عاشق باشا زاده أنموذجًا
كتابة التاريخ على مقاس أحلام السلاطين
في جانبٍ كبير من التاريخ العثماني الذي وصل إلينا، لم يكن مجرد نقل بريء للوقائع، ولا تسجيلًا محايدًا لما جرى في ميادين السياسة والحرب، بل كان سرديةً عثمانية صيغت بعناية، وكتبت تحت ظلال القصور، وداخل مناخ سياسي كان يبحث عن المجد أكثر مما يبحث عن الحقيقة. فكثير من السلاطين العثمانيين أدركوا مبكرًا خطورة التاريخ وقوته؛ إذ لم يكن التاريخ بالنسبة إليهم ذاكرة للماضي فحسب، بل كان وسيلة لصناعة الشرعية، وترسيخ الهيبة، وتقديم الدولة بوصفها وريثة المجد الإسلامي وحاملة راية الفتوحات. ومن هنا جاء تعيين المؤرخين، أو تقريبهم من البلاط، أو تشجيعهم على كتابة تاريخ يتوافق مع صورة السلطان عن نفسه، لا بالضرورة مع حقيقة الوقائع كما حدثت.
ولعل واحدًا من أبرز الأسماء التي تمثل هذا النمط من التأريخ هو درويش أحمد عاشقي، المعروف باسم عاشق باشا زاده أو عاشق زاده، صاحب كتاب تواريخ آل عثمان، وهو من أوائل من شاركوا في تشكيل الذاكرة العثمانية المكتوبة، ومن أهم الذين ساهموا في تحويل الرواية العثمانية من أخبار متناثرة إلى سردية متماسكة تخدم صورة الدولة والسلطان. لم يكن عاشق باشا زاده مؤرخًا مستقلًا بالمعنى الدقيق، ولم يكن مجرد راوٍ استهوته الحكايات فراح يجمعها من الناس والأسفار. بل كان جزءًا من بيئة عثمانية واسعة، يتداخل فيها التصوف والسياسة والحرب، ويختلط فيها تمجيد الغزو بتثبيت السلطة، وتقديم آل عثمان بوصفهم أصحاب رسالة تاريخية كبرى. ينتمي عاشق باشا زاده إلى خلفية صوفية واضحة، ويرجع نسبه إلى الشاعر والدرويش المعروف عاشق باشا. وتشير الأخبار المتداولة عنه إلى أنه ولد في منطقة أماسيا، وتنقل في الأناضول وغيرها، واحتك بأوساط دينية وسياسية متعددة، قبل أن يستقر في مراحل مختلفة من حياته في بيئات علمية وروحية كان لها أثر في تكوينه. وهذه الخلفية ليست تفصيلًا هامشيًا؛ فكثير من رجال الدولة العثمانية ومؤرخيها الأوائل خرجوا من فضاءات صوفية أو ارتبطوا بها، وهو ما منح كتاباتهم طابعًا يمزج بين الحكاية، والكرامة، والغزو، والرسالة الدينية.
ومن هنا يمكن فهم موقع عاشق باشا زاده داخل مشروع أوسع: مشروع صناعة تاريخ عثماني يقدم الدولة لا بوصفها قوة سياسية صاعدة فحسب، بل بوصفها امتدادًا مباركًا لمسيرة الإسلام، وذروة جديدة من ذرى الفتح والجهاد. في دراسة بعنوان: الكتابة التاريخية عند العثمانيين في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، أعدّتها رابعة مزهر شاكر ومحمد عبدالقادر خريسات، يتضح أن الكتابة التاريخية عند العثمانيين بدأت بالتركيز على مناقب آل عثمان وفتوحاتهم، وأن المؤلفات الأولى جاءت متشابهة في بنيتها وغاياتها، مع غلبة واضحة للطابع العسكري والبطولي عليها. وبحسب هذا التصور، يمكن تصنيف المؤلفات التاريخية العثمانية المبكرة في ثلاثة مسارات رئيسة:
أولًا: كتب الغزوات والفتوحات، وهي المؤلفات التي ركزت على الحروب، والمعارك، والتوسع العسكري، وتقديم السلطان بوصفه قائدًا منتصرًا.
ثانيًا: كتب السلاطين والمناقب، وهي التي اختصت بسير بعض السلاطين وأعمالهم، مثل كتب سليمان نامه، وكتب المناقب التي كتبت عن بايزيد وغيره من السلاطين.
ثالثًا: كتب التاريخ العام، وهي التي تناولت تاريخ آل عثمان في صورة أوسع، وضمّت حوليات وأخبارًا شعبية وروايات متفرقة جرى ترتيبها في إطار يخدم البناء العام للسردية العثمانية.
وضمن هذا السياق برز عدد من المؤرخين، منهم: عاشق باشا زاده، وابن قرة علي، وعروج، وكمال باشا زاده، ولطفي باشا الرومي، ومحمد جمالي، وشكري زاده، ونشانجي، ورمضان زاده، وغيرهم ممن شاركوا في بناء الصورة الرسمية أو شبه الرسمية للماضي العثماني. لقد بدأ السلاطين العثمانيون، منذ مرحلة مبكرة، في تشجيع كتابة تواريخهم باللغة التركية، وعلى نحو يتأثر بأسلوب الشاهنامه الفارسية؛ حيث يكون السلطان محور الحكاية، وتكون الحرب ميدان المجد، ويصبح الانتصار العسكري هو المعيار الأعلى لقيمة الحاكم والدولة. ولذلك طغت أخبار الفتوحات والحروب على معظم تلك المؤلفات، بينما بقيت الجوانب الحضارية، والاجتماعية، والفكرية، وأحوال الشعوب الخاضعة، في مرتبة ثانوية أو غائبة أو مبتورة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: أن التاريخ العثماني كما صاغه كثير من مؤرخي البلاط لم يكن معنيًا بتقديم صورة كاملة عن المجتمع والدولة، بل كان معنيًا أولًا بتقديم صورة منتقاة عن السلطان، وعن آل عثمان، وعن فتوحهم. فالحروب حاضرة بكثافة، والمناقب حاضرة بإفراط، أما الناس، والمدن، والضرائب، والأزمات، والتمردات، والواقع الاجتماعي للشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني، فتظهر غالبًا في إشارات عابرة، أو أخبار متقطعة، أو عبارات لا تكفي لبناء فهم حقيقي لذلك الزمن.
حين يصبح المؤرخ موظفًا في بلاط السلطان.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن مؤلفات العثمانيين انصبت بدرجة كبيرة على مناقب آل عثمان، وفتوحاتهم، وتراجم بعض سلاطينهم وولاتهم وعلمائهم. وقد بدأ هذا المسار مع يخشى فقيه، صاحب كتاب مناقب آل عثمان، الذي استفاد منه عدد من المؤرخين اللاحقين، وفي مقدمتهم عاشق باشا زاده في كتابه تواريخ آل عثمان. وهذا يعني أن كثيرًا من هذه الكتابات لم تنطلق من عقل تاريخي نقدي، بقدر ما انطلقت من تقليد سابق، يعاد تدويره، وتوسيعه، وتجميله، ثم إدخاله في بناء سياسي أكبر. فالمؤرخ هنا لا يظهر بوصفه صاحب موقف مستقل، بل يختفي في الغالب خلف أخبار السلاطين، وسرد الفتوحات، وذكر العزل والتولية، وتراجم القادة والأمراء. ولهذا يصعب من خلال هذه المصادر أن نرى الحياة الفكرية والاجتماعية كما كانت، لأن صوت السلطة يعلو فيها على صوت المجتمع.
ولعل أبرز ملامح هذه الروايات، وخاصة عند عاشق باشا زاده ومن سار في طريقه، أنها نادرًا ما تخرج عن الإطارين القصصي والعسكري. فالتاريخ يتحول إلى حكاية مجد، والسلطان يظهر في مركز المشهد، والفتوحات تقدم كما لو كانت قدرًا تاريخيًا لا جدال فيه. وهذه ليست مصادفة، بل يبدو أنها انعكاس لرغبة سياسية واضحة في إبراز أعمال السلاطين وبطولاتهم، لا لأنها دائمًا وقائع مكتملة ودقيقة، بل لأن التنافس بين السلاطين أنفسهم، وبين الدولة العثمانية وغيرها من الدول، كان يقتضي صناعة مجد متراكم، ولو جرى تضخيم بعضه، أو إسناد بعض البطولات إلى غير أصحابها، أو تجاوز ما لا يخدم الصورة المراد ترسيخها.
ومن هنا تبدو الموضوعات الأخرى، مثل أحوال البلاد الواقعة تحت السيطرة العثمانية، أو أوضاع الشعوب غير التركية، أو طبيعة الإدارة والضرائب، أو التحولات الاجتماعية، غامضة في كثير من الأحيان. فهي لا تحتل مركز الرواية، بل تأتي في الهوامش. وحتى حين تذكر، فإنها تذكر بصورة مختصرة أو متقطعة، لا تمنح القارئ صورة مكتملة عن الواقع الذي كانت تعيشه تلك المجتمعات. ولم تقف المشكلة عند حدود الانتقاء والتضخيم، بل امتدت أحيانًا إلى طبيعة اللغة والأسلوب. فبعض ما وصل من مؤلفات أو ترجمات عربية كتب بلغة ركيكة، وبأسلوب بسيط، وفيه ألفاظ عامية وأخطاء لغوية ونحوية، ولا يمكن الجزم دائمًا هل تعود هذه العيوب إلى المؤلفين أنفسهم أم إلى النساخ اللاحقين. غير أن النتيجة واحدة: نصوص تحتاج إلى قراءة حذرة، لا إلى تسليم مطلق.
لقد حاولت الرواية التاريخية العثمانية، على يد عاشق باشا زاده وغيره، أن تجعل من الأمة التركية، ومن آل عثمان تحديدًا، امتدادًا مباشرًا للرسالة الإسلامية ووريثًا لبطولات العصرين النبوي والراشدي، متجاوزة قرونًا طويلة من التاريخ العربي الإسلامي، بما فيها الدولة الأموية والعباسية، وما شهده ذلك التاريخ من فتوحات، وعلوم، وعمران، وحضارة، وتجارب سياسية كبرى امتدت من دمشق إلى بغداد، ومن القيروان إلى الأندلس. وهذا التجاوز لم يكن بريئًا؛ فقد كان نتيجة طبيعية لغلبة الأنا العثمانية التركية في الكتابة التاريخية، وهي الأنا التي أرادت أن تبدأ المجد الإسلامي من جديد عند عتبة آل عثمان، أو أن تجعله يبلغ ذروته في تجربتهم. ولذلك نجد أن تعظيم الأعمال العسكرية يتقدم في معظم المؤلفات التاريخية العثمانية، حتى يصبح الفتح هو المعيار شبه الوحيد للشرعية، ويصبح السلطان العثماني منافسًا رمزيًا لكل من سبقه من حكام المسلمين. ويظهر هذا المعنى بوضوح في ما ينسب إلى بعض مؤرخيهم من القول إنه، باستثناء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة، لم يحقق أي حاكم مسلم إنجازات أعظم من إنجازات السلاطين العثمانيين. وهذه العبارة، في دلالتها، لا تمجد العثمانيين فحسب، بل تعيد ترتيب التاريخ الإسلامي كله على نحو يجعل آل عثمان في موضع الذروة، ويجعل ما قبلهم مجرد تمهيد طويل لصعودهم.
لقد أدرك السلاطين العثمانيون أهمية التاريخ بوصفه أداة حكم، لا مجرد سجل للزمن. ولذلك حرصوا على تقريب المؤرخين، وتكليف بعضهم، وتشجيع آخرين، حتى تُكتب أعمالهم ومناقبهم بالطريقة التي يريدونها أن تصل إلى العامة والخاصة. ومن بين هؤلاء برز عاشق باشا زاده، الذي صار اسمه مرتبطًا بواحد من أهم النصوص المؤسسة للسردية العثمانية المبكرة. غير أن قيمة هذه النصوص لا تعني التسليم بها. فهي مصادر مهمة بلا شك، لكنها ليست مرايا صافية للحقيقة. إنها نصوص كتبت في ظل سلطة، وداخل ثقافة سياسية، وبأهداف واضحة، ولذلك لا يجوز التعامل معها كما لو كانت شهادات محايدة. فالتاريخ الذي يكتبه القصر لا يكتفي بوصف الماضي، بل يعيد تشكيله. والتاريخ الذي يمليه السلطان، أو ينتظر رضاه، لا يروي كل شيء، بل يختار ما يخدم صورته، ويصمت عما يربك مجده. ومن هنا فإن قراءة عاشق باشا زاده لا ينبغي أن تكون قراءة إعجاب فقط، بل قراءة تفكيك ومساءلة. فهو لا يمثل مؤرخًا منفردًا بقدر ما يمثل نمطًا كاملًا من الكتابة التاريخية العثمانية؛ نمطًا جعل من السلاطين أبطالًا دائمين، ومن الفتوحات مادة مركزية، ومن آل عثمان محورًا للتاريخ الإسلامي، بينما تراجعت خلف ذلك كله أصوات الشعوب، وتفاصيل الحياة، وتعقيدات الواقع.
إن المشكلة ليست في أن يكتب العثمانيون تاريخهم، فهذا حق كل أمة ودولة، بل في أن يتحول التاريخ إلى أداة لاحتكار المجد، وإلغاء السابقين، وتجميل السلطة، وصناعة ذاكرة لا تسمح إلا بصورة واحدة: سلطان منتصر، ودولة مقدسة، وفتوحات لا تنتهي. وهكذا يصبح عاشق باشا زاده مثالًا بارزًا على المؤرخ الذي كتب داخل أفق السلطة، وساهم، بقصد أو بغير قصد، في بناء تاريخ على مقاس أحلام السلاطين. تاريخ لا يمكن فهمه إلا إذا قرأناه بحذر، ووازنّاه بالوثائق والسجلات والمصادر الأخرى، وأدركنا أن بين ما حدث فعلًا، وما أراد البلاط أن نتذكره، مسافة واسعة اسمها: صناعة التاريخ.
- رابعة شاكر ومحمد خريسات، “الكتابة التاريخية عند العثمانيين في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي”، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة الأردنية، مج.41، ع.1 (2014).
- عاشق باشا زاده، تواريخ آل عثمان (إسطنبول: مطبعة عامرة، 1916).
- عمَّار الحُصري، “كُتّاب التاريخ العثماني وكتاباتهم في القرن الثامن عشر الميلادي”، مجلة كلية الآداب بجامعة المنصورة، ع.73 (2023).