ضمن محاولات الاختراق الإيراني للوطن العربي

رفض الشاه استقلال البحرين سنة (1971) بعد أن تفاجأ بـ "تقرير المصير"

لعقود طويلة بقيت إيران تطالب بلا وجه حق بالبحرين، التي لا تَبعُد عن شواطئ جزيرة العرب سوى بضعة كيلومترات، بينما يفصلها عن البر الإيراني أكثر من 200 كلم، مسافة جغرافية لم تقنع الإيرانيين بأن ليس لهم حق تاريخي أو جغرافي، ولا حجة أو منطق يسوقونها، بل تتهاوى جميها عند أي نقاش، ومع ذلك بقيت إيران بكل حكامها وفي كل عهودها تطالب زورًا وبهتانًا بالبحرين؛ لأن إيران تعي أن البحرين الجسر نحو الجزيرة العربية، الأحلام القديمة التي لطالما راودت الملوك الساسانيين منذ الملك سابور الثاني وحتى الشاه رضا بهلوي، هي أطماع لم تتوقف حتى مع مجيء الملالي الجُدُد، بل ازدادت سعيرًا وتآمُرًا.

 انسحاب بريطانيا.. فتح باب الأطماع

لا يمكن تبرئة البريطانيين في مسألة البحرين، فقد كانت كل من إيران والبحرين تحت النفوذ البريطاني، لكنها تركت الأطماع الإيرانية تنمو حتى جاء موعد رحيل البريطانيين من البحرين، ليتوحش الشاه مُعلِنًا مطالبته الباطلة بها، ورفضه استقلالها عن بريطانيا عام (1971)، كذلك رفض نتائج الاستفتاء، لتستمر إيران في ادعائها غير المشروع، ومع أن اعترافًا متبادَلًا جرى خلال تبادُل السفراء بين البلدين عام (1999)، إلا أن ذلك كان تكتيكًا تخلَّت عنه ملالي طهران.

البدايات الشريرة للإيرانيين في البحرين

 يُعيدنا الكاتب والباحث عباس بو صفوان إلى بدايات الحكاية، حيث يقول: “بدأت القصة حين أعلنت بريطانيا انسحابها من شرق السويس في (١٩٦٨)، حينها كانت السلطة البحرينية قلقة من المستقبل بالنظر إلى المطالبات الإيرانية المتكررة، التي تتردَّد تحت سمع وبصر الإنجليز بتبعية البحرين إليها.

ضغط البحرينيون كثيرًا على المنتدب البريطاني الذي وافق على إقامة حوار مع إيران بشأن استقلال البحرين، أفضت إلى موافقة الشاه الإيراني على منح البحرينيين حق تقرير المصير، وهو أمر لا يستحقه الشاه، ومع ذلك منحه الإنجليز ذلك الأمر، وبعد أن وافق الشاه على الاستفتاء عبر الأمم المتحدة، قرَّر الشعب اختيار استقلاله عن إيران.

 توافقت بريطانيا وإيران الشاه على إحالة الموضوع إلى مجلس الأمن الدولي في ٢٨ مارس (١٩٧٠)، وعين الأمين العام للأمم المتحدة ممثلًا شخصيًّا له، ليرأس بعثة تقصِّي الحقائق بشأن استقلال البحرين.

شكَّلت ادِّعاءات إيران بالبحرين أحد العوامل الرئيسة في تأجيج الشعور القومي البحريني، وعزَّزت الشعور المعادي لإيران في البحرين، ذلك الشعور المتنامي بقي مشتعلًا في أوساط عديدة داخل البحرين الذين نظموا مبادرات وحركات عدة لمقاومة محاولة الاحتلال الإيراني لبلادهم، والحفاظ على عروبته واستقلاله، كانت الإشارات البريطانية بالخروج من البحرين وبقية إمارات الخليج إنذارًا أوليًّا بأهمية كسب الاستقلال قبل أن ينقضَّ الإيرانيون على البحرين.

تجدُّد الأطماع الإيرانية في البحرين:

مع أن الإيرانيين اعترفوا بالبحرين المستقلة بعد الاستفتاء، إلا أن الحكم المتطرف في إيران، والذي استولى على الحكم منذ العام (1979)؛ أعاد المطالبات والأطماع، وكأنه يقول بأنه غير معترِف باستقلال البحرين، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما حاول التدخل في الشأن الداخلي وإرسال الإرهابيين، ومحاولة إثارة القلاقل والفتن في البحرين، من أجل إيجاد المناخ القادر على احتلالها.

الباحثة أمل مدحت عبد الحميد تقول في دراسة لها بعنوان “أثر السياسة الإقليمية الإيرانية على الأمن القومي العربي”: أقرَّ البرلمان الإيراني مشروع قانون ينص على تبعية البحرين لإيران، واعتبارها المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة، متناسين أنه في عام (1965) بدأت إيران مع بريطانيا قبل انسحابها من الخليج محادثات حول حدود الدولة الإيرانية في الخليج العربي، وفشلت هذه المحادثات؛ لإصرار إيران على أن تكون البحرين تحت التبعية الإيرانية، لكن مطامع إيران في البحرين لم تنتهِ بسقوط الشاه، حيث إنها كانت تتجدَّد على فترات متباعدة، وتكررت الادِّعاءات، وتكرَّرت مصادرها من أشخاص خارج النظام إلى مصادر ذات صلة واضحة برأس النظام، أو من عناصر من داخل النظام الإيراني ذاته، فعند النظر إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين نجد أنه لا فرق بين عقلية بعض الذين كانوا في زمن الشاه، وعقلية من ينتمون إلى فكر جمهورية إيران، حيث طموحات التاريخ تريد استعادة نفسها اليوم بمقولات تبعية البحرين لإيران، والمراهَنة مجددًا على ولاء وانتماء شعبها، رغم انتهاء صلاحية تلك النيات منذ استفتاء (1970)، الذي جمع فيه الشعب البحريني بسُنَّته وشيعته على عروبة البحرين.

رغم تبدُّل النُّظُم السياسية الإيرانية إلا أن محاولة اختراق البحرين كانت سياسة ثابتة للفرس.

بين عبدان والبحرين

اعتمد مبرِّر إيران الدائم عند المطالبة بالبحرين على أنها تحمي المكون الشيعي في البحرين، لكن إيران لا تقبل في المقابل أن يطالب الخليجيون بحماية العرب في عبدان وبقية بر الأحواز ذي الهوية العربية؛ لذا تتعمَّد إيران تغييب واقع العرب في الأحواز واحتلالها غير المبرِّر لأراضيهم، بينما تتمادى في مطالبات غير شرعية في البحرين.

يكشف الكاتب عبد الله العلمي في كتابه “الأطماع الإيرانية في الخليج” محاولات إيرانية عدة للتغوُّل الإيراني في البحرين، وإحداث فتنة واحدة تلو الأخرى، منها القيام بمحاولة قلب نظام الحكم في البحرين العام (1982)، الذي تكرَّر مرة أخرى تحت عباءة ما سُمِّي بالربيع العربي (2011)، عندما قامت بتحريك عمليات إرهابية وتهريب أسلحة ومتفجرات إلى البحرين.

  1. أمل عبد الحميد، أثر السياسة الإقليمية الإيرانية على الأمن القومي العربي (المركز الديمقراطي العربي: .https://democraticac.de/).

 

  1. خير الله خير الله، البحرين وإيران، طفح الكيل، موقع العربية، 9 أكتوبر (2015).

 

  1. عبد الله العلمي، الأطماع الإيرانية في الخليج (الرياض: دار مدارك، 2017).

 

  1. عطاالله الزيد، العلاقات السياسية السعودية الإيرانية وأثرها على الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج العربي (عمَّان: دار الأكاديميون للنشر والتوزيع، 2021).

 

  1. راشد أحمد الحنيطي، مبدأ تصدير الثورة الإيرانية وأثره على استقرار دول الخليج العربية، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم، جامعة الشرق الأوسط بالأردن (2013).