من النفط إلى السلطان:
كيف تحوّل العراق إلى خزينة شخصية؟
لم يكن اكتشاف النفط في الأراضي العربية خلال العصر العثماني مكسبًا استراتيجيًا للأقاليم التابعة للدولة، ولا عنصر قوةٍ يوظَّف لصالحها، بل تحوّل إلى عبءٍ جديد، تسيطر عليه الشركات الأجنبية، وتُوجَّه منافعه إلى المركز، وتحديدًا إلى جيب السلطان عبد الحميد الثاني، الذي رأى في نفط العراق فرصةً أخيرة للخروج من مأزقه المالي ومأزق دولته المفلسة.
سكة برلين–بغداد: الطريق إلى نفط العراق.
فبدل أن تتعامل الدولة مع النفط بوصفه ثروة عامة، جرى التعامل معه باعتباره ملكية شخصية. دعا عبد الحميد مهندسين مختصين في شؤون النفط، معظمهم من الألمان، قدموا تحت غطاء التنقيب الأثري، بينما كانت مهمتهم الفعلية البحث عن الثروات الكامنة في باطن الأرض. ولم يتردد السلطان في تمويل عمليات التنقيب من أمواله الخاصة، ليس بدافع التنمية، بل تمهيدًا لوضع اليد على الحقول النفطية لاحقًا، إذ كان ينظر إليها بوصفها جزءًا من أملاكه الخاصة.
لم تكن علاقة عبدالحميد الثاني بالعراق حالة استثنائية، بل نموذجًا لطريقة إدارته لكل إقليم خضع لسلطته. وعند الحديث عن العراق العثماني، لا يمكن تجاهل الدور الألماني، الذي ارتبط بتحالفٍ متين مع السلطان في سنواته الأخيرة، وسط تنافس دولي محموم بين ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وروسيا. رأت ألمانيا في العراق مخزونًا استراتيجيًا قادرًا على تعزيز نفوذها في الشرق، ورأى السلطان فيها شريكًا أقل خطرًا من خصومها التقليديين.
يُشار إلى أن ألمانيا، بعد تقاسم النفوذ الأوروبي في أراضي الدولة العثمانية إثر مؤتمر برلين عام (1878)، شعرت بأنها لم تحصل على نصيبها من “الرجل المريض”، فاتجهت بأنظارها إلى العراق، وبدأت بإرسال بعثات عسكرية وفنية تحت ذرائع التدريب والتحديث. ولم يعارض عبدالحميد الثاني هذا التوجه، بل فضّله، وفتح له الأبواب، ووقّع اتفاقيات مع شركات ألمانية، أبرزها مشروع سكة حديد برلين–بغداد، الذي بدأ تنفيذه فعليًا عام (1910).
لم يكن الخلاف بين السلطان والدول الاستعمارية حول حماية ثروات العرب، بل حول الجهة التي تُمنح حق الوصول إليها. ولذلك اختار عبدالحميد التحالف مع من يراه “أقل ضررًا”، وسهّل للألمان اختراق العراق اقتصاديًا، بالتوازي مع استيلائه الشخصي على الأراضي الواقعة على طول مسار السكة الحديدية، تمهيدًا لبيعها لاحقًا للشركات الفائزة بالعطاءات.
وفي عام (1901)، كلف السلطان عبدالحميد الثاني كلًّا من بول غروسكوف وحبيب نجيب أفندي بالكشف المباشر عن حقول النفط العراقية، رغم أن عمليات التنقيب كانت قد بدأت منذ عام (1885)، حين قدّم المهندس العثماني عارف بك تقريرًا أوليًا عن مواقع النفط المتوقعة في بغداد والموصل، وأرفقه بخريطة مفصلة، أشار فيها أيضًا إلى الكبريت والأملاح والأصباغ، مؤكدًا غزارة النفط وجودته. هذا التقرير كان كافيًا لدفع السلطان إلى اتخاذ قراره الحاسم: ضمّ امتيازات التنقيب والتشغيل في الموصل إلى حسابه الشخصي.
لم يكن الاستيلاء المباشر وحده ما أثقل كاهل العراق والولايات العربية الأخرى، بل سياسة التفريط المنهجي في الأرض وما تحتها. فقد منحت السلطنة امتياز سكة حديد بغداد للألمان لمدة 99 عامًا بشروط مجحفة، شملت تقديم مساحات شاسعة من الأراضي مجانًا، ومنح الشركة الألمانية حق استغلال الموارد الطبيعية على طول الخط، والتنازل عن الموانئ إن أنشأتها، والسماح بالتنقيب عن الآثار، في إطار صفقة واحدة جمعت الاقتصاد، والسيادة، والتاريخ، في يد طرف أجنبي.
النفط الذي أسال لعاب الجميع لم يُدار بوصفه ثروة دولة، بل أُودِع في جيب السلطان. وكلما جرى التنقيب في تاريخ حكم عبدالحميد، تهاوت محاولات تبييض صورته، وبرزت ملامح فشل إداري عميق، بعيد عن سردية “السلطان المظلوم” التي روّج لها العثمانيون الجدد.
كان عبدالحميد يدرك تمامًا سباق الإنجليز والألمان على نفط العراق، لكنه لم يمنعهم، ولم يردعهم، بل انتقى من يتعاون معه. سمح بإرسال بعثات أثرية يعلم أنها تبحث عن النفط، وأرسل معها جواسيسه لمراقبة النوايا، لا لمنع النهب، بل لضمان أن يكون هو المستفيد الأول. وحين تأكد من وصولهم إلى الحقول، سارع إلى تسجيلها باسمه.
ويؤكد عمار علي السمر أن النفط كُشف في العراق أواخر القرن التاسع عشر، وأن المهندسين الألمان كانوا أول من نقّب عنه، منذ بعثة عام (1871) التي أكدت غزارته وجودته. وإدراكًا لأهمية هذه الثروة، وضع السلطان عبد الحميد عام (1888) جميع الإيرادات الناجمة عن الثروات المعدنية والامتيازات النفطية في ولايتي الموصل وبغداد تحت تصرف “الخاصة السنية”، أي ضمن ملكيته الخاصة.
لقد كان التفريط في الثروات العربية سمة راسخة في الإدارة العثمانية لتلك الأقاليم: مصادرة مباشرة، أو امتيازات طويلة الأمد تُمنح للقوى الأوروبية مقابل مكاسب سياسية واقتصادية قصيرة المدى، من دون أي اعتبار لإعادة توظيف هذه الثروات داخل الأراضي العربية أو لصالح سكانها. فبقيت تلك المناطق مجرد خزائن مفتوحة، تُستنزف مواردها، بينما تُترك شعوبها في العزلة والتجهيل.
- عمَّار السَّمر، شمال العراق 1958 – 1975: دراسة سياسيّة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012).
- مجموعة مؤلفين، العرب: من مرج دابق إلى سايكس – بيكو (1916-1516) – تحولات بُنى السلطة والمجتمع (بيروت: المركز العربية للأبحاث ودراسة السياسات، 2019).
السلطان عبدالحميد الثاني والعراق:
إدارة الأقليات، الأرض، والسلطة
لم تكن سياسة السلطان عبد الحميد الثاني تجاه الأقليات سياسةً مبدئية بقدر ما كانت إدارة أمنية براغماتية، تتغيّر أدواتها بحسب الظرف والمصلحة. فقد شكّل فرقًا عسكرية من الأكراد عُرفت بـ«أفواج الخيالة الحميدية»، بزعم حماية المسلمين العزل في الأناضول. ولم يكن اختيار الاسم اعتباطيًا؛ فالتسمية باسمه لم تكن تكريمًا، بل تأكيدًا على التبعية المباشرة للسلطان، وربطًا للولاء بالسُلطة لا بالدولة.
العراق العثماني بين الإصلاح والاستغلال.
ويرى بعض المؤرخين أن هذه السياسة أسهمت في الحفاظ على الوجود الكردي والمسلم في الأناضول، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت هذه السياسة حمائية، فكيف تَشكَّل لاحقًا الحصار التركي–الكردي، وما جذوره الممتدة عبر العصور؟ وهل كانت الخيالة الحميدية حمايةً فعلية، أم توظيفًا مرحليًا للأكراد ضمن توازنات القوة؟.
في المقابل، شهدت المرحلة نفسها توترًا حادًا مع الأرمن، الذين اتُّهم بعض تنظيماتهم بإشاعة الفوضى وارتكاب أعمال عنف بحق القرويين، فضلًا عن اضطرابات إسطنبول في عامي 1892 و1896. وقد واجهت الدولة العثمانية تلك الأحداث بالقوة، فيما تركت الدول الأوروبية الأرمن يواجهون السلطنة وحدهم، مستخدمة قضيتهم ورقة ضغط سياسية. وفي محاولة لكسب ود أوروبا، خطط بعض الأرمن لاغتيال السلطان عام (1905) فيما عُرف بـ«حادثة القنبلة»، لكنها فشلت، وقُتل فيها عدد من الجنود والأمراء.
المفارقة اللافتة أن السلطان عفا عن أحد المتورطين، البلجيكي «جوريس»، بل استخدمه لاحقًا في جمع المعلومات من أوروبا، كما سبق له أن عفا عن مدحت باشا. هذه الوقائع تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف كان السلطان يأمن على نفسه، ثم يحوّل خصومه أو المتآمرين عليه إلى أدوات تخدم مصالحه؟ وهل كان العفو أخلاقيًا أم أمنيًا نفعيًا؟.
لم تكن أحداث الأكراد والأرمن وقائع معزولة، بل جزءًا من نمط أوسع في سلوك السلطان، يقوم على استثمار توترات الأقليات لتبرير سياسات الدولة لاحقًا، بما في ذلك القمع والمذابح التي نُفذت بدمٍ بارد تحت غطاء “حفظ النظام”.
أما العراق، فكان ساحةً أخرى لهذا النمط من الإدارة. فعلى الرغم من أن الدستور العثماني كفل نظريًا حقوق الملل والنحل كافة، إلا أن الواقع كشف عن استغلالٍ منهجي للتنوع العرقي والطائفي عند الحاجة. وفي هذا السياق، برزت النخبة العسكرية العراقية في الجيش العثماني، التي شكّلت لاحقًا العمود الفقري للدولة العراقية الحديثة بعد عام (1921). شخصيات مثل نوري السعيد، وياسين الهاشمي، وطه الهاشمي، تدرّجت في المناصب العسكرية العثمانية، وشاركت في معارك البلقان والقرم وغيرها، ما يجعل التساؤل مشروعًا حول أدوارهم في زمن السلطان عبدالحميد الثاني، وعلاقة العراق بالإدارة المركزية آنذاك.
تولى عبدالحميد الحكم عام (1876)، وكان والي بغداد حينها عبد الرحمن باشا، الذي نُقل بعد عام إلى ديار بكر، وخلفه عاكف باشا، ثم قدري باشا عام (1878)، الذي لم يمكث سوى ثمانية أشهر قبل تعيينه وزيرًا للداخلية. هذا التبدل السريع في الولاة لم يكن تفصيلًا إداريًا، بل سياسة أضرّت بالاستقرار والأمن النفسي للسكان.
عاد عبد الرحمن باشا واليًا لبغداد، وفي عهده ضربت مجاعة كبرى البلاد، عُرفت بـ«سنة البرسيمة»، حين وفدت أعداد كبيرة من الأكراد إلى بغداد هربًا من الجوع. ورغم الكارثة، عُزل الوالي عام (1880) لأسباب سياسية بعد فشله في احتواء ثورة آل السعدون في الجنوب. تتابعت بعدها الولايات: تقي الدين باشا، ثم مصطفى عاصم باشا، ثم سري باشا، الذي عُدّ عهده من أسوأ العهود بسبب تفشي الرشوة والمحسوبية، واضطهاد البابيين ونفي زعيمهم من بغداد عام (1891).
توالى الولاة بعد ذلك، حتى شهدت بغداد في عام (1907) فيضانًا هائلًا سُمّي «عام الفيضان»، ثم جاء إعلان الدستور عام (1908)، ليُحدث تحولات اجتماعية وسياسية واسعة داخل المدينة.
في موازاة ذلك، استثمر السلطان عبدالحميد نظام «الإلجاء»، الذي توسع بعد صدور قانون الطابو عام (1859). يقوم هذا النظام على تسجيل الفلاح أرضه باسم باشا أو متنفذ مقابل الحماية، ما أدى إلى اتساع الإقطاع وتهجير الفلاحين. غير أن السلطان أعاد توظيف النظام بطريقة أكثر تعقيدًا، ففتح مراكز «الجفتلك» وسجّل الفلاحون أراضيهم باسمه مقابل خُمس المحصول، وهو أقل من الضرائب المفروضة سابقًا.
بهذا الأسلوب، التف السلطان على تحكم الدائنين الأوروبيين بإيرادات الدولة، وحوّل جزءًا كبيرًا من الموارد إلى خزائنه الخاصة، التي أصبحت لاحقًا داعمًا رئيسًا لميزانية الدولة. ووفق مذكراته، كان يدرك أن الضرائب المفروضة أنهكت الفلاحين، وأن تحميلهم المزيد سيؤدي إلى انهيار الزراعة.
نتيجة لهذه السياسة، بلغت ملكية السلطان قرابة خمسين مليون دونم، أكثر من 20% منها في العراق. وأسهم ذلك في انتعاش الزراعة في بعض المناطق، لكنه في الوقت ذاته خلق تركيزًا هائلًا للملكية بيد شخص واحد. وبعد إعادة العمل بالدستور عام (1908)، أجبر الاتحاديون السلطان على التنازل عن هذه الأراضي، وبدأت محاولات بيعها أو تأجيرها، ما أثار غضب الفلاحين.
وبرغم الادعاءات اللاحقة، لم تُسجّل وقائع تُثبت أن السلطان استولى قسرًا على أراضي رعيته أو هجّرهم منها خلال فترة ملكيته، غير أن هذه الملكية الضخمة فتحت شهية الحركة الصهيونية لاحقًا، التي نجحت بعد سقوط الدولة العثمانية، وبمساندة الانتداب البريطاني، في السيطرة على مساحات واسعة من تلك الأراضي بوسائل مباشرة وغير مباشرة.
- عبد الله العلياوي، كوردستان في عهد الدولة العثمانية من سنة 1851 إلى سنة 1914، إيران في تاريخ الجمهورية اليمنية (د. ن، 2005).
- السلطان عبدالحميد: مذكراتي السياسية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1977).
- علي حسون، تاريخ الدولة العثمانية (دمشق: المكتب الإسلامي، 1982).
- محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، ط2 (بيروت: دار النفائس، 1983).
- سليمان البستاني، عبرة وذكرى: الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده (القاهرة: مطبعة الأخبار، 1908).

