يوم المُشقر "الصفقة"... يؤكد أن:

حقد الفرس على العرب عقيدة لا تسقط بالتقادم

على نهج الرسم الاستراتيجي الذي سطرته إدارة موقع “حبر أبيض”، والذي يروم الابتعاد عن السرد التاريخي السلبي والتركيز على “فهم التاريخ وتحليل الأحداث”، فإن الهدف المعرفي هو امتلاك آليات التحليل وتعقب محددات المعطى السلوكي للفرس في علاقتهم بالعرب، ومن ثم العمل لبلورة الرسم الاستراتيجي المضاد، خاصة أن الأطماع الفارسية في المنطقة العربية لم تتوقف إلى اليوم.

من هذا المنطلق، تعكس لنا أحداث “يوم المشقر” أو “يوم الصفقة” ثباتًا في التعاطي العدائي والعنصري للفرس تجاه العرب، لكن هذه المرة باستعمال “أذرع محلية” قابلة لتبني المشروع الفارسي ومواجهة أبناء العرق الواحد خدمة لأهداف ذاتية ضيقة.

ويمكن القول بأن معظم المؤرخين العرب مروا على أحداث هذا اليوم مرور الكرام، ولم يحللوه أو يستقرؤوه من جوانبه التكتيكية والاستراتيجية، واكتفوا بعملية السرد الجاف للأحداث بالنظر، ربما، إلى مآل هذا اليوم الأسود الذي نجح فيه كسرى، نسبيًا، في الانتقام من العرب الذين أذاقوه من كأس المذلة في ذي قار.

يوم "الصفقة" ما هو إلا انعكاس التعاطي العدائي والعنصري للفرس تجاه العرب.

وحول مسار الأحداث يذكر المؤرخون بأن يوم الصفقة كان بسبب ما قامت به قبيلة تميم حين أغارت على حمل أرسله نائب كسرى في اليمن بعد بلوغه إلى نطاع من أرض نجد، فانتهبوه وسلبوا رسل كسرى وأساورته، فهربوا من وجه تميم، بعد أن استقبلهم بعض العرب وطببوهم وأعانوهم.

تنبه كسرى فارس إلى أهمية تحريك القبائل العربية بعضها ضد بعض. وما موقف بعض العرب ممن هرب من الفرس يوم هجوم تميم عليهم إلا دليلٌ على أنها أحيت لدى كسرى التأكيد على استراتيجية جديدة في ضرب العرب بالعرب، لذلك استدعى من ساندوا أتباعه ممن انهزموا أمام تميم، واتفق معهم على بدء الحرب ضد تميم. وفي المقابل كان لدى الفرس غاية لخلق حالة الحرب بين العرب أنفسهم، ردًا وثأرًا لما حدث لهم يوم ذي قار.

اكتشف الفرس منذ يوم الصفقة أن استثارة الحرب العربية العربية أفضل استراتيجية للانتقام والسيطرة، لذا أصبح ذلك تكتيكًا ثابتًا في الاستراتيجية الإيرانية لمواجهة الدول العربية من خلال خلق إيران الصفوية “أذرعًا” لها في المنطقة العربية يقومون بـ “الحروب بالوكالة” عنهم، ومن ثم العمل على إخضاع العرب لأجندات إيران.

استغل الفرس ومن معهم من العرب نقص المؤونة والماء الذي تعاني منه تميم، فبعث الفرس ومن حالفهم من يدعو تميمًا إلى حصن المشقر لأجل الميرة. وهي الخطة التي نجحت بسبب سوء تقدير من قبيلة تميم وعدم علمهم بما يحاك من تحالف ومذبحة تنتظرهم.  

وفي يوم المذبحة أخذ المتآمرون مع الفرس يُدخلون أفراد تميم إلى الحصن “خمسة خمسة وعشرة عشرة وأقل وأكثر يدخلهم من باب على أن يخرجهم من آخر، فكل من دخل ضرب عنقه…فأمر “المكعبر” بغلق الباب وقتل كل من كان بالمدينة”. وبذلك نجح كسرى في تحقيق انتقامه من هزيمة ذي قار.

إن موقعة يوم المشقر تؤكد على أن حقد الفرس على العرب لا يسقط بالتقادم، وإنما هو سلاح يلجأون إليه؛ بل يرفعونه إلى مستوى التقديس بين الفرس ومن يتبعهم، لذلك رسَّخ الفرس عقيدة الحقد والانتقام من العرب بينهم، وحاولوا اختراق الصفِّ العربي وتمرير ثأر افتراضي يخلق حالة من التوتر الدائم بين العرب، ويضمن في الوقت نفسه ذراعًا للفرس بين العرب.

  1. إبراهيم شمس الدين، مجموع أيام العرب في الجاهلية والإسلام (بيروت: منشورات بيضون، 2002).

 

  1. جواد علي، المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط4 (بيروت: دار الساقي، 2001).

 

  1. حسن بيرنيا، تاريخ إيران القديم من البداية حتى نهاية العصر الساساني، ترجمة: محمد نور عبد المنعم، والسباعي محمد السباعي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013).

 

  1. حسين مجيب المصري، صلات بين العرب والفرس والترك (القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2001).

 

  1. عبدالخالق الجنبي، هجر وقصباتها الثلاث (بيروت: دار المحجة البيضاء، 2004).

 

  1. محمد جاد وآخرون، أيام العرب في الجاهلية (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1942).

 

  1. عبد الوهاب عزام، الصلات بين العرب والفرس وآدابهما في الجاهلية والإسلام (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012).