صدف التاريخ صنعت عثمانا من ورق !!
من المدهش ان تراقب كيف يحاول المتأتركون الجدد ملء ثقوب تاريخ نشأة الدولة العثمانية، بدء من تأسيس قاعدة للأصول التي قدموا منها، ثم نسج العلاقة بينهم وبين السلاجقة، وأخيرا الأدوار التي لعبها الاب المؤسس ارطغرل، او الابن عثمان بن ارطغرل، والتي حملت الكثير من المبالغات التي لا تستقيم مع ظروف المكان ولا الزمان ولا حتى ظروف قبيلة وصلت للتو هاربة من حروب ومعارك إبادة في مناطقها الام بوسط اسيا.
يا له من تاريخ بلا مصادر، لا معاصرة – عربية او بيزنطية – ولا بعد ذلك، وكل ما تتم روايته هو سردية كتبها المنتصرون الاتراك بعد مئة عام، ويبدو ان ذلك المنتصر هو واحفاده او الملتحقين بثقافته فيما بعد، كانوا في حاجة فعلية لخلق ابطال اسطوريين يبررون بها نشأة دولة جاءت بمحض الصدفة التاريخية، فكانت الدراما التركية – هي العلاج الوهمي- الذي لجأوا اليه لصناعة اسطورة ارطغرل واسطورة عثمان.
ولعل الكثير لا يعرف ان بعض المؤرخين المعتبرين يشككون حتى في وجود الشخصيتين أنفسهما، وفي اسمائهما، وهل كانت عربية ام عربت لاحقا، لمحاولة الالتصاق بالثقافة العربية الإسلامية.
فهل استطاع عثمان ان يمتلك الاناضول كاملا كما يقول الهائمون في حب العثمانيين؟؟
صحيح ان العثمنة الجديدة قائمة على صناعة اساطير من العدم، وتحويلهم الى ايقونات لجمع الوجدان الشعبي حولها، لكن الحقيقة ان الدراما تبقى دراما، والتاريخ يبقى تاريخ، مهما كانت الصورة مبهرة والسيناريو جميل، فكلها تبقى انتصارات وبطولات وشخصيات وهمية على الشاشات فقط.
فحقائق التي لا يمكن ان تغيّب تقول إن البطولات والتوسع المنسوب الى عثمان بن ارطغرل غير منطقية بمقاييس تلك المرحلة، مع وجود قوتين كبيرتين بجانبه – البيزنطيون والسلاجقة –.
تلك البطولات المزعومة كانت في حاجة لمئة عام على الأقل لكي تسيطر القبيلة العثمانية على الأناضول وتصل الى حدود أرمينيا شرقا والقسطنطينية غربا، وليس كما يصورون ان القلاع والامارات تساقطت امامه الواحدة تلو الأخرى، بينما الحقيقة هو انه ضم إليه عام 688 قلعة قره حصار (القلعة السوداء) أو أفيون قره حصار – لصالح السلاجقة -، فسر الامير علاء الدين بهذا كثيراً. فمنحه لقب (بيك)، والأراضي التي يضمها إليه كافة، وسمح له بضرب العملة، وأن يذكر اسمه في خطبة الجمعة، لقد كان حاكما تابعا للسلاجقة، ولم يكن الى وقت طويل حاكما مستقلا، الى ان قتل علاء الدين، وفي عام 699 تعرضت إمارة علاء الدين للسقوط على يد المغول، وتمكنوا من قتله لاحقا، وهو الامر الذي أتاح لعثمان بن ارطغرل ان يحكم بعض الأراضي الحيطة دون قتال.
ولذلك فإن أقرب تحليل يمكن ان يطابق واقع واحداث تلك المرحلة الزمنية هو ان صدف التاريخ والجغرافيا لعبت دورا بطوليا في تأسيس الدولة العثمانية وليس الأشخاص أنفسهم، ولو صادف وجود أي قبيلة او عشيرة غير الايغور العثمانية وكانت في نفس اللحظة موجودة لحكمت الاناضول.
فالعباسيون اخر الخلافة الإسلامية في بغداد سقطوا قبل سنوات قريبة، وفراغ سياسي كبير يملأ الإقليم من خرسان شرقا الى مصر غربا، والبيزنطيون في الاناضول في أسوء حالاتهم وهم يدافعون عن اخر معاقلهم الشرقية امام السلاجقة قبل الانحياز تماما الى الغرب، والسلاجقة يعانون من صراعات مميتة لا تتوقف على الامارة والحكم، كما ان الامارتين انهكتا بعضهما البعض بكثرة الحروب والصراعات، وعندما حطت تلك القبيلة التركية رحالها في الاناضول وجدت امامها مجموعتان تتقاتلان، احدهما تتحدث لغة قريبة منها – السلاجقة – فانحازوا لمن يفهون لغتهم، ومن هنا تحول المهاجرون الجدد الى مجموعات قتالية بيد السلاجقة، اخرجوا بهم البيزنطيين من منافستهم للأبد، لكنهم لم يكونوا يعلمون انهم كانوا أيضا يصنعون السم الذي سيخرجهم هم أيضا من التاريخ للابد وعلى يدي من ساعدوهم واحتضنوهم.