فيلم (الفاتح 1453)

النقاد: من يستغني عن الحقيقة التاريخية.. تتركه عارياً

إغفال الحقيقة التاريخية إما بطمرها أو المرور عليها بخفة وتغليب القيمة الإخراجية الفنية عليها في قائمة طويلة من الأفلام التاريخية التركية هو ما يمكن تسميته بسينما “الخيال السياسي” قياسا على سينما “الخيال العلمي”، ويعبر عن توجه تركي سياسي باتخاذ الفن قوة ناعمة لتمرير الأفكار المختلفة التي تريدها حكومة اسطنبول من خلال إضفاء البطولات والألقاب على السلاطين العثمانيين وتلميع شخصياتهم، وكذلك تحسين صورتهم السياسية الملطخة بأكثر من سبعة قرون من القتل والبطش والتفرقة العنصرية، فصارت توزع الوجبات السياسية مع تذاكر دخول السينما.
كثير من النقاد الفنيين والمؤرخين توجس مبكرًا من مخرجات الصناعة الدرامية التركية، ففي مواجهة نرجسية فيلم (الفاتح 1453) التركي؛ آخر الأفلام التركية المشهورة الذي تحدث باسم حزب العدالة والتنمية عن غزو السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية وعرض لأول مرة يوم 16 فبراير 2012م في بلاده، وكان قبل ذلك قد عرض أمام رجب طيب أردوغان في منزله حين كان يعمل رئيساً للوزراء، وعلّق قائلاً لفريق الفيلم: “أعجبني كثيراً، سلمت أيديكم” وهذا يدل على أن تكلفة الفيلم البالغة (18,200,000) دولار قد دفعتها أمانة اسطنبول الكبرى التي يحكمها حزب أردوغان نفسه، كما يؤكد الإرادة السياسية في تركيا على صناعة سينما مسيسة ومسبقة الدفع تروّج للطموح في إعادة العثمانية للوجود ضمن منظومة الخيال التي تعيشها تركيا الحالية الحالمة بعد أن مرّت مئات السنين على فشل بني عثمان الانضمام إلى أوروبا ثم إلى الاتحاد الأوروبي بسبب فظائعهم الإجرامية مع شعوب الدول العربية والأوروبية وأبرزها مذبحة الأرمن، والاستبداد العنصري، والنهب المالي، والتجريف الثقافي لتلك الأمم، هذا الفشل جعل الحزب السياسي الحاكم يلجأ إلى شعوب الرعايا المسلمين في الدولة العثمانية البائدة من خلال استثارة غريزتهم الدينية بالسينما والدراما التلفزيونية خاصة في وجود آهات مصطنعة لأتباع الإخوان المسلمين في العالم للعودة إلى الإسلام السياسي.

دشنه أردوغان من منزله.. وحزبه دفع أكثر من (18) مليون دولار.

الدكتور فتحي عبدالعزيز محمد

يشير الدكتور فتحي عبدالعزيز محمد الباحث في السينما التاريخية بأن هذا الفيلم وغيره من الأعمال الفنية التركية يتضمن مخاطر هائلة على العقلية العربية فقد يودي بها إلى ما أسماه: “الأُمية التاريخية” فقد دفعت هذه المنتجات الفنية المبهرة في إخراجها بعض المتلقين إلى الاكتفاء بما يراه من مشاهد ومعلومات في تلك الأعمال ويعتقد أنها الحقيقة التاريخية، داعيًا المتلقي العربي إلى إحياء الجانب الإيجابي للأعمال الفنية المرئية وهو العودة إلى المصادر التاريخية بحثًا عن الصواب في أمهات الكتب في موضوع الفيلم المشاهد أيّا كان موضوعه . 

إن الخطورة التي أشار إليها الناقد المصري الدكتور فتحي محمد تدعو إلى ما أسماه -أيضاً- بالرد السينمائي المماثل على منتجات الماكينة السينمائية التركية بمثل تكلفتها المادية العالية وإمكاناتها الفنية الحديثة، ولكن بالبعد عن تكلفتها التاريخية الرخيصة.

كلايزر:

الفيلم أكثر إسلامية من أبطاله الحقيقيين.

يلماظ كورت:

ضحى بالواقع التاريخي من أجل أهداف تجارية

وعلّق الناقد الفني كلاوس كرايزر على الفيلم الذي يُعَدُّ الثاني عن السلطان محمد الفاتح: “من الملاحظ أن العثمانيين الذين فتحوا القسطنطينية في هذا الفيلم في عام 2012م كان فكرهم إسلامياً أكثر من فكر أسلافهم الذين فتحوها في عام 1453م” ويوضح ذلك بالحديث عن مخرج الفيلم فاروق أكصوي: بـ “وضع المخرج مشهدًا يتم فيه إجراء مداولات حول الوضع السياسي في حمَام يشاهد فيه القيصر الروماني قسطنطين الحادي عشر وهو يسبح بالماء مع ثلاث فتيات يرتدين ملابس سباحة، فهل كان يريد إظهار لعنة “العاهرة بيزنطية”؟ أم أنّه كان يريد السخرية من لوحات الفنانين المستشرقين الذين رسموا الحكام العثمانيين منغمسين في مثل هذه الملذات؟” في إشارة منه إلى ملاهي وملذات السلاطين الأتراك التي أغفل الفيلم تصويرها والموثقة بفنون تشكيلية، ويكمل: “وفي آخر المطاف لا يتم حتى التلميح إلى أعمال السلب والنهب التي تعرّضت لها القسطنطينية على يد الجيش العثماني واستمرت ثلاثة أيام”، وفي سياق الحقيقة التاريخية المغفلة في الفيلم قال يلماظ كورت مدير كلية التاريخ في جامعة أنقرة من وجهة نظر أكاديمية: “إن الفيلم حدثٌ على مستوى كبير من النوعية والتقنية، لكن التضحية بالواقع التاريخي تمت لاعتبارات تجارية” واستدل على ذلك بمشهد في الفيلم ظهر فيه الإمبراطور البيزنطي يأمر جيشه بالخروج من المدينة لقتال العثمانيين معلّقاً عليه: “إخراج الجيش من المدينة أمر سخيف في مدينة كانت في موقع الدفاع، فلم تكن القسطنطينية تملك القوة للقيام بذلك”. 

الفيلم الذي تبلغ مدته حوالي ( 165 دقيقة) مازج بين براعة التقنيات الحديثة والحقائق الناقصة فدمرت كل منهما الأخرى ليكون في النهاية فيلمًا للاستهلاك السياسي باتخاذه وسيلة للعثمنة الجديدة بهدف الوصول إلى استمالة عاطفة الجيل الجديد الناشئ بمؤثرات سينمائية على أمل أن هذا الجيل العربي قد انفصل عن ذاكرة أجداده وآبائه الذين يدركون حجم الجريمة العثمانية الكبيرة على حياتهم إلا أن ذلك -وبشهادة نقاد سينمائيين- لن يتجاوز مداه في التلميع والتلميح لطموحات أردوغان في الخروج من القمقم الذي أوقع فيه شعبه إلى إمبراطورية” سينمائية فقط، فمن يستغني عن الحقيقة تستغني عنه ولو بعد حين.

-روبير الفارس، جرائم الاحتلال العثماني ، (مجلة الهلال، سبتمبر، 2020م). 

ــ مجلة قنطرة الإلكترونية ، 2020م .

ــ قناة عشتار الفضائية .