أوقعا أهالي الجزائر في الفخ

الأخوان "بربروسا"... أتقنا غدر العرب على الطريقة العثمانية

في الوقت الذي خذل فيه العثمانيون مسلمي الأندلس، وتركوهم لمواجهة مصيرهم مقابل الإسبان والبرتغاليين ليكونوا لقمة سائغة؛ لم يكتف الترك بموقف الخذلان، بل وضعوا أعينهم على المغانم التي كان يسرح بها الإسبان بعد أن انتقلوا من الأندلس بتوجيه ضرباتهم على سواحل المغرب العربي شمالي أفريقيا، ومحاولة زرع حاميات على الأطراف.

ولكي يكسب الترك الجولة في اقتناص مغانم باحتلال بقعة جغرافية عربية جديدة؛ كانوا يعون أن العرب المسلمين على اضطرار بالاستنجاد بهم على اعتبار الدين المشترك، لولا أن الصورة الذهنية وقتها لم تكن قد نسيت ما أحدثه العثمانيون في مصر بعد أن أسقطوا المماليك في العقد الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، إذ لم يكن دخولهم القاهرة أقل جرمًا ولا استباحةً مما فعله أبناء عمومتهم المغول حين أسقطوا بغداد، إذ جاهروا بالمعاصي واستباحوا الأعراض والأموال، واستعبدوا الناس، ونهبوا المقدرات والخيرات.

الذين خذلوا الأندلس كانوا قادرين على ظلم المغرب العربي بكل جرمٍ وجبروتٍ وتجهيلٍ.

كان الجزائريون كالمستجير من رمضاء الإسبان بنار الترك العثمانيين، الذين دخلوا مياه البحر الأبيض المتوسط في هذه الفترة الحرجة من تاريخ العالم الإسلامي والمنطقة العربية على وجه الخصوص، إذ لم يكن دخولهم وابتداؤه كما يدعي بعض المؤرخين لنصرة الأندلسيين بقدر ما كان عملية نقل ومساهمة في تهجير العرب من الأندلس بالاتفاق مع الإسبان من الشواطئ الإيبيرية إلى الشواطئ العربية في شمالي أفريقيا.

الإسبان كانوا على دراية كبيرة من أن سقوط الأندلس بالنسبة للمسلمين وسكانها العرب لن يمر بمجرد الخضوع لمحاكم التفتيش والتهجير المنظم بمساعدة العثمانيين، الذين رموا العرب على الشواطئ بينما نقلوا يهود إسبانيا إلى حضن الدولة العثمانية الدافئ في إسطنبول.

لذلك أراد الإسبان أن ينقلوا أرض المعركة مع عرب الأندلس والمسلمين الداعمين لهم إلى المناطق العربية في المغرب العربي، لإشغالهم بالمحافظة على أرضهم بدلاً من المطالبة بعودتهم إلى الأندلس، خاصةً أن العرب الذين جاؤوا إلى المغرب العربي كانوا يؤمنون بعودتهم وتحرير أرضهم، لكن مع السيناريو الذي فرضه الإسبان أصبح الأندلسيون في وضعٍ آخر يحاول إبعاد الأرض الجديدة عن تكرار المآسي الإسبانية.

حدثت سيناريوهات في التاريخ صورت وجود العثمانيين في المغرب العربي على أنهم حماة الدين والأرض، بينما كان يحكي الواقع التاريخي جريمة منظمة بدأت مع وصول اثنين من القراصنة المنتمين إلى الثقافة التركية العثمانية. وبدأت تفاصيل السيناريو على إثر ما نشره الإسبان على طول الساحل الشمالي لإفريقيا ابتداءً من طرابلس الغرب إلى المغرب الأقصى من محطات عسكرية اتخذها الإسبان جيوبًا لهم، مما شكل تهديدًا للوجود العربي الإسلامي في شمالي أفريقيا، وهذا يفسر الاستراتيجية الإسبانية في حماية مكتسباتهم في إيبيريا بنقل جغرافية الصراع.

وفي ظل هذه الأجواء المضطربة في بلاد المغرب العربي بدأت قصة قراصنة الدولة العثمانية عروج ريس المعروف بـ (بابا عروج) وخضر ريس المعروف بـ (خير الدين بربروسا)، حيث كانت كلمة “رئيس” العربية تُطلَق على رُبَّانِيِّيِ السفن العثمانية، وتغير اللقب بعد ذلك في فترة متأخرة من القرن السابع عشر إلى لقب “قبطان”.

الأخوان عروج وخضر يعود أصلهما إلى اليونان وتحديدًا جزيرة مدللي، وأبوهما يعقوب كان قد أُخِذ سنة (1462) من عائلة جنوية تسكن الجزيرة أيام محمد الثاني. وكان لابنيه “بربروسا” نشاطهما البحري في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبصفة خاصة في العمليات التي تخدم العثمانيين ضد فرسان جزيرة رودس، ثم انتقل نشاطهما إلى غرب المتوسط؛ إذ أصبحت جزيرة جربة- بين طرابلس وتونس- منذ عام (1510) مركزًا لهما، ثم انتقل نشاطهما البحري بعد ذلك إلى ميناء حلق الوادي بتونس.

ومع ضيق أهالي الجزائر من الهجمات الإسبانية والجيوب والحاميات التي تتهددهم لجأوا إلى الأخوين بربروسا، ظنًا من الجزائريين أن العثمانيين وقراصنتهم سيكونون درعًا حاميًا لهم من الإسبان، لذلك سهلوا الأمر للأخوين بربروسا في الوصول إلى مدينة الجزائر، وحاول الإسبان إخراجهما من الجزائر عن طريق البحر لكنهم فشلوا في ذلك، وبقي عروج في الجزائر، وكان الإسبان يحاصرونه، وأصيب في مواجهات الحصار بإصابات بالغة مات على أثرها في عام (1518).

وبوفاة عروج تولى مكانه خضر ريس، الذي عُرِف بلقب بربروسا أي صاحب اللحية الصهباء، وأدرك أنه لا يستطيع مواجهة التحدي الإسباني في منطقة المغرب العربي بمفرده، فعمل على الاتصال بعاصمة العثمانيين إسطنبول، وأعلن عام (1520) أن الجزائر أصبحت محتلة عثمانية وغلف ذلك باسم ولاية عثمانية، فأرسل السلطان العثماني سليمان القانوني إلى بربروسا فرمان الإمارة وبعض السفن الحربية وألفين أو ثلاثة آلاف من العسكر، كما سمح بإرسال المتطوعين لبربروسا من الأناضول ومنح هؤلاء المتطوعين امتيازات الإنكشارية.

ولم تكن البحرية العثمانية بالقدر الذي تنافس فيه القوة البحرية الأوروبية، لا سيما بعد النجاحات الذي أحرزتها التحالفات الأوروبية شرق المتوسط، لذلك اتجهت أنظار العثمانيين إلى بربروسا ليكون الرجل المناسب لإنقاذ بحريتهم من الأخطار، لذلك عينه السلطان العثماني برتبة أمير الأمراء “بكلربك” وجعله مشرفًا على جميع الترسانات البحرية العثمانية.

وبالفعل، قام بربروسا بمحاولة جعل البحر المتوسط بحيرة عثمانية؛ إذ استولى على تونس في عام (1534)، لكن هذه الضربة أثارت القوى المحلية التونسية التي ضعفت مع قوة القراصنة في الدفاع عن أرضها حيث قام الإسبان باحتلال المدينة عام (1535)، لتستمر المعارك في حوض شرق البحر المتوسط بين كرٍّ وفّر لسنواتٍ طويلة.

لكن وعلى الرغم من أن الحرب كانت دائرة بين القوى المحلية والإسبان، ودخول قراصنة الترك على الطريق؛ إلا أن عروج وبربروسا لم يكونا ليُفَوِّتا فرصة في الوقت الذي تسنح لهما فيه حتى يكشروا عن أنياب العنصرية العثمانية، ويسوموا العرب سوء العذاب، ويضغطون عليهم باعتبار قوميتهم المتسلطة، ليُقْنِعُوا العرب أنهم درجة أدنى منهم.

  1. مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت).

 

  1. حسان كشرود، رواتب الجند وعامة الموظفين وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية بالجزائر العثمانية، رسالة ماجستير، جامعة منتوري (2007).

 

  1. وليد فكري، الجريمة العثمانية (القاهرة: الرواق للنشر والتوزيع، 2021).

 

  1. مذكرات خير الدين بربروسا، ترجمة: محمد دراج (الجزائر: شركة الأصالة، 2010).

 

  1. صالح عباد، الجزائر خلال الحكم التركي 1514-1830 (الجزائر: دار هومه، 2012).

 

  1. عبدالقادر الميلق، تأثير ثورات الموريسكيين الأندلسيين على العلاقات الجزائرية الإسبانية، رسالة ماجستير، جامعة غرداية (2012).

قتلا سلطان الجزائر وسلماها للاحتلال العثماني

الأخوان عروج وبربروسا... رفعا علم القراصنة غدرًا على خريطة المغرب العربي

كان لسقوط الأندلس (1492) وقعه على الساحل العربي لشمالي إفريقيا، وخاصة المدن القريبة من الشواطئ الإسبانية، وكانت بلدات الساحل الجزائري أكثر تأثُّرًا، فقبل السقوط بعدة أعوام أرسل الأندلسيون الوفود تلو الوفود للسلاطين العثمانيين في إسطنبول مستثيرين فيهم الحميَّة الإسلامية، لكن ذلك لم يُجْدِ نفعًا مع السلطانَيْنِ محمد الفاتح، وبايزيد الثاني، اللَّذين نظرا إلى الأمر نظرة عرقية ضد العرب الأندلسيين، ومصالح سياسية واقتصادية مع الأوروبيين، فالأندلس في نهاية الأمر منافس عربي للعثمانيين في أوروبا، ولا يريد الأتراك الصدام مع الأوربيين من أجلهم.

سقطت الأندلس وسقطت معها آخر معاقل العرب في أوروبا، وبدت المدن العربية في الشمال الإفريقي مكشوفة أمام الطامعين والغزاة الأوروبيين، وانفتح الباب واسعًا أمام اللصوص والقراصنة للمغامرة واقتناص الفرصة.

وبدلًا من أن تنصّب جهود العثمانيين لاستعادة الأندلس، ودعم أهلها الذين شردوا وهجّروا في الشمال الإفريقي، انتهزوا الفرصة لاحتلال الجزائر في عام (1516)، بعد سقوط الأندلس بأعوام قليلة فقط، وقد وجد الأتراك أبواب العالم العربي مُشرعة لهم بعد سقوط الأندلس وسقوط دولة المماليك في مصر، لتنقضَّ بكل جشعها وهيمنتها على الأراضي العربية احتلالًا واستعبادًا.

بل لم تكتف الدولة العثمانية بذلك، ففتحت أبوابها أمام يهود الأندلس وقامت بتوطينهم وإعطائهم ملاذات آمنة في تركيا أولًا ثم فلسطين لاحقًا، وتركت العرب لمصيرهم المحتوم.

رأى العثمانيون في استنجاد الجزائريين بهم فرصة لاحتلال المغرب العربي وممارسة سياستهم المحتقرة للعرب.

من ناحية أخرى، خلا الجو للأوروبيين تمامًا بعد سقوط الأندلس، ذلك السقوط الذي كان توافقًا إسبانيًّا عثمانيًّا للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، لكن ذلك لم يمنع الإسبان من التحرّش بالساحل الإفريقي العربي، وذلك دفع السكان المحليين للاستنجاد بالعثمانيين من جديد، حين نسوا كيف خذل حكامها جيرانهم الأندلسيين قبل أعوام قليلة فقط.

العثمانيون هذه المرة كانت لهم وجهة نظر أخرى، فقد وجدوا فيها فرصة سانحة لاحتلال الجزائر بدلًا من التصدي للإسبان، وبعد استعمارهم لمصر أصبحت الخطوط البرية مفتوحة أمامهم، لقد كان من المفترض أن يدعم العثمانيون الجزائريين للوقوف في وجه العدوان الإسباني، لكن “الذئب العثماني” دخل إلى الأرض الجزائرية ورفض الخروج منها إلا بعد أكثر من 300 عام، لقد وثق الجزائريون فيمن تسمى باسم الإسلام وسرق الخلافة وعندما وصل أراضيهم بكذبه استعمرهم وجعلهم طبقة ثانية في سلطنته العرقية.

استنجد سلطان الجزائر وقتها سالم التومي بالأخوين عروج وخير الدين بربروسا، إذ اشتُهر هذان البحاران بأنهما لِصَّا بحرٍ متمرسان، ولديهما أسطول صغير هدفه قطع الطريق على السفن التجارية في البحر الأبيض المتوسط ونهبها والاستيلاء على ما فيها من أسلحة وأموال ومؤن واستعباد بحارتها.

ويورد المؤرخ الجزائري مبارك هلال الميلي في كتابه تاريخ الجزائر، أنه عندما دخل القرصان عروج إلى الجزائر استقبله الشيخ سالم التومي وسكان المدينة استقبال الفاتحين، وسارع عروج بنصب عدد من المدافع تجاه جزيرة صغيرة يسيطر عليها الإسبان، وبعث إلى قائد الحامية الإسبانية يأمره بالاستسلام، لكن القائد الإسباني رفض، فأطلق عروج نيران مدفعيته على المعقل الإسباني، إلا أن ضعف مدفعيته لم تمكنه من تحقيق الانتصار المنتظر.

ويضيف الميلي بأن هيبة الأتراك سقطت في أعين سكان الجزائر، يضاف إلى ذلك أن سكان ميناء الجزائر بدأوا يضجرون من تصرفات الأتراك الذين كانوا يعاملون الجزائريين معاملة فظة، وبدأت تظهر بوادر التمرد، إلا أن القرصان عروج ذهب بنفسه إلى منزل السلطان سالم التومي وقتله بيده في الحمام حيث وجده، وخرج على جنده وأعلن نفسه سلطانا على الجزائر.

لم يحصل مثل ذلك في التاريخ إلا على أيدي العثمانيين، فهكذا يتحول القرصان إلى حاكم، يتسلل إلى بلاده بدعوى دعمه، ثم يخذله ويتسلط على شعبه ثم يغتاله ثم يعلن نفس حاكمًا بدلًا عنه بواسطة جنده ومرتزقته الذين جلبهم إلى هنالك.

وفي مدينة تلمسان كرر عروج باشا فعلته إذ قضى على حاكمها الجزائري الشرعي أبا زيّان، ثم التفت للسكان وفرض عليهم المكوس والرسوم والضرائب، في سياسة ممنهجة لتجريف بيوت الحكم والوظائف الإدارية واستبدالها بالعنصر التركي.

يقول الباحث الجزائري محمد بن مدور: “إن العثمانيين هدموا كثيرًا من المساجد والزوايا، هل يُعقل أن يهدموا مساجد وزوايا ويبنوا أخرى، ويسمُّوا مسجدًا بنوه باسم حيوان، فمسجد كتشاوة يعني المعزاة، ثم إنهم واجهوا ثورات رفضت حكمهم للبلاد؛ لأنهم أهانوا السكان وفرضوا عليهم الضرائب”.

كما تذكر بعض المصادرِ التاريخية أن اسمَ خيرِ الدينِ بربروسَا الأصليِّ هوَ “خسرف أو خسرو”، وهو اسم بيزنطي يوناني في أصله، ويؤكد أنه مجرد قرصان استخدمته الدولة العثمانية لتحقيق مصالحها، ولإهانة الجزائريين، ومكّنته من الاستيلاء عليها.

أيضًا تؤكد المصادر التاريخية أن القرصانين عروج وأخيه بربروسا ما إن وصلا الجزائر بعد الدعوة المشؤومة من أهلها لهما، حتى قام عروج بنصب مدافعه نحو الحصن الذي يتمركز فيه الإسبان، لكنه فشل، وهذا يؤكد أن مدافعه لم تكن مدافع للجيش بل مما يحمله القراصنة للسلب والنهب، ورغم أن قصفه استمر لأكثر من عشرين يومًا، إلا أنه كان ضعيفًا ولم يؤثر في الحصن ابدًا، ما أثار الشك عند الأهالي، فضلًا عن التعامل غير الأخلاقي من البحارة مع السكان المحليين، ذلك الأمر دفع الجزائريين إلى أن يطلبوا من الحاكم الفعلي سالم التومي، أن يطردهم ويُخرجهم من البلاد، بعدما تحولوا إلى نقمة.

ولما علم القرصان عروج بدعوة الأهالي وأحس بخطر ذلك عليه وعلى طموحاته في أن يتحوّل من قرصان إلى حاكم، قام بقتل سالم التومي بيديه، ليصبح عروج صاحب السلطة المطلقة في الجزائر فأعلن نفسه سلطانًا عليها، ورفع رايته فوق أسوارها وقلاعها وبادر بسك النقد الذي يحمل شعاره.

يقول الباحث المصري وليد فكري في بحث عن علاقة عروج وأخيه بربروسا: “لقد قرر خير الدين الانضواء تحت راية العثمانيين باعتبارهم السادة الجدد، فراسل سليم الأول سنة 1519م وضمّن رسالته توسلات لربط قضية الجزائر بالعثمانيين، وبلغت طلباته من القضاة والفقهاء والأعيان ومختلف الفئات للسلطان بأن يضع الجزائر تحت تصرفه حدًّا أن وصفوا أنفسهم أنهم “عبيد للدولة العثمانية” (وهي رسالة كتبوها بأمر من خير الدين وليس من تلقاء أنفسهم) وختم رسالته بأنه كان ليتوجه بنفسه إلى إستانبول ليمثل بين يديّ السلطان لولا توسُل الجزائريين له -خير الدين- أن يبقى بينهم ليحمي بلادهم.

لم يتردد سليم الأول في تلقف الفرصة، فمن حيث لا يدري وجد قطاعًا كبيرًا من موانئ المتوسط يفتح له ذراعيه بغير تكلفة، فأرسل لخير الدين تقليدًا على حكم الجزائر وفرمانًا بتلقيبه “بكلربك”- وهو أرفع لقب لوالي عثماني-وبعث له بألفيّ جندي إنكشاري يساعدونه.

كانت صفقة رابحة للطرفين إذًا، فخير الدين لم يعد قرصانًا أو محاربًا جوالًا بل صار واليًا وقائدًا عثمانيًّا، والعثمانيون ربحوا أرضًا بثمن لا يُذكَر، بل زادوا على ذلك فعيّنوا خير الدين قائدًا لأسطولهم لاستغلال مواهبه ومهاراته رغم أن الأهالي طالبوا العثمانيين بتركه مرابطًا في شمالي إفريقيا ولكن العثماني -كالعادة- قدّم مصلحته على مصلحة الولاية.

لقد كانت حياة الجزائريين قبل وصول العثمانيين مزيجًا من الحرية والتصدي للأخطار الإسبانية، لكنهم من بعد الاحتلال العثماني تحولوا إلى شعب مُحتل تحت وطأة تسلط الجند والموظفين الأتراك، وقد أدرك الجزائريون ذلك في وقتٍ مبكر، لكن كان الوقت قد فات، إذ استولى القراصنة الأتراك على مفاصل الدولة بحجة دعمهم والوقوف معهم ضد الإسبان.

وكعادة العثمانيين دومًا، فإن تتريك أي أرض يحتلونها هدفٌ دائمٌ، إذ ربط العثمانيون حياتهم بالحضارة الشرقية الأناضولية، ونقلوا معالمها إلى الجزائر، ورفضوا الاندماج مع العنصر العربي أينما أدركوه، وهو ما حصل في الجزائر أيضًا، وتجسد ذلك في نقل النظم الإدارية والعسكرية التركية ومعاملاتهم الاقتصادية والاجتماعية وفرضها على العناصر الأندلسـية والكرغليـة والحضرية والفئات الجزائرية بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية والمالية رغم الاختلاف اللغـوي.

وعرف العهد العثماني بالإيالة الجزائرية منذ القرن السابع عشر الميلادي إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر ميلادي بالركود الثقافي مقارنة مع ما شهدته النهضة العلمية والصناعية في أوروبا، وهذا ليس غريبًا فكل العالم العربي الذي وقع تحت الاستعمار التركي واجه تلك المحنة الحضارية، إذ تعمد العثمانيون تخليفهم وإبقاءهم منعزلين حضاريًّا وثقافيًّا حتى يسهل عليهم حكمهم.

  1. مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت).

 

  1. حسان كشرود، رواتب الجند وعامة الموظفين وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية بالجزائر العثمانية، رسالة ماجستير، جامعة منتوري (2007).

 

  1. وليد فكري، الجريمة العثمانية (القاهرة: الرواق للنشر والتوزيع، 2021).

 

  1. مذكرات خير الدين بربروسا، ترجمة: محمد دراج (الجزائر: شركة الأصالة، 2010).

 

  1. صالح عباد، الجزائر خلال الحكم التركي 1514-1830 (الجزائر: دار هومه، 2012).

 

  1. عبدالقادر الميلق، تأثير ثورات الموريسكيين الأندلسيين على العلاقات الجزائرية الإسبانية، رسالة ماجستير، جامعة غرداية (2012).
تشغيل الفيديو

سوَّغُوا استعمارهم من خلال مرتزقتهم

احتلال الأتراك العثمانيين للجزائر براغماتية حققها لهم القراصنة

يعدُّ دخول الأتراك إلى الجزائر، بمسماها الحالي، حدثًا يحتاج إلى الكثير من التفصيل التاريخي والتأصيل المنهجي، بالنظر  إلى سياسة التعتيم الممنهجة على هذه الفترة من تاريخ المنطقة، التي يحاول البعض شطبها من تاريخ شمال إفريقيا وكأن الأتراك كانوا طيورا مجردة مَرَّت من السماء لتترك ظِلًّا، ولا تترك أثرًا.

إن حقيقة الشواهد التاريخية والقرائن المادية، تقطع بأن دخول القراصنة الأتراك إلى الجزائر كان لأهداف ذاتية، ولم يكن مرتبطًا بخلفية سياسية أو توسعية، قبل أن يتضخم “أنا” الأخوَين بارباروسا وتكبر معهما أطماعهما، خاصة بعد النجاحات التي حققاها في مجال القرصنة البحرية، ليوجها تركيزهما نحو تأسيس دولة لهما في بلاد الغرب الإسلامي مستَغِلَّيْنِ في ذلك حاجة سكان المنطقة لنجدتهم من الاستعمار الإسباني الذي نكّل بالعباد وأسرف في استغلال خيرات البلاد.

وفي هذا السياق، جاء إخضاع مدينة الجزائر لسلطان العثمانيين ضمن سياقات خاصة لم يتدخل الباب العالي في تدبيرها أو توجيهها، وإنما -وكما هو حال العثمانيين- ركبوا على الأوضاع واستغلوا حاجة القراصنة عروج وخير الدين إلى الغطاء الشرعي والسياسي من أجل وضع اليد على الجزائر ولو في إطار لا مركزية ترابية تفرض الحد الأدنى من مظاهر السيادة العثمانية على هذا البلد المغاربي.

إن الرجوع إلى مذكرات خير الدين بارباروسا يقطع بأن اتصال العثمانيين بالقراصنة كان بعد دخول هؤلاء إلى مدينة الجزائر، ولم يكن أبدًا بتدبير وتوجيه من قبل السلطان سليمان القانوني، وهنا نجد خير الدين يؤكد على هذه النقطة فيقول: “في أثناء اتصالي بالسلطان سليمان خان بن سليم خان، ورد علي فرمان سلطاني، هذا نصه: “كيف خرجت أنت وأخوك عروج من جزيرة ميديلي وفتحتم الجزائر؟ وما الغزوات التي قمتم بها في البر والبحر حتى الآن؟ دوّن كل هذه الأحداث بدون زيادة أو نقصان في كتاب، وعندما تنتهي أرسل إلي نسخة لأحتفظ بها في خزانتي”.

كشفت مذكرات خير الدين بارباروس جهل سلاطين العثمانيين بما يحدث في الجزائر قبل احتلالها.

جوابا على هذا الأمر السلطاني الرسمي كتب خير الدين بارباروسا ما يلي: “كان أبي أنيقًا شجاعًا أنجبت له أمي أربعة إخوة هم: إسحاق الذي كان أكبر إخوتي ثم أخي عروج ثم أنا ثم إلياس، مد الله في عمر الجميع ورزقهم النصر”.

ولعل مراجعة شهادة القرصان خير الدين تقطع بأن العلاقة بين القراصنة الأتراك والسلاطين العثمانيين كانت علاقة سيد برعيته وحاكما بمحكوميه وقائدًا بجنوده، أُضيف إليها حمولة روحية يسردها خيرالدين بارباروسا بالقول: “إن من فاز  بدعاء السلطان تكون عاقبته خيرًا ومن دعا عليه السلطان فإنه يظل غارقا في بحر المصائب لا يخرج منها”.

إن رصد وتوثيق العلاقة بين الأخوين بارباروسا والدولة العثمانية هي عملية جد مهمة بالنظر إلى المسؤولية القانونية والأخلاقية والدينية التي تتحملها الدولة العثمانية جراء تصرفات هذين القرصانين، خاصة أن بعض الأحداث الدموية تمت قبل تنصيب خير الدين بارباروسا واليًا على الجزائر.

ومن خلال تبني مقاربة التوثيق المنهجي، يتبين بأن طموحات الأتراك في المنطقة لم تكن يومًا لهدف من أهداف الدين وإنما لدنيا يصيبونها وأراضٍ يخضعونها، لتلتقي غاية القراصنة في تأسيس دولة لهم، ولو تحت المظلة العثمانية، مع غاية العثمانيين في توسيع نفوذهم الذي أرادوا له أن يصل إلى المحيط الأطلسي، هذا المعطى يؤكد عليه خير الدين بالقول: “لقد بات أنه من اللازم علينا أن نؤسس لأنفسنا دولة جديدة في غربتنا هذه”.

على جانب آخر، فإن مطالعة الكتابات التي أرخت لنشاط القراصنة الأتراك تقطع بأن هؤلاء لم يقوموا بفتح شبر واحد في المنطقة التي يطلق عليها البعض “بلاد الحرب” رغم عمليات القرصنة التي قام بها عروج وخير الدين والتي كان الغرض منها الاستيلاء على السفن وبعض الغنائم والأسرى والعودة بهم إلى مقر القيادة في جيجل شرق الجزائر، ذلك أنهم لم يكونوا مهتمين بالدرجة الأولى بالحصول على أراضي الشواطئ المقابلة للبحر الأبيض المتوسط”.

ويمكن القول بأن سكان الجزائر تعاملوا بحسن نية مع الأخوين بارباروسا معتقدين أنهما أَخَوَيْهِم في الدين، على عكس المغاربة والتونسيين الذين تعاملوا بحذر مع أطماع الغزاة الأتراك في المنطقة.

انطلاقا مما سبق يبدو جليًّا أن احتلال الأتراك للجزائر كان لاعتبارات براغماتية مرتبطة بالقرصنة في غرب البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى رغبة الأخوين بارباروسا في تأسيس دولة لهم تحظى بمباركة الباب العالي، يُضاف إلى ذلك دافع شخصي مرتبط برغبة عروج بارباروسا في الانتقام من المسيحيين الذين سبق أن أسروه خلال بدايات نشاطه في القرصنة، ويقول الكاتب الأميركي وليام سبنسر في هذا السياق بأن عروج كانت تحدوه روح الانتقام الشخصي ضد المسيحيين فحملها معه إلى المياه الإسبانية والإيطالية.

  1. مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت).

 

  1. وليد فكري، الجريمة العثمانية (القاهرة: الرواق للنشر والتوزيع، 2021).

 

  1. مذكرات خير الدين بربروسا، ترجمة: محمد دراج (الجزائر: شركة الأصالة، 2010).

 

  1. صالح عباد، الجزائر خلال الحكم التركي 1514-1830 (الجزائر: دار هومه، 2012).

 

  1. عبدالقادر الميلق، تأثير ثورات الموريسكيين الأندلسيين على العلاقات الجزائرية الإسبانية، رسالة ماجستير، جامعة غرداية (2012).

 

  1. وليام سبنسر، الجزائر في عهد رياس البحر، ترجمة: عبدالقادر زبادية (الجزائر: دار القصبة للنشر، 2007).