريمة للأراضي، بل جاء نتيجة الهزائم العسكرية، والثورات القومية، والتدخلات الأوروبية، وتفكك قدرة الدولة على الاحتفاظ بممتلكاتها. وظل جزء كبير من البلاد العربية مرتبطًا بها، فعليًا أو اسميًا، حتى الحرب العالمية الأولى، مع خروج أقاليم عربية متعددة من سلطتها قبل ذلك.

في مراحلها المتأخرة، أصبحت الدولة العثمانية نموذجًا للحكم المركزي المستبد، القائم على القهر والجباية والامتيازات والفساد الإداري. وانتشرت الرشوة، وبيع المناصب، ونظام الالتزام، وتحولت الوظائف في كثير من الأحيان إلى وسائل للثراء على حساب السكان. كما اعتمد النظام الاقتصادي والاجتماعي على الإقطاع العسكري والجباية الثقيلة، مما أتاح لفئات محدودة من الحكام والولاة والملتزمين نهب البلاد وإفقار سكانها. وانتشرت الأمية والفقر والأوبئة، بينما عانت القوميات والطوائف الخاضعة للدولة من التمييز والقمع، ولا سيما عندما بدأت تطالب بحقوقها السياسية والقومية. ولم تستطع الإصلاحات التي أُعلنت في خط شريف كلخانة سنة (1839) والخط الهمايوني سنة (1856) إنقاذ الدولة من أزماتها. فقد كانت مؤسسات الفساد والجمود أقوى من محاولات الإصلاح، كما ظلت التجارب الدستورية محدودة ومتعثرة، وخاضعة لإرادة السلطان وموازين القوى الداخلية والخارجية. ولهذا أطلق الأوروبيون على الدولة العثمانية وصف الرجل المريض، قبل أن تنهار في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وأُلغيت السلطنة سنة (1922)، وغادر السلطان محمد السادس البلاد، ثم أُعلنت الجمهورية التركية سنة (1923)، وأُلغيت الخلافة سنة (1924)، ونُفي آخر السلاطين، عبدالمجيد الثاني.

تبنى مصطفى كمال أتاتورك بعد ذلك سياسة تقوم على القطيعة مع الماضي العثماني، وسعى إلى توجيه تركيا نحو أوروبا، وإبعادها عن محيطها العربي والإسلامي. ولم تقتصر هذه القطيعة على النظام السياسي، بل شملت اللغة والملابس والتعليم والقوانين ومظاهر الحياة الاجتماعية، فتحولت الحداثة في التجربة الكمالية إلى محاولة شاملة لإعادة صياغة هوية المجتمع. اليوم يرى أنصار ما يسمى بالعثمانية الجديدة أن القطيعة الكمالية أضرت بتركيا، وحرمتها من مجالها التاريخي والثقافي في الشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى. وهم يرفضون النظر إلى الماضي العثماني باعتباره عارًا يجب التخلص منه، ويؤكدون أن العلاقات التاريخية والدينية والثقافية بين تركيا والشعوب المحيطة بها لا يمكن محوها بقرار سياسي. ويقدم المدافعون عن هذا الاتجاه العثمانية الجديدة بوصفها انفتاحًا ثقافيًا واقتصاديًا، لا مشروعًا لإعادة الإمبراطورية. كما يقولون إن تركيا الحديثة تتبنى الانتخابات والديمقراطية وتداول السلطة، وإن علاقاتها بالدول المجاورة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على الإخضاع العسكري المباشر.

لكن هذه الصورة لا تمنع ظهور ملامح أخرى أكثر إثارة للقلق، خصوصًا حين يتحول الحديث عن الإرث المشترك إلى خطاب يمنح تركيا حقًا في التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو حين تُستعمل الروابط الدينية والتاريخية لبناء نفوذ سياسي غير متكافئ. وهنا يصبح الفارق بين استعادة العلاقات واستعادة الهيمنة فارقًا دقيقًا، وقد تختلط لغة التعاون بلغة الوصاية. فالعثمانية الجديدة لا تحتاج إلى احتلال عسكري مباشر حتى تكون امتدادًا لنزعة إمبراطورية؛ إذ يمكن أن تتحقق السيطرة الحديثة من خلال الاقتصاد والإعلام والأحزاب والتحالفات والتدخل السياسي والعسكري غير المباشر. وما أشبه الليلة بالبارحة حين يُستدعى التاريخ لتبرير الحاضر، ويُقدم النفوذ في صورة مسؤولية أخلاقية تجاه الشعوب التي حكمها العثمانيون سابقًا.

المفارقة أن هذا الاعتزاز السياسي بالتاريخ العثماني لا يقابله وضوح مماثل في تاريخ نشأة الدولة نفسها. فالروايات المتعلقة بأصل العثمانيين، وهجرة جماعتهم إلى الأناضول، ونسب أرطغرل، واسم أبيه، وصلتهم بالسلاجقة، وبداية إمارة عثمان واستقلالها، كلها روايات متأخرة ومتناقضة. وتحاول الكتابة القومية التركية إقامة سلسلة اتصال متماسكة تبدأ بالقبائل التركية في آسيا الوسطى، ثم تمر بالسلاجقة، وتنتهي بعثمان بوصفه الوريث الشرعي لهم. لكن هذا البناء يخدم إثبات استمرارية العرق التركي في الحكم أكثر مما يقدم تاريخًا قائمًا على وثائق معاصرة. ولقد ظهرت إمارة عثمان بعد تفكك السلطة السلجوقية، وسط عدد كبير من الإمارات التركمانية المتنافسة. ولم تكن منذ بدايتها دولة مكتملة المشروع أو صاحبة حق طبيعي في وراثة الأناضول. إلا أن نجاحها اللاحق دفع المؤرخين إلى إعادة كتابة بداياتها وكأن قيام الإمبراطورية كان نتيجة حتمية ومخططًا معروفًا منذ البداية. ويظهر هذا الاتجاه كذلك في بعض الكتابات العربية التي تتبنى الرواية العثمانية البطولية، وتكرر مصطلحات الفتح والخلافة ونصرة الإسلام، دون أن تخضع طبيعة الحكم العثماني وآثاره على البلاد العربية للمراجعة النقدية. ومن أمثلة ذلك كتابات علي الصلابي، التي تميل إلى إبراز عوامل الصعود والبطولات أكثر من مساءلة ما تركه الحكم العثماني في المجتمعات التي خضعت له، ومنها بلاده نفسها.

إن القضية ليست في إدانة التاريخ العثماني كله، ولا في إنكار ما شهده من منجزات سياسية وعسكرية وثقافية، بل في رفض تحويله إلى تاريخ مقدس لا يجوز نقده. فلا بد من الفصل بين التبادل الثقافي والسيطرة الإمبراطورية، وبين الدين وتوظيفه السياسي، وبين العلاقات التاريخية والحق المزعوم في التدخل والوصاية. الدولة التي لا تزال بداياتها موضع خلاف، ولا تملك رواية تأسيسية صلبة تستند إلى وثائق معاصرة، لا يجوز أن يتحول تاريخها المتنازع عليه إلى أداة تمنح السياسيين المعاصرين حقوقًا فوق حدودهم. فالتاريخ يُدرس لفهم الماضي، لا لاستعادة سلطة الماضي على الحاضر.

  1. إلبير أورطايلي، العثمانيون في ثلاث قارات (القاهرة: الدار العربية ناشرون، 2014).

 

  1. إلبير إورطايلي، الغازي مصطفى كمال أتاتورك (القاهرة: الدار العربية ناشرون، 2019).

 

  1. شكيب أرسلان، خلاصة تاريخ الدولة العثمانية (القاهرة: دار التقوى، 2019).
تشغيل الفيديو