المؤرخون قلبوا الحقائق وأجحفوا في حق القوى المحلية والشعبية

التراخي العثماني لمواجهة الأساطيل البرتغالية في البحر الأحمر

شهدت نهايات العصور الوسطى وبدايات العصور الحديثة تطوُّرات مهمة في أوروبا، من أهمها قيام دولتي إسبانيا والبرتغال وطردهما مسلمي الأندلس، كذلك بداية الحركة الصليبية الجديدة، من هنا بدأت البرتغال مرحلة ما يطلق عليه الكشوف الجغرافية، هذه الحركة التي كان أحد أهدافها الرئيسة الالتفاف حول أفريقيا، والوصول إلى المياه الشرقية الجنوبية من أجل السيطرة عليها، وحرمان القوى الإسلامية من عوائد التجارة الدولية.

هكذا بدأت صفحة جديدة في تاريخ الشرق العربي والإسلامي، من خلال توغُّل الاستعمار البرتغالي الصليبي ومحاولاته المستمرة في السيطرة على الطرق البحرية المهمة، خاصةً البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، وصاحَبَ ذلك تحوُّلات خطيرة في أوضاع القوى الإسلامية في المنطقة، فحتى دخول البرتغاليين إلى الشرق كانت دولة سلاطين المماليك في مصر وبلاد الشام والحجاز وبعض مناطق اليمن هي القوة الرئيسة التي تستطيع مواجهة الأساطيل البرتغالية التي عربدت في المنطقة.

لكن للأسف أدَّى دخول العثمانيين للشرق العربي إلى حالة من العداء غير المبرَّر ضد دولة سلاطين المماليك، ومن ثم سقوط دولة المماليك بعد موقعتي مرج دابق (1516)، والريدانية (1517م)، وبذلك حُرِم الشرق العربي الإسلامي من قوة كبرى كانت تستطيع على الأقل مواجهة البرتغاليين، ويؤكد على ذلك بعض المؤرخين: “فوجئ المماليك بالأسطول البرتغالي وقد فرض سيطرته على المياه الجنوبية الإسلامية، ثم بجيش السلطان سليم الأول يستعد لفرض حرب مصيرية على المماليك”.

وعلى الجانب الآخر أدى الصدام بين العثمانيين والدولة الصفوية في إيران إلى المزيد من الانقسام والضعف على الساحة الإسلامية؛ إذ فرض الصفويون المذهب الشيعي مذهبًا رسميًّا على إيران، لكن الأكثر خطورة هو التحالف الصفوي- البرتغالي للسيطرة على المياه الجنوبية الإسلامية عداوةً للعرب، والمحاولة في السيطرة على أراضيهم ونكايةً بالعثمانيين، هكذا وجد البرتغاليون الساحة مفتوحة أمامهم للسيطرة على البحار العربية الإسلامية.

ويتَّضح ذلك جليًّا منذ عام (1517م)، وهو عام غزو العثمانيين لمصر، وبالتالي تحكُّمهم في السواحل الشمالية للبحر الأحمر، لكن العثمانيين لم يُقدِّموا استجابة قوية تتناسب مع عِظم التحدي البرتغالي، ويؤكد البعض أنه منذ عام (1517م) وحتى عام (1541م) أرسل البرتغاليون عدد من الحملات العسكرية البحرية إلى البحر الأحمر، وحاولوا العربدة فيه، ومهاجمة الموانئ الإسلامية، وتهديد حركة الملاحة والتجارة فيه، دون مقاومةٍ تُذكَر من الجانب العثماني.

وأثار هذا الوضع الغريب انتباه الباحثين في محاولة تفسير سر هذا التراخي العثماني في مواجهة خطر الأسطول البرتغالي في البحر الأحمر، ويُرجِع البعض ذلك إلى: “أن البرتغاليين باستقرارهم في مصر-منذ عام 1517م- لم يشتبكوا مع البرتغاليين في موقعة فاصلة تحدد مصير تجارة المحيط الهندي والبحر الأحمر، وكان هذا راجعًا إلى انشغال العثمانيين بجبهات متعددة”.

ويلاحظ المؤرخ عبد العزيز نوار “أن سليم الأول لم يتخذ اجراءات كبيرة ضد البرتغاليين”. وحتى بعد وفاته ومجيء ابنه سليمان القانوني انشغل الأخير بالأحداث في أوروبا، وصراعه مع الإمبراطورية الرومانية، كما انشغل العثمانيون باستكمال احتلال العراق، ومواجهة الدولة الصفوية، وأيضًا بتأكيد حكمهم في مصر وقمع ثورات من تبقى من المماليك، وكان محصِّلة ذلك “ألا يتخذ السلطان سليمان القانوني إجراءات كبيرة ضد الوجود العدواني البرتغالي في المياه الإسلامية الجنوبية”.

وأدَّى ضعف العثمانيين وتهاونهم في الدفاع عن البحر الأحمر إلى عربدة البرتغاليين على طول سواحله، والأخطر من ذلك خطة التحالف البرتغالي- الحبشي لاحتلال ميناء جدة، وضرب مكة المكرمة بالمدافع، في محاولة لإشعال حرب صليبية جديدة، والحق أن العثمانيين لم يقدِّموا ردًّا مناسبًا إزاء هذه الخطة، على الأقل في النصف الأول من القرن السادس عشر.

وهناك العديد من الحوادث التاريخية التي تدعم ذلك، منها حملة لوبو سواريز على جدة، وإرسال شريف مكة يطلب الدعم من العثمانيين في القاهرة، لكن السلطات العثمانية تأخرت جدًّا في إرسال النجدات العسكرية، التي لم تصل إلا بعد فشل الحملة البرتغالية ورحيلها، كما استمر العجز العثماني عن حماية البحر الأحمر، وميناء جدة والحجاز بشكلٍ خاص، وتجلَّى ذلك فيما حدث في أواخر 1542م/ 948هـ، عندما خرَّب البرتغاليون موانئ البحر الأحمر، وهاجموا جدة، وهنا انتفض لهم أهالي جدة ومكة، واجتمعوا في جدة بجيشٍ كبير، ونُودي في نواحي مكة المكرمة: “مَن صَحِبَنا فله أجر الجهاد، وعلينا السلاح والنفقة”، هكذا وقفت القوى المحلية في وجه العدوان البرتغالي، بينما لم يُحرِّك العثمانيون ساكنًا.

المتعثمنون من المؤرخين في وضعٍ حرج لتبرير إهمال العثمانيين للمقدسات والبحر الأحمر، وتركه في مواجهة البرتغاليين بقواه المحلية.

ويوضح البعض ضعف إمكانيات الأسطول العثماني بالمقارنة بالأسطول البرتغالي، من حيث طبيعة بناء الأسطول البرتغالي، وقدراته التي اكتسبها من خلال عملياته فيما وراء البحار. يُضاف إلى ذلك عدم نجاح العثمانيين في استمالة القوى الإسلامية في البحر الأحمر واليمن إلى جانبها، خاصةً بعد ما رأوا من غدر الأسطول العثماني ببعض الحلفاء.

وإزاء عجز العثمانيين عن مواجهة البرتغاليين في البحر الأحمر لجأ العثمانيون إلى سياسة سلبية بعض الشيء، وهي سياسة إغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة الأوروبية، بما فيها التجارية، وضرورة نقل البضائع داخل البحر الأحمر عبر سفن إسلامية، وهي السياسة التي أطلق عليها بعض المتعاطفين مع الدولة العثمانية: سياسة تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إسلامية، لكن حتى هؤلاء يعترفون أن هذه السياسة أثرت بشدة على التجارة الدولية، وعلى مكتسبات المواني الإسلامية على البحر الأحمر من هذه التجارة، واضطرت الدولة العثمانية إلى التخلي عن هذه السياسة، لا سيما في أواخر القرن الثامن عشر، وبصفة عامة منذ القرن التاسع عشر، مع تحوُّل الدولة العثمانية إلى رجل أوروبا المريض، عجز العثمانيون عن مواجهة التحدي البرتغالي، الذي هدَّد بالفعل الحجاز، ورأينا كيف دافع أهالي الحجاز عن مقدساتهم أمام الخطر البرتغالي بأنفسهم، ومن دون مساعدة عثمانية كما يَدَّعي الكثيرون حمايتهم للمقدسات الإسلامية.

  1. شوقي الجمل، المغرب العربي الكبير من الفتح الإسلامي إلى الوقت الحاضر (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1977).

 

  1. غسان الرمال، صراع المسلمين مع البرتغاليين في البحر الأحمر خلال القرن السادس عشر، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، جامعة الملك عبد العزيز بجدة، (1981).

 

  1. عبد العزيز نوار، تاريخ الشعوب الإسلامية في العصر الحديث القاهرة، دار الفكر العربي، 1998).

 

  1. بديع جمعة، أحمد الخولي: تاريخ الصفويين وحضارتهم (القاهرة: د.ن، د.ت).

 

  1. مرفت عطاالله، “مصر والصراع العثماني البرتغالي في البحر الأحمر في القرن السادس عشر”، مجلة مصر الحديثة، العدد 6، القاهرة (2007).