حركة بابك الخرمي 201هـ (816م)

التعبير الشعوبي العسكري ضد الدولة العربية

ساند الفرس الدعوة العباسية نكايةً بالدولة الأموية، هذه الدولة التي قامت على أكتاف العرب؛ حيث كان الفرس بعد الفتح العربي مجرد “موالي” للعرب، وبعد تأسيس الدولة العباسية ظنَّ الفرس أن الفرصة قد حانت لتحقيق حلمهم بأن تصبح الدولة العباسية “فارسية في مظهرها وجوهرها، وفي سلطتها ولغتها ودينها”، لكن الدولة العباسية أدركت ذلك الأمر وواجهته بشدة، وأدَّى ذلك إلى غضب الفرس على العباسيين، لا سيما بعد القضاء على أبي مسلم الخراساني والبرامكة.

من هنا عملت تيارات عديدة من الفرس على إحياء ديانتهم القديمة، والعمل على انتشارها في المجتمع الإسلامي لتقويضه من الداخل، وهو الاتجاه الذي أطلقت عليه المصادر الإسلامية مصطلح “الزندقة”.

وفي البدايات كانت الزندقة مجرد حركة دينية وفكرية لإحياء ديانات الفرس القديمة، لكنها بعد ذلك دخلت في مرحلة أخرى عندما تحوَّلت إلى حركات عسكرية مناوئة للدولة العباسية، والعنصر العربي بوجهٍ عام.

ومن أخطر هذه الحركات: حركة بابك الخرمي، التي يشير البعض إلى مدى خطورتها وتأثيرها السلبي: “لها آثار جسيمة في كيان الخلافة العباسية، حيث زعزعت ذلك الطود الشامخ ونخَرَته، فتركته خاويًا عاجزًا عن أن يقف على قدمَيه، أو يستعيد ما كان له من سابق عز وهيبة وجلال وسلطان”.

الخرمية أخطر الحركات الفارسية التي انتهجت الزندقة الفكرية محاربةً للدولة العربية.

وتعود الخرمية في جذورها إلى المزدكية، وهي إحدى عقائد الفرس القديمة، وهي حركة لها طابع فوضوي إلى حدٍّ كبير؛ إذ تنادي بتجاوز المحرمات، وأن الإنسان خُلِق ليتمتع باللذة دون حساب، سواء في الأكل والشراب والاختلاط الجنسي، ورفض استبداد الحكومات.

واختلفت الخرمية على عهد بابك الخرمي، الذي خرج على الدولة العباسية في أواخر عصر الخليفة المأمون وبدايات عهد المعتصم؛ إذ ارتد بابك عن الإسلام، وأعلن أنه إله، ونادى في أتباعه بالطاعة، واستحدث بابك في حركته جواز القتل والسلب، وهو ما لم يكن في الخرمية القديمة على عهد مزدك، وبهذا استطاع بابك حشد وتعبئة أتباعه لمحاربة الدولة العباسية.

وهناك روايات كثيرة حول السلوك اللاأخلاقي لبابك، وكيف ارتبط بعلاقة جنسية مع زوجة سيده، وبعد وفاة سيده أعلنت هذه المرأة أن زوجها قُبَيل وفاته قال لها: “إني أموت في ليلتي هذه، وإن روحي تخرج من جسدي وتدخل بدن هذا الغلام خادمي -بابك الخرمي- وقد رأيت أن أُمَلِّكه على أصحابي، فإذا مت فأعلِمِيهم ذلك”، وسرعان ما تزوج بابك أرملة سيده، وأصبح الزعيم الأوحد للخرمية، التي عُرفت بالبابكية نسبةً إليه.

ويرى البعض أن هذه الرواية موضوعة من جانب أعداء بابك الخرمي، وإن كانت في حقيقة الأمر تتماشى مع تقاليد الخرمية، ومع طبائع بابك الخرمي، وسواء قَبِلنا هذه الرواية أو لم نقبلها، فإن بابك الخرمي بعد هذه الحادثة لمع نجمه، وزاد أتباعه، وأصبح يُشكِّل خطرًا جسيمًا بالنسبة للسلطة المركزية للدولة العباسية.

تحصَّن بابك الخرمي في المنطقة الواقعة بين أذربيجان وأران في شمال بلاد الفرس ببداية ثورته سنة 201هـ/816م، وكانت قاعدته بلدة يُطلَق عليها “البذ”، وهي بلدة يمر بها نهر الرس العظيم، وكان من الصعب على أي قوة عسكرية مواجهة بابك الخرمي، ليس فقط لقوته وسيطرته المطلقة على أتباعه، ولكن لوعورة المناطق التي تحصَّن فيها، سواء للثلوج والبرد القارس في الشتاء، أو في صعوده إلى الجبال ثم الانقضاض على أعدائه.

وبالفعل فشلت كل الحملات العسكرية التي أرسلها الخليفة المأمون في القضاء على حركة بابك، التي استفحل خطرها على الدولة العباسية، ولا أدَلَّ على عِظَم هذا الخطر من وصية المأمون قبل وفاته للمعتصم، وحَثِّه على ضرورة التصدي لبابك: “والخرمية فأَغْزِهِم ذا حزامة وصرامة وجَلَد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجال، فإن طالت مدتهم فتجرَّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عملًا مقدِّمًا النيةَ فيه راجيًا ثواب الله عليه”.

وبالفعل جهَّز المعتصم العدة لمواجهة خطر بابك الخرمي، وأعَدَّ حملة عسكرية كبرى، وضع على رأسها أمهر قادته وهو الأفشين، وبالفعل استطاع الأفشين تحصين القلاع التي دمَّرها بابك من قبل، ودارت العديد من المعارك بين الجانبَين، إلى أن استطاع الأفشين في نهاية الأمر حصار البذ، قاعدة بابك الخرمي، ونجح في اقتحامها، وتم إلقاء القبض على بابك، وأُرسل إلى الخليفة المعتصم في سامراء، حيث تم إعدامه وصلبه سنة 222هـ/837م على مرأى من الجميع؛ ليكون عبرة لمن يخرج على الخلافة العباسية.

هكذا تم القضاء على البابكية التي يراها البعض “أخطر حركة من حركات الزندقة، وهي التي قادت تيارات الشعوبية، مما هدَّد وحدة المجتمع العباسي”، وبالفعل تعتبر هذه الحركة من الحركات الشعوبية الخطيرة، ليس فقط لطابعها العسكري، ولكن لخروجها على وحدة العالم الإسلامي، ومحاولتها التحالف مع أعداء الخلافة الإسلامية، لا سيما الدولة البيزنطية، بل قيل إنه بعد إعدام بابك هرب بعض جنوده ودخلوا في خدمة الدولة البيزنطية.

وعلى الرغم من نجاح الدولة العباسية في القضاء على فتنة بابك الخرمي، إلا أن هذه الحركة أنهكت الدولة العباسية، مما كان له تداعيات على بنيان الدولة المركزية، ويشير البعض إلى أنه بعد فتنة البابكية “تجرَّأ الغلمان الأتراك على الخلفاء أنفسهم فيما بعد، وكان نشوء واستقلال الإمارات الإقطاعية في الأطراف هو أسلوب تطور الإقطاع ونمو اللامركزية نتيجة فقدان هيبة الخلافة، وضعف السلطة المركزية”.

هكذا كانت حركة بابك الخرمي من الناحية السياسية معول هدم في بنيان الدولة العباسية، وأيضًا من الناحية العنصرية؛ تعبيرًا أو تنفيسًا عن الكراهية التي كانت تمتلئ بها نفوس أقوام من الفرس ضد العرب.

  1. حسين العزيز: البابكية، رسالة دكتوراه، جامعة موسكو، منشورات بغداد (1966).

 

  1. حسين المصري، صلات بين العرب والفرس والترك، دراسة تاريخية أدبية (القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2001).

 

  1. محمد الخضـري، محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية: الدولة العباسية (بيروت: دار القلم، 1986).

 

  1. محمد شعبان، الدولة العباسية (بيروت: الأهلية، 1981).

 

  1. محمد مطر، التحالفات والأمم في حركة بابك الخرمي، كلية الإمام الكاظم للعلوم الإسلامية، (2019).