الامتيازات الألمانية في الدولة العثمانية:

من التعاون العسكري إلى التغلغل السياسي

لم تكن الامتيازات التي مُنحت للدول الأوروبية في الدولة العثمانية مجرد تسهيلات تجارية عابرة، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى تنازلات سيادية أضعفت خزينة الدولة وفتحت أبوابها للتدخل الخارجي. فبعد أن بدأت هذه الامتيازات بوصفها أدوات لتنشيط التجارة وجذب الخبرات، انتهت إلى ثغرات سياسية واقتصادية استغلتها القوى الأوروبية لبثّ الفتن بين مكوّنات المجتمع العثماني، وتشجيع النزعات الانفصالية، وإعادة تشكيل ولاءات الأقليات بعيدًا عن مركز الدولة. 

القيصر والسلطان: لعبة النفوذ في المشرق العثماني.

وفي هذا السياق برزت ألمانيا قوةً صاعدةً تسعى إلى موطئ قدم في الشرق، فحصلت على امتيازات واسعة داخل الدولة العثمانية، شملت تدريب وتجهيز الجيش العثماني، والإشراف على مشاريع السكك الحديدية وفي مقدمتها سكة حديد برلين بغداد إلى جانب حق حماية البروتستانت، وإقامة مشاريع اقتصادية وعسكرية متنوعة. ولم يكن ذلك منفصلًا عن طموح ألمانيا إلى تحويل الدولة العثمانية إلى سوقٍ واسعٍ لمنتجاتها الصناعية، ومصدرٍ للمواد الخام التي تحتاجها نهضتها. 

كانت العلاقة بين الطرفين تتجاوز ظاهر التحالف إلى شبكة من المصالح المتبادلة والإدارات المشتركة للنفوذ. وقد بدت بغداد، بما تمثّله من عمق جغرافي واستراتيجي، ساحة مفتوحة للحضور الألماني. والسؤال الجوهري هنا: كيف تداخلت المصالح الألمانية مع المشروع الصهيوني في تلك المرحلة؟. ضمن اتصالاته المتعددة، سعى ثيودور هرتزل إلى استمالة ألمانيا، فكانت له صلات بدوق ألماني، واجتماعات مع السفير الألماني في النمسا، ولقاءات مع وزير الخارجية الألماني، في محاولة للوصول إلى القيصر. وقد عرض هرتزل على ألمانيا دورًا ثقافيًا وسياسيًا في تسهيل دخول اليهود إلى الشرق، واعدًا بأن تكون لهم السيطرة على الأراضي الزراعية في فلسطين تمهيدًا للهجرة المنظمة إليها. وفي لقائه مع القيصر فيلهلم الثاني، أعرب هرتزل عن احترام عميق، وتحدث عن نجاح الحركة الصهيونية في إثارة الشعور القومي، وسعيها لإنشاء وطن قومي على أرض زراعية مزدهرة بالاستثمارات. أما رد القيصر فكان حذرًا؛ إذ أبدى اهتمامًا مشروطًا، معلنًا أنه سيضع الأمر في اعتباره، لكنه يريد ضمان رفاهية ومصلحة الدولة العثمانية. وهنا تتكثف الأسئلة: ما طبيعة هذه العلاقة؟ وأين تقف حدود المصالح؟. 

أكد القيصر أنه لا يريد التدخل في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية، وهو تصريح يثير الدهشة في ظل حجم الامتيازات الألمانية داخلها. وخلال زيارته لفلسطين عام (1898)، شدّد على أن الحكومة الألمانية تسعى إلى تحقيق الرفاهية في الدولة التركية ضمن الاحترام الكامل لسلطة السلطان. غير أن هذا الخطاب المفعم بالمجاملة يفتح أبواب التساؤل: هل كانت مصلحة المسلمين حقًا أولوية ألمانية، في زمنٍ كانت فيه القوى الأوروبية تقتسم بلدانهم؟ أم أن لغة التفخيم والتأكيد على أداة سياسية لتهدئة المخاوف، وضمان استمرار التغلغل الاقتصادي؟ وكيف يُربط بين مصلحة الدولة التركية ككيان قومي، وبين قوميات المسلمين المتعددة داخل الإمبراطورية؟ وهل من حق الأتراك وفق هذا المنطق أن يحكموا غير الأتراك باسم الخلافة؟. 

ثم يأتي تصريح القيصر بقوله أن الفكرة الجوهرية للصهيونية كانت تستهويني دومًا وتثير عطفي، مقرونًا بقوله إن اليهود الناطقين بالألمانية قد يقدمون خدمات جليلة. هنا يتضح أن ألمانيا كانت تحاول كسب ودّ اليهود دون التفريط بعلاقتها بالسلطان، محافظةً على توازن دقيق يضمن لها النفوذ الاقتصادي في الأناضول وسائر الولايات. 

ويشير وايد ديفيد إلى أن الدولة الوحيدة التي سعى السلطان عبدالحميد إلى مصادقتها بإخلاص ومثابرة كانت ألمانيا، وأن زيارة القيصر عام (1898) مثّلت ذروة انحراف السياسة العثمانية عن اتجاهها التقليدي نحو بريطانيا. كما يوضح أن السلطان لم يكن يخشى التغلغل الألماني في الأناضول، باعتبارها قلب الإمبراطورية وأقل ولاياتها تعرضًا للتيارات الغربية. 

تعززت العلاقات الألمانيةالعثمانية منذ عام (1876) برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى سفارة، وبرزت داخل ألمانيا ثلاث رؤى تجاه مصير الدولة العثمانية: إذا تعززت القوة العثمانية، فإنها ستقف في وجه الأطماع الأوروبية، وهو ما يضمن التوسع الاقتصادي الألماني في الأناضول والأقطار العربية، كذلك المصير النهائي للدولة العثمانية هو أن تصبح محمية ألمانية، إضافةً إلى أن إنقاذ ألمانيا لن يتحقق إلا بتحرير البحار من الهيمنة البريطانية، وأن السيطرة على الدولة العثمانية خطوة مرتبطة بهذا الهدف الأكبر. 

غير أن السلطان لم يدرك أو لم يُرد أن يدرك أن دخول ألمانيا ساحة التنافس لم يكن بدافع الوفاء، بل بدافع المزاحمة الاستعمارية. فالمساعدة الألمانية للدولة العثمانية في حربها مع اليونان عام (1897) لم تكن عملًا خيريًا، بل استثمارًا سياسيًا رأت فيه ألمانيا انتصارًا لها بقدر ما هو انتصار للعثمانيين. 

وقد تكشفت أبعاد هذه السياسات حين تورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، فكان الثمن انهيارًا اقتصاديًا وسياسيًا أفقدها قدرتها على الوقوف مجددًا كقوة فاعلة. وهكذا بدت الامتيازات الألمانية جزءًا من مسارٍ طويلٍ من التغلغل المنظم، الذي استثمر التحالف واللغة الدينية والقومية لتحقيق أهداف استراتيجية، دون الاصطدام المباشر بالقوى الأوروبية الأخرى، وبأقل الخسائر الممكنة. 

إن قراءة هذه المرحلة تكشف أن التحالفات لم تكن بريئة، وأن الخطاب الودّي لم يكن إلا غطاءً لمعادلات قوة أعقد، وأن الامتيازات حين تتجاوز حدودها تتحول من أدوات تعاون إلى مداخل نفوذٍ يغيّر موازين التاريخ.

  1. أحمد نزري النعيمي، الدولة العثمانية واليهود (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2006).  
  2. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1798 1939م، ترجمة: كريم عزقول، ط3 (بيروت: دار النهار للنشر، 1977). 
  3. صبري جريس، تاريخ الصهيونية (بيروت: مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1977). 
  4. ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية (بيروت: دار العلم للملايين، 1965). 

لا هو العادل ولا هو المظلوم:

قراءة في سياسات عبدالحميد

لم يكن السلطان عبدالحميد الثاني كما تصوّره السرديات الإسلاموية الجديدة: لا هو السلطان العادل الذي حمى ديار المسلمين، ولا هو الضحية المظلومة التي أُسقطت لأنها تمسكت بفلسطين. بل كان حاكمًا مرتبكًا في لحظة تاريخية حرجة، أخفق في إدارة التحديات الكبرى، وتخبط بين خطابٍ شعبوي يُطمئن به الداخل، ومفاوضاتٍ سرية يُساوم فيها على الجغرافيا. ففي عهده سقطت معظم الأراضي العربية تباعًا من الاحتلال التركي إلى الاحتلال الغربي، وتحوّلت الإمبراطورية التي رفعت شعار الخلافة إلى جسدٍ مثقلٍ بالديون، مخترقٍ سياسيًا واقتصاديًا. أما فلسطين التي يُراد لنا أن نصدق أنه رفض بيعها رفضًا قاطعًا فقد شهدت في عهده الانطلاقة الفعلية للاستعمار الصهيوني المنظم. 

فلسطين في ميزان المساومات العثمانية.

يُعتبر العام (1882) البداية الفعلية للاستعمار الصهيوني على أرض فلسطين، عبر مشروع استيطاني قائم على امتلاك الأراضي، وإنشاء المستعمرات، وإحياء اللغة والثقافة العبريتين. ويُشار هنا إلى مرحلتين واضحتين: مرحلة الاستيطان غير المنظم حتى عام (1900)، ثم مرحلة الاستيطان المنظم بعد هذا التاريخ. واللافت أن هذه المراحل الكثيفة من التغلغل والاستيطان وقعت جميعها في ظل حكم عبدالحميد الثاني، وتحت السيادة العثمانية المباشرة على فلسطين. 

لقد حاول السلطان اللعب على جميع الحبال، في العلن، قدّم نفسه حاميًا للأراضي الإسلامية، وفي الخفاء فاوض زعيم الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل، ليس من موقع رفضٍ مبدئي، بل من موقع مقايضة سياسية. فالعراق في حساباته لم تكن إلا ورقة تفاوضية بديلة عن فلسطين، لا لأن المبدأ مرفوض، بل لأن المكاسب المرجوّة لم تكتمل بعد. عرض في البداية تمكين اليهود من العراق، خوفًا من ردّ فعل أوروبي على بيع فلسطين، خاصة في ظل الحساسية المسيحية تجاه الأرض المقدسة. لم يكن يخشى الرأي العام الإسلامي بقدر ما كان يخشى الجيوش الأوروبية. أما الداخل العربي والإسلامي، فقد كان يُدار بالدعاية والقمع. 

تكشف الوثائق المنشورة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية جانبًا من تلك المفاوضات، عبر الحوار المنقول بين هرتزل وصديق السلطان الصحافي النمساوي نيولنسكي، حيث جرى الحديث عن ترتيبات خاصة بالقدس، وإخراجها من حدود الدولة لتصبح كيانًا للجميع، في صيغة تُفرغ السيادة من معناها. كما ورد عرض مالي ضخم يقضي بدفع عشرين مليون ليرة تركية لإصلاح الأوضاع المالية العثمانية، مقابل ترتيبات تتعلق بفلسطين، وتحرير الدولة من بعثة الحماية الأوروبية، مع تقديم امتيازات لحملة الأسهم الأوروبيين. 

لم يكن الأمر إذًا صراعًا مبدئيًا على الأرض، بل مفاوضات معقدة على إدارة الأرض وشروط التنازل. واستمر السلطان في تهيئة البيئة القانونية والسياسية للاستيطان، عبر تعديل القوانين، ومنح الجنسية العثمانية لليهود، وتسهيل انتقالهم، وحمايتهم إداريًا، مع اشتراط ضمان موافقة القوى الأوروبية لتفادي الاصطدام الدولي. 

وخلال ذلك أقيمت أكثر من مئة مستوطنة في عهد عبدالحميد الثاني، مع إنشاء مدارس ومصانع وبنوك وجمعيات استيطانية كانت تعمل في إطار من الحماية العثمانية. لم يكن الاستيطان تسللًا خفيًا خارج إرادة الدولة، بل عملية جرت داخل بنيتها الإدارية. وفي الوقت نفسه، كان السلطان يفاوض الألمان على امتيازات اقتصادية وعسكرية واسعة، وفي مقدمتها مشاريع السكك الحديدية والتغلغل في الأناضول والعراق. وكان النفط العراقي الذي بدأ يلفت أنظار القوى الكبرى جزءًا من معادلة التحالف مع ألمانيا، في مواجهة الإنجليز والفرنسيين. وهكذا تحولت العراق إلى ورقة مزدوجة: تفاوض مع اليهود من جهة، وتنسيق نفوذ مع الألمان من جهة أخرى. 

يوصف عبدالحميد بأنه سلطان مصلحي، قدّم بقاء عرشه على ثوابت الأرض. لم يكن متمسكًا بفلسطين رفضًا مطلقًا، بل سعى إلى أعلى عائد سياسي ومالي ممكن. وحين تعذّر إبرام الصفقة بالشروط التي يريدها، استمر في المناورة، بينما كانت الأرض تُعاد صياغتها ديموغرافيًا واقتصاديًا. 

إن السردية الرومانسية التي صاغتها الدراما العثمانية الجديدة لا تهدف إلى قراءة التاريخ بقدر ما تهدف إلى إعادة إحياء صورة الخلافة في الوجدان العربي. فعبدالحميد بوصفه آخر السلاطين الأقوياء قبل الانهيار تحوّل إلى رمز تعبوي، تُنسج حوله القصص، وتُخفى عنه الوقائع، ليبقى الحنين إلى العثمنة حيًا. لكن التاريخ لا يُدار بالحنين. وفلسطين لم تضع فجأة بعده، بل بدأت مسارات ضياعها المنظمة في عهده. والعراق لم يكن يومًا عرضًا أخلاقيًا، بل ورقة سياسية. والخلافة لم تكن حصنًا مانعًا، بل سلطة تفاوضت على الجغرافيا تحت ضغط البقاء. 

عبدالحميد الثاني لم يكن السلطان العادل كما يُصوَّر، ولا المظلوم كما يُرثى، بل سلطان مرحلة أخفق في إدارتها، فدفع المشرق ثمن ارتباكه حتى اليوم. 

  1. فدوى نصيرات، دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876-1909 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014).
  2. عبدالحميد العلوجي، الهجرة الصهيونية إلى فلسطين (بغداد: مديرية التأليف والترجمة والنشر، 1968). 
  3. مروان أبو شمالة، الاستراتيجية الصهيونية تجاه مدينة القدس 1897-1948 (رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية بغزة، 2012). 
تشغيل الفيديو