العثمانية الجديدة:
استدعاء الماضي لصناعة النفوذ
عاد الحديث عن العثمانيين ودولتهم بقوة إلى الخطاب السياسي المؤدلج، خصوصًا في تركي التي تريد أن تستعيد الماضي مرةً أخرى، ويسعى هذا الخطاب إلى تكريس فكرة أن الأتراك اليوم هم أحفاد العثمانيين، ولم يكن ذلك استدعاءً عاطفيًا للتاريخ، بل يحمل دلالة سياسية واضحة؛ إذ يحيل إلى نحو أربعة قرون من الاحتلال العثماني لبعض البلاد العربية، حين خضعت للسلطنة بوصفها ولايات ورعايا داخل نظام إمبراطوري، لا بوصفها أطرافًا متكافئة أو شريكة في الحكم. وصار يتردد على مسامعنا من بعض الساسة الترك تصريحات مثل القول: “نحن أصحاب إرث باقٍ من العثمانيين. يقولون عنا إننا عثمانيون جدد؛ نعم، نحن عثمانيون جدد، ويتحتم علينا الاهتمام بالدول التي في منطقتنا، حتى إننا ننفتح على شمال إفريقيا”. والمعنى لهذا القول ظل حاضرًا؛ تركيا الجديدة لا تريد الانفصال عن المجال الذي خضع يومًا للدولة العثمانية، بل تسعى إلى استعادة دورها فيه تحت عناوين التاريخ والثقافة والدين والمصالح المشتركة.
المشكلة ليست في اهتمام تركيا بتاريخها، ولا في اعتزاز شعب بتاريخ دولته، وإنما في تحويل ذلك التاريخ إلى مصدر استحقاق سياسي، وكأن احتلال العثمانيين لشعوب المنطقة يمنح الدولة التركية المعاصرة حقًا خاصًا في التدخل في قضاياها أو توجيه سياساتها. فالتاريخ لا يمنح أحفاد الإمبراطوريات حقًا دائمًا في البلاد التي أخضعها أسلافهم.
أقام العثمانيون إمبراطورية مترامية الأطراف، شبيهة بالإمبراطوريات الكبرى التي عرفها التاريخ، كالإمبراطوريات الهلنستية والرومانية والفارسية. وامتدت دولتهم من البلقان وأجزاء من وسط أوروبا إلى غرب آسيا وشمال إفريقيا، واحتلت غالبية البلاد العربية الآسيوية وأجزاء واسعة من البلاد العربية الإفريقية. غير أن الكتابة التاريخية العربية اعتادت وصف هذا التوسع باسم الفتوحات العثمانية، وهو وصف ليس محايدًا؛ لأنه يمنح العمل العسكري شرعية دينية وأخلاقية قبل دراسة طبيعته ونتائجه. وفي المقابل، تستخدم مصادر أوروبية وعربية نقدية مصطلحات مثل الغزو أو الاحتلال أو الإخضاع الإمبراطوري.
وهنا ينبغي التوقف عند الفرق بين دخول جيش إلى بلد بهدف نشر الدين، وبين توسع دولة تسعى إلى السيطرة على الأرض والسكان والموارد وطرق التجارة. فالدولة العثمانية لم تكن جمعية دعوية، بل كانت إمبراطورية توسعية تعمل وفق منطق القوة والمصلحة، وتستخدم الدين، كما استخدمته دول كثيرة قبلها وبعدها، لتثبيت شرعيتها وتبرير حروبها. حتى سقوط القسطنطينية سنة (1453) جرى تقديمه في كثير من الروايات بوصفه بطولة خارقة ارتبطت بشخص السلطان محمد الثاني (الفاتح) وحده. والحقيقة أن سقوط المدينة كان نتيجة عوامل متراكمة، منها الضعف الذي أصاب الدولة البيزنطية، وتراجع عدد سكان المدينة وقوتها الدفاعية، إلى جانب التفوق العسكري العثماني واستخدام المدافع والحصار المنظم. وتم تحويل الحدث إلى معجزة فردية لا يخدم البحث التاريخي بقدر ما يخدم صناعة البطولة القومية.
الإرث العثماني بين التمجيد والحقائق المغيّبة.
أما تراجع العثمانيين عن أراضيهم الأوروبية، فلم يكن تنازلًا طوعيًا أو إعادة كريمة للأراضي، بل جاء نتيجة الهزائم العسكرية، والثورات القومية، والتدخلات الأوروبية، وتفكك قدرة الدولة على الاحتفاظ بممتلكاتها. وظل جزء كبير من البلاد العربية مرتبطًا بها، فعليًا أو اسميًا، حتى الحرب العالمية الأولى، مع خروج أقاليم عربية متعددة من سلطتها قبل ذلك.
في مراحلها المتأخرة، أصبحت الدولة العثمانية نموذجًا للحكم المركزي المستبد، القائم على القهر والجباية والامتيازات والفساد الإداري. وانتشرت الرشوة، وبيع المناصب، ونظام الالتزام، وتحولت الوظائف في كثير من الأحيان إلى وسائل للثراء على حساب السكان. كما اعتمد النظام الاقتصادي والاجتماعي على الإقطاع العسكري والجباية الثقيلة، مما أتاح لفئات محدودة من الحكام والولاة والملتزمين نهب البلاد وإفقار سكانها. وانتشرت الأمية والفقر والأوبئة، بينما عانت القوميات والطوائف الخاضعة للدولة من التمييز والقمع، ولا سيما عندما بدأت تطالب بحقوقها السياسية والقومية. ولم تستطع الإصلاحات التي أُعلنت في خط شريف كلخانة سنة (1839) والخط الهمايوني سنة (1856) إنقاذ الدولة من أزماتها. فقد كانت مؤسسات الفساد والجمود أقوى من محاولات الإصلاح، كما ظلت التجارب الدستورية محدودة ومتعثرة، وخاضعة لإرادة السلطان وموازين القوى الداخلية والخارجية. ولهذا أطلق الأوروبيون على الدولة العثمانية وصف الرجل المريض، قبل أن تنهار في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وأُلغيت السلطنة سنة (1922)، وغادر السلطان محمد السادس البلاد، ثم أُعلنت الجمهورية التركية سنة (1923)، وأُلغيت الخلافة سنة (1924)، ونُفي آخر السلاطين، عبدالمجيد الثاني.
تبنى مصطفى كمال أتاتورك بعد ذلك سياسة تقوم على القطيعة مع الماضي العثماني، وسعى إلى توجيه تركيا نحو أوروبا، وإبعادها عن محيطها العربي والإسلامي. ولم تقتصر هذه القطيعة على النظام السياسي، بل شملت اللغة والملابس والتعليم والقوانين ومظاهر الحياة الاجتماعية، فتحولت الحداثة في التجربة الكمالية إلى محاولة شاملة لإعادة صياغة هوية المجتمع. اليوم يرى أنصار ما يسمى بالعثمانية الجديدة أن القطيعة الكمالية أضرت بتركيا، وحرمتها من مجالها التاريخي والثقافي في الشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى. وهم يرفضون النظر إلى الماضي العثماني باعتباره عارًا يجب التخلص منه، ويؤكدون أن العلاقات التاريخية والدينية والثقافية بين تركيا والشعوب المحيطة بها لا يمكن محوها بقرار سياسي. ويقدم المدافعون عن هذا الاتجاه العثمانية الجديدة بوصفها انفتاحًا ثقافيًا واقتصاديًا، لا مشروعًا لإعادة الإمبراطورية. كما يقولون إن تركيا الحديثة تتبنى الانتخابات والديمقراطية وتداول السلطة، وإن علاقاتها بالدول المجاورة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على الإخضاع العسكري المباشر.
لكن هذه الصورة لا تمنع ظهور ملامح أخرى أكثر إثارة للقلق، خصوصًا حين يتحول الحديث عن الإرث المشترك إلى خطاب يمنح تركيا حقًا في التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو حين تُستعمل الروابط الدينية والتاريخية لبناء نفوذ سياسي غير متكافئ. وهنا يصبح الفارق بين استعادة العلاقات واستعادة الهيمنة فارقًا دقيقًا، وقد تختلط لغة التعاون بلغة الوصاية. فالعثمانية الجديدة لا تحتاج إلى احتلال عسكري مباشر حتى تكون امتدادًا لنزعة إمبراطورية؛ إذ يمكن أن تتحقق السيطرة الحديثة من خلال الاقتصاد والإعلام والأحزاب والتحالفات والتدخل السياسي والعسكري غير المباشر. وما أشبه الليلة بالبارحة حين يُستدعى التاريخ لتبرير الحاضر، ويُقدم النفوذ في صورة مسؤولية أخلاقية تجاه الشعوب التي حكمها العثمانيون سابقًا.
المفارقة أن هذا الاعتزاز السياسي بالتاريخ العثماني لا يقابله وضوح مماثل في تاريخ نشأة الدولة نفسها. فالروايات المتعلقة بأصل العثمانيين، وهجرة جماعتهم إلى الأناضول، ونسب أرطغرل، واسم أبيه، وصلتهم بالسلاجقة، وبداية إمارة عثمان واستقلالها، كلها روايات متأخرة ومتناقضة. وتحاول الكتابة القومية التركية إقامة سلسلة اتصال متماسكة تبدأ بالقبائل التركية في آسيا الوسطى، ثم تمر بالسلاجقة، وتنتهي بعثمان بوصفه الوريث الشرعي لهم. لكن هذا البناء يخدم إثبات استمرارية العرق التركي في الحكم أكثر مما يقدم تاريخًا قائمًا على وثائق معاصرة. ولقد ظهرت إمارة عثمان بعد تفكك السلطة السلجوقية، وسط عدد كبير من الإمارات التركمانية المتنافسة. ولم تكن منذ بدايتها دولة مكتملة المشروع أو صاحبة حق طبيعي في وراثة الأناضول. إلا أن نجاحها اللاحق دفع المؤرخين إلى إعادة كتابة بداياتها وكأن قيام الإمبراطورية كان نتيجة حتمية ومخططًا معروفًا منذ البداية. ويظهر هذا الاتجاه كذلك في بعض الكتابات العربية التي تتبنى الرواية العثمانية البطولية، وتكرر مصطلحات الفتح والخلافة ونصرة الإسلام، دون أن تخضع طبيعة الحكم العثماني وآثاره على البلاد العربية للمراجعة النقدية. ومن أمثلة ذلك كتابات علي الصلابي، التي تميل إلى إبراز عوامل الصعود والبطولات أكثر من مساءلة ما تركه الحكم العثماني في المجتمعات التي خضعت له، ومنها بلاده نفسها.
إن القضية ليست في إدانة التاريخ العثماني كله، ولا في إنكار ما شهده من منجزات سياسية وعسكرية وثقافية، بل في رفض تحويله إلى تاريخ مقدس لا يجوز نقده. فلا بد من الفصل بين التبادل الثقافي والسيطرة الإمبراطورية، وبين الدين وتوظيفه السياسي، وبين العلاقات التاريخية والحق المزعوم في التدخل والوصاية. الدولة التي لا تزال بداياتها موضع خلاف، ولا تملك رواية تأسيسية صلبة تستند إلى وثائق معاصرة، لا يجوز أن يتحول تاريخها المتنازع عليه إلى أداة تمنح السياسيين المعاصرين حقوقًا فوق حدودهم. فالتاريخ يُدرس لفهم الماضي، لا لاستعادة سلطة الماضي على الحاضر.
- إلبير أورطايلي، العثمانيون في ثلاث قارات (القاهرة: الدار العربية ناشرون، 2014).
- إلبير إورطايلي، الغازي مصطفى كمال أتاتورك (القاهرة: الدار العربية ناشرون، 2019).
- شكيب أرسلان، خلاصة تاريخ الدولة العثمانية (القاهرة: دار التقوى، 2019).