خلال الاختراق الفارسي

سعوا وراء حلمهم القومي بنهاية العرب وهدم الكعبة المشرفة

لم ينطفئ حلم الفرس المتطرفين منذ سقوط دولتهم الساسانية، وبقيت نار الحقد تتوالد في صدروهم جيلًا بعد آخر، ولم يكن من الممكن استئصال تلك النار التي استمدوها من عبادتهم للنار من نفوسهم، بل بقيت تشتعل حتى يومنا الحالي، وكلما وجدت متنفسًا او ارتخاءً من الدولة العربية أو الإسلامية المركزية خرجت؛ إما على شكل فتنة، أو اختراق لبِنية الدولة، وهو ما اتَّضح جليًّا من اختطاف للدولة العباسية، والصعود نحو القيادة، والاستيلاء على القرار والسلطة فيها.

يقول الكاتب خليل مردم في مؤلَّفه “ابن المقفع.. أئمة الأدب (الجزء الثاني)”، في روايته عن الاختراق الفارسي للدولة الإسلامية وتطرفهم لدرجة تخطيطهم لهدم الإسلام، قائلًا: “لقد كان مروان بن محمد أحد الخلفاء الأمويين الذين حذَّروا قومهم من الدعوة العباسية المستنصِرة بالعجم”؛ إذ كتب عنه كاتبه عبد الحميد بن يحيى رسالة للعرب، مليئة بالعِبَر والحكمة والبصيرة حريٌّ بنا أن نرجع إليها كلما نسينا خطر الفرس، حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد قائمين بالدولة العباسية، قال فيها: “فلا تُمكِّنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة العجمية، واثبُتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة ونَصحُو من هذه السَّكرة، فسينضب السيل، وتُمْحَى آية الليل، والله مع الصابرين، والعاقبة للمتقين”.

ولكن الأمر كان قد قُضِيَ، وضَعُفت دولة بني أمية وانتهت، وقامت دولة بني العباس، ولم ينسَ أبو جعفر المنصور صنيعة الفُرْس، فأقصى في بداية الأمر العرب عن أعمال الدولة، واستوزَرَ من الفُرْس واستعملهم، وجعل منهم القضاة، حتى إن وصايا انتشرت بعد سقوط الدولة الأموية، وبُنِيَت عليها سياسة الدعوة العباسية: “إن قَدَرت ألا تُبْقِي بخراسان مَنْ يتكلم بالعربية فافعل”.

على أن أبا جعفر كان أحزم من أن يدع غُلاة الفرس يُعِيدون الدولة الفارسية كسروية كما كانت قبل الفتح العربي، فمَكَرَ بهم ومكروا به حتى قتل أبا مسلم، راميًا من وراء ذلك أن يضع حدًّا لأحلامهم، وله من خطبة بالمدائن بعد قتل أبي مسلم: “إن مَنْ نازعنا عُروة هذا القميص أجزَزْناه خَبِيءَ هذا الغِمد، وإن أبا مسلم بايَعَنا، وبايَعَ الناس لنا على أن مَنْ نكث بنا فقد أباح دمه، ثُمَّ نكث بنا، فحكمنا عليه حُكمَه على غيره، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه”.

ولكن هذا الدواء لم يكن حاسمًا، فخرج في خراسان رجل مجوسي اسمه سنباذ، كان من أصحاب أبي مسلم وتابعيه، فأظهر غضبًا لقتل أبي مسلم، وأعلن أنه يريد أن يمضي إلى الحجاز ويهدم الكعبة، وتبعه كثيرٌ من المجوس والمزدكية والرافضة والمُشبِّهة، ولكن المنصور أبادهم أيضًا.
لم يكن التخلص من “الخراساني” سهلًا كما يعتقد الجميع، فقد كانت حركته انقلابية على الحكم العربي، معتقدًا أن العباسيين مجرد وسيلة، وعندما همَّ المنصور العباسي أن يكون خليفة فعلًا سخر منه أبو مسلم، وشقَّ عليه عصا الطاعة، وحاول أن يستقل بخراسان لولا أن المنصور استدرجه بحنكته ودهائه، وفرَّق عنه معظم أتباعه وأنصاره، ثم قتله عام 137هـ.

أثر مقتل أبي مسلم الخراساني

لم يمر مقتل الخراساني هكذا على الفرس، ففي عام 138هـ خرج سنباذ يطالب بدم أبي مسلم، وقد استطاع أن يجمع تحت لوائه جيشًا من الفرس تغلب بهم على قوس وأصبهان، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشًا هزمه بين همذان والري.
وفي عام 141هـ ظهرت جماعة أخرى من الخراسانيين من جماعة أبي مسلم في قرية راوندا قرب أصفهان، وعُرِفوا “بالراوندية”، وكانوا يقولون بتناسخ الأرواح، ونادوا، وأرادوا قتل المنصور ثأرًا لزعيمهم أبي مسلم، لكن المنصور قاومهم بنفسه، وانتصر عليهم، غير أنهم تمكَّنوا من قتل عثمان بن نهيك قاتل أبي مسلم.
وفي عام 161هـ ظهر رجل فارسي أُطلق عليه اسم المقنع، وادَّعى أن الله سبحانه وتعالى قد حلَّ بآدم عليه السلام، ثم في نوح، ثم في أبي مسلم الخراساني، ثم حلَّ فيه بعد أبي مسلم، واجتمع عليه خَلْقٌ كثير تغلَّب بهم على بلاد ما وراء النهر، واحتمى بقلعة «كش»، فأرسل إليه المهدي جيشًا بقيادة سعيد الجرشي، فحاصَرَه وهزمه، وقتل كثيرًا من أصحابه، فلما أحَسَّ بالهلكة شرب سمًّا وسقاه نساءه وأهله، فمات وماتوا جميعًا، ودخل المسلمون قلعته واحتزُّوا رأسه وأرسلوه إلى المهدي عام 163هـ.

سنباذ والمهدي ومزدك .. ثلاث خرافات في وجدان الفرس

لم يكن مقتل أبي مسلم الخرساني إلا جزءًا من مسيرة الفرس الطويلة مع الأساطير والخرافات، فها هم يجمعون أبا مسلم مع المهدي مع نبيهم القديم مزدك في قلعة واحدة مُدَّعِين أنهم لم يموتوا، وأنهم سيعودون يومًا لإقامة حكم الفرس والثأر من العرب.
خرج سنباذ متمرِّدًا بعد قتل أبي مسلم الخراساني وطلبًا لثأره؛ إذ كان أحد قواد جيش أبي مسلم الخراساني ومن المقرَّبين له، بدأت حركته المغالية في نيسابور في فارس، والتَفَّ حوله أتباعٌ كُثُر، وكان أخطر الشعارات التي رفعها هي نهاية الدولة العربية الإسلامية، وزعم أن أبا مسلم لم يُقتَل، لكنه لما هَمَّ المنصور بقتله دعا اسم ربه الأعلى عز وجل، فصار حمامة بيضاء، وطار من بين يديه، إنه الآن في حصن من نحاس والمهدي ومزدك معه، وسيظهرون ثلاثتهم يتقدمهم أبو مسلم ومزدك.

رفعوا شعارات من الخرافة والأساطير لتعزيز المكانة الفارسية في عقائدهم المُحرَّفة.

لقد كان استخدام المهدي استخدامًا سياسيًّا؛ للاستفادة من العوام والغوغاء، فقد التفَّ حول سنباذ من المؤمنين بالمهدي والخرمية الكثير منهم، حتى وصل عدد أتباعه إلى أكثر من مئة ألف شخص بين خَيَّال وراجِل، وكان كلما اختلى بالمجوس يقول لهم: لقد آذَنت دولة العرب بالأفول، هذا ما قرأته في أحد كتب الساسانيين، لن أعود إذا لم أدمر الكعبة التي اتخذوها بدل الشمس قِبلة لهم، أما نحن فسنجعل الشمس قِبلة لنا مثلما كانت الحال عليه قديمًا.
لقد كانت حركة فارسية عنصرية ضد الإسلام وضد مظاهره ورموزه، وهَدْمُ الكعبة كما خطَّط جزء من تلك النظرة، فضلًا عن الأسماء والألقاب التي اتخذها سنباذ بعد أن أعلن ثورته أي “فيروز إصبهبذ”، و”فيروز” من الأسماء التي سبق أن أُطلِقَت على العديد من الرجال البارزين في تاريخ الإمبراطورية الفارسية، أما إصبهبذ فهو اللقب الذي كان يُمنَح لحكام بعض المناطق في الإمبراطورية الفارسية، وانتحال سنباذ هذا الاسم يعني انسلاخه من التبعية للدولة العربية، وتَطلُّعَه إلى إحياء الدولة الفارسية القومية ضد القومية العربية.

اختراق الفرس للعباسيين لم يكن سياسيًّا فقط
لم يكن الانقلاب العباسي انقلابًا سياسيًّا فحسب، بل نجم عنه انقلاب في الحياة الاجتماعية والفكرية، فقد تمسَّك الفرس بعاداتهم وأعيادهم المجوسية كالنوروز والمهرجان والرام والسذق، واتخذ الخلفاء العرب ألبستهم كالقَلَنْسُوة والأثواب المزركشة بالذهب، وتُرْجِمت كتب اليونان والفُرْس، وظهرت آراء في الدين والفلسفة، ورَفَعَت الشعوبية عقيرتها، ونغض الزنادقة والملاحدة رُءوسهم، وقاموا بدعوات مصدرها دين زرادشت ومزدك.

  1. خليل مردم، ابن المقفع.. أئمة الأدب (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2019).
  2. عبد الله الغريب، وجاء دور المجوس.. أبعاد الثورة الإيرانية، صحيفة أخبار اليوم المصرية، على الرابط:

https://akhbaralyom.net/articles.php?id=55278

  1. محمد الخضري، محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية.. الدولة العباسية (بيروت: دار القلم، 1986).
  2. محمد شعبان، الدولة العباسية (بيروت: الأهلية، 1981).
  3. محمد عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق (القاهرة: مؤسسة المختار، 1991).