
منصب سامٍ ينتهي غالبًا بالموت
الصدر الأعظم بين أهواء الحريم وسيف السلطان
لم يكن منصب الصدر الأعظم في السلطنة العثمانية منصبًا هامشيًا، بل منصبًا رفيعًا يتقدم على جميع السلطات ما عدا السلطان، حيث يرجع إليه الأمراء والوزراء والولاة وقادة الجيوش. ومع ذلك، كان منصبًا محفوفًا بالمخاطر، نظرًا لطبيعة العلاقة المعقدة بين الصدر الأعظم والسلطان، والحاشية، لا سيما محظيات السلطان، ما يؤدي غالبًا إلى الاحتكاك واختلاف وجهات النظر، وحينها يصبح الموت أقرب إلى الصدر الأعظم. إذ إن جارية واحدة قد تغيّر رأي السلطان فيه، فيقتله شر قتلة. بل قيل: إذا أردت أن ترى شخصًا ما مقتولًا، فتمنَّ أن يكون الوزير الأول في السلطنة العثمانية، إذ سرعان ما يناله غضب السلطان، لا بناءً على حجم الخطأ الإداري، بل بسبب أبسط الهفوات أو الوشايات.
قتل الوزراء:
بلا شك، فإن صراع القصور وثقافة الوشايات السائدة في الحكومات العثمانية، والصعود على جثث الآخرين، كانت من أهم سمات الحياة السرية داخل القصور السلطانية. فمراكز القوى العديدة والمتصارعة، من (محظيات، ومخصيين، وأمراء، وأميرات، وأمهات للسلاطين)، تتحكم في المشهد، ويصبح الوضع خطيرًا جدًا على الصدر الأعظم، الذي يُحسب عليه الانحياز لجناح من الأجنحة. فالاقتراب من السلطان، لا سيما من قبل الوزير الأول الذي يطّلع على الأسرار الخاصة والسرية، ويمتلك إمكانات ضخمة، يدفع السلطان للتخلص منه سريعًا.
وتُكشف مكانة الوزير الأول من خلال ما ورد في الفقرة الأولى من قانون الدولة “قانون نامه” الذي وضعه محمد خان الشهير بالفاتح، ونصها: “ليعلم أولًا أن الصدر الأعظم هو رئيس الوزراء والأمراء. إنه أعظمهم جميعًا، وصاحب الصلاحيات المطلقة في إدارة شؤون الدولة. أما القائم على أملاكي فهو الدفتردار. غير أن الصدر الأعظم هو رئيسه. وللصدر الأعظم في حركاته وسكناته، وفي قيامه وقعوده، حق التقدُّم على جميع موظفي الدولة”. كما ورد في القانون نفسه: “إنه لا يحق لأحد، ولا حتى لبقية الوزراء، أن يتدخل في تعامل الصدر الأعظم مع السلطان، ولا في القرارات السرية التي يتخذها”.
ومثله مثل السلطان، يتقبل الصدر الأعظم – بحسب نظام التشريفات العثماني – في أيام محددة من الأسبوع، ولاء موظفي البلاط والدولة، فيما لا يظهر وسط الجمهور إلا محاطًا بحاشية فخمة. وكان يُطلق على هذا المنصب باللغة التركية “صدر أعظم” أو “وزير أعظم”، وهي تعني أعلى منصب إداري في السلطنة بعد السلطان، ويُعد المنصب الأعلى في الدولة ويأخذ أوامره من السلطان مباشرة، وهو الحاكم الفعلي للسلطنة، وتعقد التصرفات الإدارية بأمره. وقد شغل منصب الصدر الأعظم في السلطنة العثمانية 293 صدرًا أعظم، بدءًا من العام 1320 وحتى عام 1924، عندما أُلغي النظام السلطاني في تركيا واستُبدل بالجمهوري، وتعاقب على المنصب الأقوى في الدولة العديد من السياسيين الأقوياء، أغلبهم من التركمان، والألبان، والبوسنيين، والجورجيين، والأباظيين.
وكان الموظف الذي يقع عليه الاختيار يتلقى خاتمًا من الذهب يحمل ختم السلطان ويحتفظ به لديه، ويُعد الصدر الأعظم رأس الديوان السلطاني، ويعقد الاجتماعات الشهرية، ويستقبل كبار الموظفين مرتين كل أسبوع. فإذا صدر الأمر بعزله، سلم خاتمه في حفل عام، ويذهب إلى منفاه إذا لم يُحكم عليه بالموت. وقد أصبح الصدر الأعظم بعد دستور 1908 مسؤولًا أمام البرلمان. وكان آخر صدر أعظم هو داماد فريد باشا (توفي في أبريل 1923). وقد أُلغي هذا اللقب عام 1922 مع لقبي السلطان وشيخ الإسلام.
الوشايات والهفوات:
يقول عبد العزيز محمد الشناوي في كتابه الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها: “على الرغم من المظاهر البراقة وذلك النفوذ العريض، فقد كان الصدر الأعظم تحت رحمة مؤامرات ودسائس الحريم السلطاني و”الخصيان” في القصور السلطانية… وحسبنا أن نذكر هنا إبراهيم باشا الذي وقع عليه اختيار السلطان سليمان المشرع ليشغل منصب الصدر الأعظم سنة 1524م، وكان يونانيًا، ونال حظوة عند السلطان حتى إنه زوّجه من أخته، لكن ذلك لم يُنجِه من الدسائس التي كِيدت له، خاصة من الحريم السلطاني، ورُوّج عنه أنه يطمع في عرش المجر، حتى وصل الأمر إلى أن اتُّهم بالطمع في عرش السلطنة اعتمادًا على مصاهرته للسلطان. وبالرغم من أن التهمتين لم يُقم عليهما دليل، إلا أنه اغتيل بأمر السلطان نفسه”.
ويُكمل الشناوي في كتابه قائلًا: “وكان هناك خطر داهم يتهدد حياة الصدر الأعظم إذا كان ينتمي إلى طبقة “القولار” – عبيد السلطان – فكانت حياته مرتبطة برضا السلطان عنه، فإذا غضب عليه لم يكن السلطان ليقنع بعزله من منصبه، بل كان في غالب الأحوال يقرن عزله بنهاية حياته“.
إعدام عشرين من الصدور العِظام:
إن مقتل عشرة بالمئة من عدد شاغلي منصب الصدر الأعظم في السلطنة العثمانية يؤكد أن السيف والخازوق أقرب عند السلاطين من العفو والحلم، خاصة وأن منصبًا بتلك المسؤوليات، وعلى امتداد السلطنة، كان لا بد أن يقع معه هفوات أو أخطاء إدارية. ومع ذلك، فإن السلاطين الذين قبلوا الوشايات وسمحوا بانتشارها، كانوا السبب الأول في قتل شاغلي أعلى منصب إداري في السلطنة العثمانية. وإذا كانوا يتعاملون هكذا مع أقرب الناس إليهم، وحفَظة أسرارهم، فكيف يتعاملون مع من هم دونهم؟! ويؤكد على عِظَم جرائم السلاطين في حق وزرائهم ما ذكره المؤرخ الأمريكي “ليبير”: إن حوالي المائتين تولوا منصب الصدر الأعظم في خمسة قرون، أعدم السلطان أكثر من عشرين صدرًا منهم.
ويُعد إبراهيم باشا واحدًا من أشهر من تقلدوا منصب الصدر الأعظم، فهو صديق طفولة السلطان سليمان القانوني، الذي أحبه ورقّاه في المناصب، وعهد إليه بمهام جسيمة. لكن إبراهيم باشا كان يخشى دائمًا من ثقافة الوشايات التي نهشت جسد الدولة العثمانية، وكان يترجّى السلطان ألا يمنحه مزايا أو مناصب إضافية، لكن سليمان القانوني حلف له وتعهد ألا يسمح للوشايات بأن توغر صدره على صديقه ووزيره الأول. لكن الحلفان في الليل قضت عليها وشايات الصباح، حين أمر السلطان سليمان القانوني بخنق وزيره وصديقه وتركه في غرفته، لم يكن ذلك لذنب ارتكبه، بل لأنه غار من انتصاراته العسكرية في شرق السلطنة، التي ذاع صيتها بين الجماهير، وظن أن الوزير سيشكل عليه خطرًا بعد عودته من المعارك. لقد علم إبراهيم باشا قبل أيام بمصيره، لكنه لم يهرب، وبقي على علاقته مع السلطان الذي غدر به، ولم تشفع له أعماله ولا إخلاصه.
كذلك شوكت باشا الذي تقلد قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى منصب “الصدر الأعظم”، لكنه عاش أسوأ أيامه إثر الصراع المرير بين أجنحة الحكم، وثارات المتحاربين داخل السلطنة. وخلال السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، عاشت الدولة العثمانية على وقع العديد من الاضطرابات.
ومع توليه مهام الصدر الأعظم، لم يتمكن شوكت باشا من تغيير أي شيء، لا في السلطنة ولا في الجبهات المشتعلة، في خضم حرب البلقان الأولى، التي جُرِّدت على إثرها الدولة العثمانية من جانب هام من ممتلكاتها في البلقان، ليقتصر نفوذها عقب معاهدة لندن سنة 1913 على المناطق المحيطة بالأستانة.
الوزير الأول في السلطنة العثمانية بين مجد السلطة ومصير الخيانة

وفي يوم 11 حزيران/يونيو 1913، تعرض شوكت باشا لعملية اغتيال أثناء تواجده داخل عربته بميدان بايزيد بالأستانة، حيث تلقى الصدر الأعظم وابلًا من الرصاص استقرت خمس منها في جسده. وحسب تقارير تلك الفترة، نُفذت عملية الاغتيال بتدبير من أحد أقرباء الوزير السابق ناظم باشا، الذي اغتيل بدوره يوم 23 يناير 1913 على يد أتباع حزب الاتحاد والترقي، في خضم تغييرات العام 1913.


- عبدالعزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980).
- محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).
- إبراهيم حليم بك، التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العلية (بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 1988).


بين الدسائس والظلم
كيف أدار العثمانيون دولتهم بالقتل والنفي والجنون المدبّر؟
في عهد السلطان العثماني مراد الثالث، برزت واحدة من أكثر المراحل دموية في الدولة العثمانية، حيث شكّل القتل والنفي وسيلتين أساسيتين لإدارة شؤون الحكم والتخلص من الخصوم. تميّزت تلك المرحلة بحملات عسكرية على بلاد العجم، جاءت بتوصية من الصدر الأعظم محمد باشا صقلي، مستغلًا ما تشهده بلاد فارس من اضطرابات داخلية بعد وفاة الشاه طهماسب سنة (1576). تولى الحكم بعده ابنه حيدر، لكنه قُتل خلال ساعات، ليُدفن مع والده، ثم تتابع على الحكم إسماعيل بن طهماسب، الذي قُتل مسمومًا، ثم خلفه محمد خدابنده، وسط انقسامات واسعة داخل الدولة الصفوية.
استغلت الدولة العثمانية هذه الفوضى، فوجهت جيوشها نحو إقليم الكرج، بقيادة لاله مصطفى باشا. وقد تمكّن هذا القائد من احتلال مدينة تفليس، عاصمة الكرج، بعد معارك عنيفة، وأخضع الكرج لحكم الدولة، وقُسّمت أراضيهم إلى أربع وحدات إدارية. وفي شتاء (1578)، عادت الجيوش إلى طرابزون بسبب قسوة الطقس، بينما بدأت هجمات الصفويين المضادة، خاصة على مدينة شيروان، غير أنهم فشلوا في استعادة تفليس رغم الحصار.
في هذا السياق المضطرب، اغتيل الصدر الأعظم محمد باشا صقلي، أحد أبرز أعمدة الحكم العثماني منذ عهد السلطان سليمان القانوني. وقد عُرف بدهائه السياسي، إذ أبرم معاهدات صلح مع دول أوروبية كبرى، وقاد إصلاحات واسعة في الأسطول البحري، ووجّه حملات ناجحة، كفتح جزيرة قبرص. إلا أن هذه الإنجازات لم تشفع له، إذ أُغتيل غدرًا بدسائس من الحاشية. مثّل مقتله ضربة قاسية للدولة، إذ تتابعت بعدها عزل الصدور العظام بوتيرة سريعة، بما يدل على حالة عدم الاستقرار السياسي.
كلما بزغ نجم قائد أو وزير تكالبت عليه المؤامرات حتى يُقتل.

وعُيّن بعده أحمد باشا، ثم عُزل في أغسطس (1580)، وخلفه سنان باشا، أحد أبرز القادة العسكريين، وتولى قيادة الحملة في الكرج بعد وفاة مصطفى باشا، الذي يُقال إنه انتحر مسمومًا لعدم تعيينه صدرًا أعظم. لكن سنان بدوره عُزل، ونُفي، ليحل مكانه سياوس باشا، المجري الأصل، في حين أُسنِدت قيادة الجيش إلى فرهاد باشا، لكن رفض الانكشارية الانصياع لأوامره حال دون تحقيق انتصارات تُذكر.
واصل عثمان باشا، حاكم شيروان، حملاته، ففتح بلاد طاغستان على شواطئ بحر قزوين، وحقق انتصارًا ساحقًا على الفرس في مايو (1583). ثم توجّه شمالًا نحو بلاد القرم لمعاقبة خانها، محمد كراي، لامتناعه عن إرسال المدد للجيش العثماني. ورغم مقاومة القوزاق، وتورط الجيش العثماني في معارك شاقة عبر القوقاز، فقد ساهمت خيانة شقيق الخان، إسلام كراي، في حسم المعركة لصالح العثمانيين. وبعد مقتله، عاد عثمان باشا إلى الآستانة واستُقبل بالتكريم، ثم عُيِّن صدرًا أعظم بعد عزل سياوس باشا.
من جهة أخرى، لعب “جناح الحريم” في القصر العثماني دورًا بالغ الخطورة في توجيه مسار الدولة، لا سيما في القرن السادس عشر. فظهور سطوة الحريم بدأ مع السلطانة حفصة، والدة السلطان سليمان القانوني، التي كانت أول من حمل لقب “السلطانة الوالدة”. وبعدها بزغ نجم السلطانة خُرَّم، زوجة سليمان، التي يُعتقد أنها كانت خلف مؤامرات كبرى أفضت إلى إعدام ولي العهد مصطفى، ثم إعدام إبراهيم باشا، الصدر الأعظم وزوج شقيقة السلطان.
لكن النموذج الأوضح لسطوة الحريم تجسد في السلطانة نوربانو، زوجة السلطان سليم الثاني، والتي فرضت هيمنتها الكاملة بسبب ضعف زوجها وإدمانه الخمر، ثم بسطت نفوذها على ولدها السلطان مراد الثالث، الذي عُرف بضعف شخصيته. ولاحقًا، ظهرت السلطانة كوسم، زوجة السلطان أحمد الأول، وأم السلطانين مراد الرابع وإبراهيم الأول، التي كانت المحرّك الفعلي للسلطة خلال عهد ابنها، وساهمت في عزله لاحقًا بعد تحريض الانكشارية عليه.
ولم تكن المؤامرات دائمًا بالسيف، بل اتخذت أحيانًا طابعًا نفسيًا أو سياسيًا، كما حدث مع السلطان مراد الخامس، الذي خُلع بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه العرش عام (1876)، بحجة إصابته بالجنون. إلا أن سيرة حياته اللاحقة، التي قضاها بهدوء في قصر جراغان حتى وفاته عام (1904)، تنفي هذا الزعم. كان مراد الخامس مثقفًا متأثرًا بالثقافة الفرنسية، ومحبًّا للفن والإصلاح، لكن مؤامرات القصر، بقيادة مدحت باشا، أدت إلى عزله وتنصيب شقيقه عبدالحميد الثاني مكانه.
اللافت أن عبدالحميد الثاني، الذي اعتلى العرش باسم الحكم الدستوري، قام لاحقًا بعزل ونفي مدحت باشا نفسه سنة (1877)، بحجة فشل التجربة البرلمانية واستغلاله لمعارضة المحافظين. وهكذا، كانت نهايات الساسة العثمانيين، من صدور عظام وسلاطين وحتى إصلاحيين، تدور في فلك النفي أو القتل، أو “الجنون المدبّر”.


- أحمد خاكي، الجبرتي ومحمد علي، بحث ضمن ندوة الجبرتي (القاهرة، 1976).
- احمد عبدالرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني (القاهرة: دار الشروق، 1982).
- أحمد عزت عبدالكريم، دراسات في تاريخ العرب الحديث (بيروت: دار النهضة العربية، 1970).
- حسين لبيب، تاريخ الأتراك العثمانيين (القاهرة: د.ن، 1917).