دومانيتش:
معركة صنعتها المبالغات العثمانية
لم تكن معركة دومانيتش عام (1287) أو معركة التوائم كما تذكرها بعض الروايات التركية القديمة، من تلك الحروب الأسطورية التي غيّرت وجه التاريخ كما يحاول كثير من الموالين للسردية العثمانية تصويرها اليوم. بل إن المتأمل في طبيعة تلك الواقعة، وحجم المصادر الشحيحة والمتضاربة حولها، يدرك سريعًا أننا أمام معركة جانبية محدودة، جرى لاحقًا تضخيمها وتحويلها إلى حجر الأساس في نشأة السلطنة العثمانية، ضمن عملية واسعة لإعادة تشكيل الوعي التاريخي التركي الحديث.
مناوشات حدودية حولوها إلى أسطورة تأسيس.
فالرواية العثمانية الجديدة لا تبدأ عادةً من الوقائع، بل من الحاجة السياسية إلى صناعة ماضٍ بطولي. ولهذا تُبنى أولًا عزلة تاريخية حول الحدث، ويُلف بالغموض، ثم تُعاد صياغته داخل سردية قومية تجعل من المناوشات العابرة ملاحم كبرى، ومن زعماء القبائل أبطالًا مؤسسين للتاريخ. ومعركة دومانيتش تمثل نموذجًا واضحًا لهذه الآلية.
المعركة في حقيقتها، جاءت ضمن حالة الفوضى والانهيار التي كانت تضرب الإمبراطورية البيزنطية في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، والدولة البيزنطية آنذاك كانت تعيش ضعفًا اقتصاديًا وعسكريًا حادًا، فيما كانت القبائل التركمانية تتدفق إلى الأناضول وتستقر في أراضيها تدريجيًا، الأمر الذي دفع المقاطعات البيزنطية الحدودية إلى محاولة التنسيق فيما بينها لوقف توسع مرتزقة الترك المتزايد.
لكن ما جرى لم يكن حربًا مصيرية فاصلة بقدر ما كان صدامًا حدوديًا محدودًا في بيئة مضطربة، انتهى بانسحاب البيزنطيين غربًا، بعدما أصبحت مناطق واسعة من الأناضول ساحة مفتوحة للقبائل التركمانية المهاجرة بجانب مقاتليهم. ورغم ذلك، جرى لاحقًا تحميل المعركة ما لا تحتمل. فالمصادر العثمانية المتأخرة تصوّرها باعتبارها الحرب التي مهّدت لقيام الدولة العثمانية، مع أن كثيرًا من تفاصيلها مجهول أصلًا؛ فلا يوجد اتفاق واضح حول عدد القوات، ولا طبيعة سير المعركة، ولا حتى موقعها الجغرافي الدقيق.
بل إن الاضطراب يصل أحيانًا إلى اسم المكان نفسه. إذ تشير بعض الدراسات التركية إلى وجود التباس تاريخي بين منطقتين متشابهتي الاسم، ما أدى إلى خلط الرواة بين موضعين مختلفين. وتذهب أبحاث أخرى إلى أن المنطقة المنسوبة للمعركة ذات طبيعة جبلية وعرة للغاية، ولا تسمح أصلًا وفق الوصف الجغرافي بحشد جيوش ضخمة أو خوض معركة واسعة كما تروي الأدبيات العثمانية الحديثة.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور: إذا كان موقع المعركة نفسه محل خلاف، وتفاصيلها غامضة، والمصادر حولها محدودة إلى هذا الحد، فمن أين جاءت كل تلك القصص البطولية الضخمة؟.
الجواب يكمن في طبيعة السردية العثمانية ذاتها. فكثير من المؤرخين المتعثمنين لا يتعاملون مع التاريخ باعتباره مادة للفهم والتحليل، بل باعتباره أداة لبناء الهوية القومية. ولهذا تُضخَّم الوقائع الصغيرة، وتُعاد كتابة الأحداث بما يخدم صورة المؤسس العظيم والدولة العظيمة التي كُتب لها منذ البداية أن تسيطر على العالم.
وفي هذا السياق تحديدًا، جرى تحويل عثمان بن أرطغرل من زعيم قبلي غامض إلى بطل تاريخي استثنائي. مع أن الحقيقة التاريخية تشير إلى أن العثمانيين الأوائل كانوا جزءًا من البنية العسكرية السلجوقية، وأن حروبهم الأولى لم تكن حروب تأسيس لدولة مستقلة، بل عمليات قتالية خاضوها بالنيابة عن السلاجقة، مقابل المال والأرض والنفوذ. أي أنهم كانوا وفق التعبير السياسي الحديث؛ مقاولين عسكريين على الحدود البيزنطية.
ولهذا يتجاهل كثير من الخطاب العثماني الحديث حقيقة أن الحروب الأولى التي خاضها عثمان وقبيلته كانت ضمن المشروع السلجوقي، لا ضمن مشروع عثماني مستقل كما تحاول الرواية القومية تصويره. بل إن بعض الباحثين الأتراك أنفسهم يقرّون بأن ما بعد دومانيتش شهد أول تحوّل حقيقي في علاقة العثمانيين بالسلاجقة، حين بدأ العثمانيون بالتخلص من بعض المجموعات العسكرية المرتبطة بالنفوذ السلجوقي، خشية أن تتحول مستقبلًا إلى خطر على مشروعهم الناشئ.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: السلاجقة الذين احتضنوا القبائل العثمانية، ومنحوها الأرض والدعم والشرعية، كانوا عمليًا يساهمون في بناء القوة التي ستنقلب عليهم لاحقًا. أما الحديث عن حرب تأسيس كبرى، فهو أقرب إلى القراءة المتأخرة منه إلى الواقع التاريخي. فالأناضول في ذلك العصر لم يكن مسرحًا لدول قومية واضحة المعالم، بل فضاءً مضطربًا تتحرك فيه قبائل ومحاربون ومرتزقة وتحالفات مؤقتة، في ظل انهيار بيزنطي تدريجي وضعف سلجوقي متزايد.
ومن هنا، فإن محاولة تصوير دومانيتش باعتبارها اللحظة المقدسة التي وُلدت فيها الإمبراطورية العثمانية، ليست قراءة تاريخية بقدر ما هي إعادة إنتاج أيديولوجي للتاريخ. والأمر ذاته ينسحب على شخصية أرطغرل وابنه عثمان، فالغموض يحيط بأصولهم، وأسمائهم، وحتى طبيعة تدينهم في تلك المرحلة المبكرة، ومع ذلك تُقدَّم سيرتهم اليوم كما لو أنها حقائق مكتملة لا تقبل النقاش. إنها الآلية ذاتها التي تُستخدم دائمًا في صناعة الأساطير السياسية: كلما قلّت المعلومات الحقيقية؛ ازدادت مساحة الخيال. ولهذا فإن معركة دومانيتش لا تكشف فقط عن صدام عسكري محدود في أطراف الأناضول، بل تكشف أيضًا عن الكيفية التي يُعاد بها تشكيل التاريخ، وكيف تتحول الوقائع الصغيرة بمرور الزمن إلى أساطير قومية ضخمة، تخدم الحاضر أكثر مما تفسّر الماضي.
- إبراهيم حليم بك، التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العليَّة (بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 1988).
- محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).
- يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان سلمان (إسطنبول: مؤسسة فيصل للتمويل، 1990).