في لحظات "ذي قار" التاريخية

أثبت العرب أن البداوةَ خيار...وأن الكرامة أصلٌ ثابتٌ يحكي قصة انتصاراتهم على أهل الحضارة

تُعد معركة ذي قار بين العرب والفرس إحدى أهم المعارك الفاصلة في التاريخ العربي؛ إذ إنها أسست لما بعدها، ومهَّدت للانتصارات العربية بعد ذلك التي أنهت دولة الأكاسرة في معركة القادسية بعد الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه 15هـ (636م)، إذ انكسر بعدها الفرس قبالة العرب وانكسرت شوكتهم حتى اليوم، منذ أكثر من 1400 عام من تاريخ الانتصار العربي.

يلخص “توفيق برو” في كتابه تاريخ العرب القديم تلك المعركة العظيمة قائلاً: “إن لهذه المعركة أهمية عظيمة من حيث مظاهرها القومية، فقد جرؤ العرب -لأول مرة في التاريخ- على لقاء الفرس في معركة سافرة، فقويت معنوياتهم. ومع أن عددًا من القبائل العربية كانت في جانب الفرس، غير أن شعورهم كان مع العرب، وقد دل على ذلك خذلان بني إياد للجيش الفارسي في اللحظة الحاسمة من المعركة، وتضامن بنو سكون وبعض بني تميم مع بكر وشيبان”.

وعلى إثر خذلان الفرس في يوم ذي قار، أُقْصِيَ إياس بن قبيصة عن حكم الحيرة، إذ عده الفرس مسؤولاً عن الهزيمة؛ كونه القائد الأعلى للجيش المحارب فيها. ويظهر أنه قد هرب من وجههم، كما تقول الرواية العربية، إذ انفصل عن المعركة عندما أدرك الخسارة التي لحقت جيشه، وذهب إلى كسرى، وأخبره أن النصر للفرس فيها، خوفًا من أن يخلع كتفه كما فعل بمن أتاه قبل ذلك بأخبار مشؤومة عنها ولاذ بالفرار، فحكم الفرس الحيرة حكما مباشرًا.

يتفق أغلب المؤرخين على أن “ذي قار” معركة فاصلة بين حدود العرب والفرس ليس جغرافيًّا فقط، بل أيضا في العلاقة التاريخية والثقافية، بين أمتين هيمن الفرس فيها على العرب ابتداءً بالاحتلال والغطرسة والإذلال، ولم يتخيل الفرس بإمبراطوريتهم وملكهم أن يأتي من تلك الصحاري البدوية في الجزيرة العربية، من يمرغ أنوفهم ويكسر هيبتهم.

 نشبت ذي قار في الحدود الفاصلة بين شمال الجزيرة العربية وجنوبي العراق، وتوصف بأنها أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، وهم في تلك المرحلة التاريخية الفرس والروم.

وبأسباب أحالت حديثًا عابرًا عن جمال العربيات من قريبات النعمان بن المنذر في مجلس كسرى بن هرمز إلى معركةٍ كبرى، حين كان كسرى جالسًا على عرشه وفي حضرته العربي زيد بن عدي، الذي غدر النعمان بأبيه وحبسه ثم قتله، حيث قال زيد لكسرى: أيها الملك العزيز إن خادمك النعمان بن المنذر عنده من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. فأرسل كسرى زيداً إلى النعمان ومعه مرافق لهذه المهمة، فلما دخلا على النعمان قالا له: إن كسرى أراد لنفسه ولبعض أولاده نساءً من العرب، فأراد كرامتك، وهذه هي الصفات التي يشترطها في الزوجات. فقال له النعمان: أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته؟ يا زيد سلّم على كسرى، قل له: إن النعمان لم يجد فيمن يعرفهن هذه الصفات، وبلغه عذري. ووصل زيد إلى كسرى فأوغر صدره، وقال له: إن النعمان يقول لك: ستجد في بقر العراق من يكفينك.

فقد كسرى صوابه من رد النعمان، لكنه سكت؛ حتى يأمن النعمان ردَّة فعله، ثم أرسل إلى النعمان يستقدمه، فعرف النعمان أنه مقتول لا محالة، فحمل أسلحته وذهب إلى بادية بني شيبان حيث لجأ إلى سيدهم هانئ بن مسعود الشيباني، وأودع عنده نسوته ودروعه وسلاحه، وذهب إلى كسرى، فمنعه من الدخول إليه وأهانه، وأرسل إليه من ألقى القبض عليه، وبعث به إلى سجن كان له، فلم يزل به حتى وقع الطاعون هناك فمات فيه. وقيل إنه قتله بأن وضعه تحت أرجل الفيلة، وغيرها من الروايات التي تقضي بأن كسرى قتل النعمان.

أقام كسرى على الحيرة مَلِكاً جديداً هو إياس بن قبيصة الطائي، وكلَّفه أن يتصل بهانئ بن مسعود ويحضر ما عنده من نساء النعمان وسلاحه وعتاده، فلما تلقى هانئ خطاب كسرى رفض تسليم الأمانات، فخيَّره كسرى إما أن يعطي ما بيده، أو أن يرحل عن دياره، أو أن يحارب، فاختار الحرب، وبدأ يعد جيشاً من بكر بن وائل ومن بني شيبان ومن عجل ويشكر والنمر بن قاسط وبني ذهل.

وأخذ كسرى يستعد للمعركة التي ظن أنها سهلة هينة، فجمع أعدادًا من الفرس ومن قبائل العرب الموالية له، خصوصاً قبيلة إياد، ووجههم ليجتاحوا “هانئاً” وحلفاءه ويحضروه صاغراً إلى كسرى.

وفي تفاصيل المعركة يظهر كيف أن دهاء البدوي استطاع أن يهزم مكر الفارسي، إذ أرسلت قبيلة إياد التي قدمت مع كسرى وجنوده إلى هانئ قائلين: نحن قدمنا إلى قتالك مرغمين، فهل نحضر إليك ونفرّ من جيش كسرى؟ فقال لهم: بل قاتلوا مع جنود كسرى، واصمدوا إلينا أولاً، ثم انهزموا في الصحراء، وإذ ذاك ننقض على جيش كسرى ونمزقهم، وهذا ما حصل وكان سببًا في نصر ذي قار وهزيمة الفرس.

قدم الجيش الفارسي وحلفاؤهم من إياد فوجدوا جيش هانئ قد اعتصم بصحراء لا ماء فيها ولا شجر، وقد استقى هانئ لجيشه من الماء ما يكفيهم، فبدأ الفرس يتأثرون من قلة الماء والعطش، ثم انقضوا على جيش هانئ لإنهاء المعركة المنتظرة، وبينما هم في المعركة انهزمت قبيلة إياد أمام الجيش العربي لينكشف الفرس في العراء لوحدهم، وينقض الجيش العربي عليهم ويبيدهم عن آخِرِهم.

لم تنته المعركة بهزيمة جيش الفرس، فقد كانت المعركة الأخرى داخل إيوان كسرى، فمن يجرؤ على إبلاغ الملك المغرور بهزيمة جيشه من الأعراب الذين استصغرهم، وأراد التمتع بنسائهم، بل طلب منهم أن يرسلوا محارمهم إليه؛ لأنه سمع بجمالهن، لقد كانت هذه نهاية حتمية لحقبة تاريخية فاصلة، ولم تكن بين ملكين فحسب، بل بين أمتين إحداهما تعالت واغترَّت، والأخرى وهي العربية عرفت إمكاناتها ووظفتها لصالحها وانتصرت في معركة كبرى رغم كبر جيش العدو وخِبراته واستعداداته.

ومن ساحات “ذي قار” بدت الحقيقة المرة والتعامل معها هناك في قصر كسرى، فكيف يتقبل هو ومن معه الهزيمة النكراء. كان إياس بن قبيصة أول من أتى كسرى بعد الهزيمة وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا عذبه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر، فقال: هزمنا بكر بن وائل، فأتيناك بنسائهم، فأعجب بذلك كسرى وأمر له بكسوة، لكن إياساً استأذنه وقال: إن أخي مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه، وإنما أراد أن يهرب منه، فأذن له كسرى، فترك فرسه “الحمامة”، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة، فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: نعم، إياس، فقال: “ثكلت إياسًا أمه”، وظن أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة جيشه وقتلهم، فأمر به وعذب وقطعت يديه بسبب ذلك الخبر.

حينها علم كسرى أن أمة العرب أقوى بكثير من أن تُستضعف في التاريخ المبكر من مرحلة بداوتها الأولى قبل الإسلام، وأنها حين اختارت أن تعيش البداوة وقسوة الصحاري، فهذا لا يعني أنها أمةٌ سهلة، من الممكن أن تُهان أو يَستبد ملك أو أمة أخرى بها، أو يتعرض أحد لمحارمها ونسائها كما حاول “كسرى”، وما تخلى حلفاؤه العرب عنه في ساحة معركة ذي قار إلا تأكيدًا على أنه ارتكب حماقة كبرى بتعرضه للنساء العربيات، وهو ما دفع الجميع إلى محاربته وإلحاق أول هزيمة في التاريخ العربي الفارسي بجيش كسرى، وكانت تلك هي الفاتحة للمعركة الأسطورية بين الجيش الإسلامي وجيش كسرى أنوشروان في معركة القادسية التي خرجت بعدها فارس من تاريخ الأمم والإمبراطوريات إلى الأبد.

غاب عن كسرى أن العرب -وإن بُث بينهم الشقاق والفرقة- في اللحظات الحاسمة تعود حميتهم وقوتهم.

  1. توفيق برو، تاريخ العرب القديم (بيروت: دار الفكر، 2002).

 

  1. حسن الجاف، تاريخ إيران السياسي (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2008م).

 

  1. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ العرب في عصر الجاهلية (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، د.ت).

 

  1. رئيف خوري، مع العرب في التاريخ والأسطورة (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2019).