الزندقة

حركة فارسية هدامة

تعتبر الزندقة من أخطر الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي، نتيجة تأثيرها السلبي على بنية المجتمع الإسلامي، وأيضًا على وحدة الكيان السياسي لدولة الخلافة، ويرجع البعض أصل مصطلح “زندقة” إلى أنها تعريب لكلمة فارسية “زندو” تشير إلى كتاب الفرس المقدس الذي وضعه ماني.

ويكاد يُجمِع جُلُّ المؤرخين على أن حركة الزندقة وإن بدت من حيث الشكل حركة دينية وفكرية، إلا أن جوهرها قومي فارسي محض، وهي حركة عنصرية ضد العرب؛ إذ ناصَبَ الفرسُ الدولةَ الأموية العداء؛ نظرًا لطابعها العربي.

من هنا وقف الفرس وراء الدعوة العباسية، وكان لهم دور مهم في إسقاط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وظن الفرس أن الفرصة قد حانت لهم لإحياء مجد فارس القديم، إلا أن الخلفاء العباسيين الأوائل، لا سيما المنصور وهارون الرشيد، أدركوا ذلك مبكرًا، ووقفوا في وجه تَوغُّل النفوذ الفارسي في الدولة، وظهر ذلك جليًّا في مقتل أبي مسلم الخراساني، ثم في نكبة البرامكة.

هكذا أدرك بعض الفرس أن انتقال الخلافة من البيت الأموي إلى البيت العباسي لم يحقق آمالهم في استعادة مجد فارس القديم، فعمدوا إلى زعزعة استقرار المجتمع الإسلامي، من خلال الدعوة إلى العودة للديانات الفارسية القديمة، أو إلى فبركة مزيج جديد من تعاليم الإسلام والمعتقدات الفارسية القديمة، هذه الحركة التي عُرِفت في المصادر الإسلامية بالزندقة، وكان الحافز عليها -كما رأينا- حافزًا سياسيًّا وقوميًّا، أكثر منه دينيًّا أو حتى فكريًّا.

وارتبطت الزندقة بحركة الشعوبية بشدة، والأخيرة هي التعصب للعنصر الفارسي وكراهية العنصر العربي والثقافة العربية.

ويرى المؤرخون أن كل زنديق شعوبي؛ لأنه يعادي العنصر العربي، ولكن ليس كل شعوبي زنديقًا؛ إذ هناك فرس مالوا إلى الشعوبية ومعاداة العنصر العربي، لكنهم بقوا على إسلامهم، لكن الزنديق يعادي العربية والإسلام معًا.

وكما قلنا بدأت الزندقة كحركة دينية وقومية وسياسية تدعو إلى الترويج للعودة إلى سالف الزمن الفارسي القديم، لا سيما العقائد الفارسية الدينية، وأيضًا الثقافة الفارسية، وطالما استمرت الزندقة في هذا الطور، كحركة دينية مخالفة للإسلام وعقيدته، كان خطرها محدودًا إلى حدٍّ ما، لكن الأمر الخطير هو تحوُّل الزندقة من حركة دينية فكرية إلى حركة سياسية عسكرية، تهدف إلى ضعضعة المجتمع الإسلامي، وإسقاط الخلافة رويدًا رويدًا.

وتجلَّى هذا الطور العسكري بعد قضاء الخليفة المنصور على أبي مسلم الخراساني، وكان الأخير قد تغوَّل على سلطة الدولة، حتى بدَا للجميع أن الدولة العباسية كأنها دولة فارسية، وأحدث مقتل أبي مسلم الخراساني صدمة كبيرة لدى العديد من فِرَق الزنادقة، ومن هذه الفِرَق فرقة الراوندية الفارسية التي كانت تعتقد بتناسخ الأرواح، ووصل الأمر بهؤلاء إلى القول بأن روح الإله قد حلَّت بجسد أبي مسلم الخراساني، وأن الأخير هو “صاحب دولة بني العباس”، وأنه الأجدر بالخلافة من خلفاء بني العباس.

وظهرت العديد من فِرَق الزندقة الهدامة، لعل من أخطرها هذه الفرقة التي عُرفت بالبابكية، نسبةً إلى بابك الخرمي، والخرمية في الأصل هي عودة إلى عقائد الفرس القديمة، وكانت البابكية تدعو إلى إحداث نوع من الفوضى الاجتماعية عبر إحياء العقائد المجوسية، كما اشتملت على بعض التعاليم الإباحية، والشراكة في النساء من جراء المزدكية القديمة، من هنا نادت بمبدأ اللذة دون حساب، سواء في الأكل والشراب أو الاختلاط الجنسي، ورفض استبداد الحكومات.

وتشير المصادر التاريخية إلى ارتداد بابك عن الإسلام، وأنه أعلن نفسه إلهًا، ونادى في أتباعه بالطاعة، وأجاز بابك في حركته مبدأ السلب والنهب والقتل، وهو ما لم تعرفه المزدكية من قبل، وأعلن بابك الخرمي عصيانه، وجمع حوله الأتباع، لا سيما في المنطقة البعيدة عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، وشَكَّلَت حركة الزندقة على يد بابك الخرمي خطرًا كبيرًا على استقرار الدولة العباسية، ولم تُفلِح التجريدات العسكرية التي أرسلها الخليفة المنصور في القضاء على هذه الحركة، ومع وصول الخليفة المعتصم إلى الحكم أدرك مدى خطورة هذه الحركة، وجيَّش لها الجيوش، واستطاع في نهاية الأمر هزيمة بابك الخرمي، الذي تم إعدامه وصلبه في مدينة سامَرَّاء ليكون عبرة لأمثاله من الزنادقة.

وعلى الرغم من نجاح المعتصم في مواجهة هذه الحركة، إلا أن المصادر التاريخية تشير صراحةً إلى التأثير السلبي الذي تركته حركات الزندقة على تماسُك المجتمع الإسلامي، هذا فضلًا عن دورها السيئ في إضعاف الدولة العباسية، مما فتح الباب أمام عصر اللامركزية، وهو ما سيؤدي في نهاية الأمر إلى فقدان الخلافة الإسلامية كلَّ هيبتها، وأن يصبح الخليفة حبيس قصره في بغداد، وكان كل ذلك توطئة لسقوط بغداد والخلافة العباسية بعد ذلك على أيدي التتار.