الوحدة العربية جعلت محمود الثاني يعلن الاستنفار

السعوديون أفقدوا العثمانيين مرتكزهم السياسي الذي برروا به استعمارهم للوطن العربي

شكّل ظهور الدولة السعودية الأولى (1744) في منطقة نجد مفاجأة صادمة للدولة العثمانية التي لم تكن في البداية تعطي أهمية كبيرة لا للدولة الجديدة ولا للمنطقة كلها، قبل أن تستشعر القوة السياسية الجديدة بقيادة الإمام محمد بن سعود (مؤسس الدولة السعودية الأولى)، التي أصبحت بعد ذلك تشكل تهديدًا جديًّا بحكم ارتباط وجودها السياسي بدعوة دينية نقيَّة؛ إذ وجدت لها صدى كبيرًا في الجزيرة العربية.

اتسع نفوذ الدولة السعودية الأولى خلال فترة وجيزة في الجزيرة العربية، وعملت لتوحيد أطرافها الجغرافية، وسعت إلى استرداد الحرمين الشريفين من السيطرة العثمانية إلى حاضنتها العربية الشرعية، انطلاقًا من الوحدة الجغرافية أولاً للجزيرة العربية، والرفض العربي الفطري الخضوع إلى السلطة الاستعمارية بمختلف مسمياتها، الأمر الذي أثار مخاوف ولاة العثمانيين في الحجاز، وبناءً عليه بعث واليهم على مكة مسعود بن سعيد عريضةً إلى إسطنبول (1749) يحذر فيها مما وصفه “اجتهادات للشيخ محمد بن عبد الوهاب”، وهو التحذير الذي رد عليه السلطان العثماني محمود الأول (1730-1754) بكتاب جوابي طالب فيه والي ولاية حبش ومتصرفية جدة وشيخ الحرم المكي عثمان باشا بأن يعمل بنشاط مع والي مكة المكرمة بهذا الخصوص.

أمام هذا الواقع السياسي الجديد الذي فرضه السعوديون، استشعر سلطان الدولة العثمانية خطورة الموقف، وهو ما دفعه إلى وصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بـــ “الملحد” واتهام الدولة السعودية بالخروج على “الخلافة” بالرغم من أن جميع الشواهد كانت تؤكد غياب أي مظهر من مظاهر السيادة السياسية على المنطقة قرابة ثلاثة قرون، وجميع المهام المرتبطة بأمور الولاية والقضاء والحسبة لم يكن للدولة العثمانية فيها حل ولا عقد، هذا بخلاف إسقاط الجريمة الاستعمارية من سلالة عرقية لا تتوفر فيها شروط الخلافة الإسلامية لا شرعيًا ولا فعليًّا.

جميع الشواهد كانت تؤكد غياب أي مظهر من مظاهر السيادة السياسية على الجزيرة العربية إبان الاحتلال العثماني خلال ثلاثة قرون.

تعامل العثمانيون مع الموقف وفق طابعهم الاستعلائي الذي عكسته الرسالة الجوابية التي أرسلها الباب العالي إلى أمير مكة جاء في إحدى فقراتها: “…بسبب تمكن (الملحد) من كسب سكان تلك المناطق إلى جانبه بكل الحيل… فإن التقاعس بخصوص هذا الشخص سيؤدي إلى ظهور الحاجة إلى قوات أكثر عددًا”.

وعطفًا على موقف العثمانيين من تحذيرات واليهم فيما يخص السعوديين وقيام دولتهم الأولى؛ فإن مجموعةً من الباحثين يرون بأن الصدام بين السعوديين والعثمانيين كان نتاجًا موضوعيًّا لطبيعة الخلاف العقدي بين دولة سلفية نقية المعتقد ودولة متصوفة مغالية، والذي شكل الأركان التي قام عليها كل كيان سياسي منهما على حدة. هذا التعارض العقدي الذي يصفه الباحث والإعلامي سلطان الأصقه بقوله: “من طبائع المتصوف المغالي فاسد المعتقد أنه يحارب من يقوم بالدعوة إلى التوحيد ومن يحيي عقيدة أهل السنة والجماعة… فمن طبائع الأمور أن تحاربها الدولة العثمانية وسلاطينها المتصوفة”.

بدايةً رأى العثمانيون بأن مواجهة الدولة السعودية الأولى تحتاج إلى مسوغات شرعية يقبلها العرب الذين كانوا على خطوط التماس مع الحدود الجديدة للدولة السعودية، ولم تجد غير مبرر “الخروج” لإضفاء طابع القدسية على هذه الحرب، بل ووصل بها الحقد على سكان نجد بأن منعوهم من أداء مناسك الحج تحت مبرر أنهم “وهابيون خوارج”، وقاموا بحبسهم والتنكيل بهم في مشهد يصفه المؤرخ عثمان بن بشر في كتابه “عنوان المجد في تاريخ نجد” عن أحداث سنة (1749): “وفيها حبس مسعود بن سعيد شريف مكة حاج نجد، ومات منهم في الحبس عدة”.

وصل حقد الدولة العثمانية على سكان نجد إلى حد منعهم من أداء مناسك الحج.

الحرمان الشريفان يعدان مركز ثقل العالم العربي والإسلامي، لذلك شكل التهديد باسترجاعهما من طرف الدولة السعودية الأولى إفقاد العثمانيين مرتكزهم الديني الذي بنوا عليه شرعية استعمارهم السياسي. هذا المعطى يفسر حالة الاستنفار التي أعلنها السلطان العثماني لوقف تمدد الدولة السعودية التي كانت تتطلع إلى جمع عرب الجزيرة تحت مظلة عربية واحدة في ظل افتقاد السلطنة العثمانية للأركان الشرعية لقيادة الأمة الإسلامية، وأيضًا في ظل السياسة العرقية التي انتهجتها إسطنبول تجاه الحجاز، والتي لم تكن بالنسبة لها إلا “صك الشرعية” الذي ترتكز عليه في مسلسل إخضاع باقي المجتمعات الإسلامية تحت مسوغات الغزو تارة، ومسوغات الفتح تارة أخرى، وهو ما لم يكن ليتأتى لها لولا الرمزية الدينية القوية للمشاعر المقدسة.

أمام هذا الواقع الجيوستراتيجي الجديد، استنفر السلطان العثماني بعض ولاته للقضاء على الدولة السعودية الأولى في مهدها من خلال توجيه مجموعة من الحملات التي لم يكتب لها النجاح بفعل قوة جيوش السعوديين التي كانت متسلحةً بعقيدة نقيَّة نابعة من روح الدين الإسلامي وهدي شريعته لترسم ملحمةً بطولية في الذود عن الدين والعرض والوطن وتنجح في رد الخطر العثماني ولو إلى حين وقتها.

  1. حسين بن غنام، روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام (الرياض: دار الثلوثية، 2010).

 

  1. عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، تحقيق: عبدالرحمن آل الشيخ، ط4 (الرياض: وزارة المعارف، 1971).

 

  1. عبدالرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: عبدالرحيم عبدالرحمن (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1997).

 

  1. عبدالرحيم عبدالرحمن، الدولة السعودية الأولى، ط5 (القاهرة: دار الكتاب الجامعي، 1987).

 

  1. صالح السعدون، “منع الحج بين الدولة العثمانية والدولة السعودية الأولى، الرياض: مجلة الدارة، ع.2، مجلد: 35 (2009).

 

  1. د. سلطان الأصقة، حلقات برنامج “العصملي”.