الراوندية:

فِرقة "عبدت" حاكمًا عربيًّا وحلمت بحكم فارسي

رغم تكالُب الغرب ومعتنِقي بعض الأديان على الإسلام والمسلمين، إلا أنهم لم يتمكَّنوا من زعزعة الرابطة الدينية المقدسة للمسلمين مع رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، ورغم أن ملايين المسلمين يعيشون في مجتمعات مسيحية وأخرى لادينية، إلا أن ذلك لم يُؤثر على الشخصية الرئيسة للمسلم، بل ساهم في خلق رِدّة فِعل عكسية دفعت المسلمين إلى العضِّ على دينهم بالنواجذ، وتوجيه الأبناء للسير على النهج السليم والعقيدة النقية الصحيحة.

من هذا المنطلَق يمكن الجزم بأن الضربات التي هزَّت المجتمعات المسلمة كانت ذاتية وداخلية، من خلال ادِّعاء مجموعة من التنظيمات انتماءها لزُمرة المسلمين، في حين أنها كانت الخنجر الذي يذبح الأمة، والسيف الذي يقطع وحدة الكلمة، والسرطان الذي انتشر في البلاد، وكان سببًا في نشر الفتنة والأزمة.

من الخوارج إلى الحشاشين، ومن القرامطة إلى الإخوان، ومن القاعدة إلى الدواعش، كانت هاته التنظيمات الباطنية نتاجًا مُحرِّفًا للإسلام من الداخل، وحطبها عناصر من بني جلدتنا نشؤوا على هامش الدولة، وليس تحت سقفها، واستفادوا من خيرات البلاد، ثم كفَّروا مَن حَكمُوا الأرض ببيعة العِباد، ليُشَكِّلوا بحق تلك الطُّغمة الفاسدة التي عاشت بيننا ولم تتعلَّم شيئًا إلا أن تعيش على أنقاضنا، وتتلذَّذ باستباحة دمائنا وأموالنا وأبنائنا. 

في هذا السياق نُعرِّج على فِرقة تبنَّت منطق الفُرقة، وتنظيم تبنَّى منطق اللا تنظيم، واللا ولاء واللا انتماء، إنها فِرقة الراوندية؛ نسبةً إلى “قوم من أهل خراسان كانوا على رأي أبي مسلم الخراساني، صاحب الدعوة العباسية.. اعتمدت الراوندية عقيدةَ الحلول، وتناسُخ الأرواح لإباحة المحرَّمات لأتباعها، ولإسقاط الفروض عنهم، ودعت إلى تأليه أبي جعفر المنصور..”.

ويرى بعض المؤرخين بأن الراوندية “هم شيعة ولد العباس بن عبد المطلب، من أهل خراسان وغيرهم”، وذكروا “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض، وأن أحق الناس بالإمامة بعده العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمُّه ووارثه وعصبيته.. وأن الناس اغتصبوه حقَّه وظلموه أمرَه”.

ورغم غموض البنية العقدية للراوندية إلا أن هناك إجماعًا على رغبة أتباعها في انتزاع الملك من العرب، وإعادته للعِرق الفارسي، عبر اختلاق مجموعة من التقاطعات التي تصب في خانة إحياء المعتقدات الفارسية المرتبطة بتأليه الطبيعة والبشر والحلول، وغيرها من المعتقدات الشاذة التي كان يؤمن بها الفُرس، وجعلوها جزءًا من بنية المجتمع والحكم على السواء.

ويمكن إجمال معتقد الراوندية في كونها فِرقة تأثَّرت بـ”مذاهب الحلولية ومذاهب التناسخ، ومذاهب اليهود والنصارى؛ إذ اليهود شبَّهوا الخالق بالخَلْق، والنصارى شبَّهَت الخَلْق بالخالق، فسَرَت هذه الشبهات في أذهان زعماء تلك الفِرَق حتى حكمت بأحكام الإلهية في حق بعض الأئمة… وظهرت في دوائر فِرَق الراوندية نزعات الإلحاد والإباحية، والتحلُّل من النواميس الأخلاقية، وهي نزعة ربطها مؤرِّخو الفِرَق بالمذاهب المجوسية كالمزدكية والزرادشتية”.

التنظيمات والفِرَق الفارسية جميعها كانت تسعى لانتزاع السلطة من العرب.

ولعل ما يثير الغموض في تناول هذه الفِرقة هو علاقتها بأبي جعفر المنصور، وكيف رفعوه إلى درجة الألوهية، ثم انقلبوا عليه واستباحوا دمه، لقد اعتقدت الراوندية بحلول الذات الإلهية في أبي جعفر المنصور، فعبَدوه، “وصعدوا إلى الخضراء، فألقَوا بأنفسهم كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على الناس بالسلاح، فأقبَلوا يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت.. فكانوا يعتقدون أن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور”.

ويمكن القول بأن الغرض من تفكيك مثل هاته الفِرَق ليس هو اجترار المعطيات التاريخية التي توجد على قارعة الكتب والمراجع، وإنما الفهم والتحليل، واستدراك الدروس والعبر، وإسقاط التجربة على واقعنا الاجتماعي والسياسي بهدف تحصين المجتمع ضد هاتِه الأفكار أولًا، ثم تحصين الوطن من خطورة الاختراق التي قد تُشكِّلها مثل هاته التنظيمات الخبيثة.

إننا نعتقد بأن تأليه الراوندية لشخص أبي جعفر المنصور كان الغرض منه بناء تحالف مرحلي مع رأس السلطة العباسية، في محاولة لكسب تأييد ورضا رأس هرم الدولة قبل التحكم في مفاصلها، وتوجيهها لما يخدم مصالح التنظيم، وهنا نجد تنظيمًا مثل الإخوان المسلمين لجأ إلى نفس التكتيك في تدبير تدافعه السياسي مع حزب الوفد المصري بزعامة مصطفى النحاس باشا من جهة، والقصر من جهة أخرى، في هذا السياق لم يجد الإخوان حرجًا في رفع شعار “الله مع الملك”، في مواجهة شعار جماهير الوفد “الشعب مع النحاس”، وهو التكتيك الذي ساهم في تقريب الإخوان من القصر قبل أن يعملوا على محاولة الانقلاب على الملك واغتيال رموز الدولة، وعلى رأسهم أحمد ماهر باشا والخازندار والنقراشي.

إجمالًا يمكن القول بأن الراوندية، وباقي الفِرَق الباطنية، قاموا باستغلال المعطى الديني من أجل اختراق وضرب الدين الإسلامي من الداخل، ثم محاولة نسج تحالفات مع رأس السلطة قبل التخطيط للانقلاب عليها. وهنا يجب الانتباه إلى أن جميع هاته التنظيمات (من الراوندية إلى الإخوان) تجد هواها فارسي أو تركي رغم أنها تنشط في بيئة عربية خالصة…هذا الربط هو الذي يحتاج إلى مزيد من التأصيل.

  1. السيد عبد العزيز سالم، العصر العباسي الأول (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1993م).

 

  1. علي المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر (بيروت: المكتبة العصرية، 2005م).

 

  1. عماش المحمدي، “الراوندية.. فروعها وأهدافها”، مجلة كلية العلوم الإسلامية، العدد السادس عشر، جامعة الموصل (2018م).

 

  1. محمد الشهرستاني، الملل والنحل، ط3 (بيروت: دار المعرفة، 1993م).