فساد الدولة العثمانية بين سطوة الانكشارية وتحديث محمود الثاني:

من انهيار الداخل إلى إعادة إنتاج السيطرة بثوب جدي

ما إن يتتبع الباحث تاريخ أيّ سلطان عثماني، حتى يجد في ثنايا سيرته أثرًا واضحًا لتغوّل الانكشارية، وتسلّطهم، والأحداث الجسيمة التي ارتكبوها في قلب الدولة. وعند هذه النقطة، يفرض التاريخ سؤالًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه: لماذا لم يتخلص منهم أحد مبكرًا؟ أو بصيغة أدق: لماذا تأخر القضاء عليهم كل هذا الزمن، رغم إدراك الجميع لخطورتهم؟ وكيف تحوّلوا في آنٍ واحد إلى ضرورةٍ عثمانية لا يُستغنى عنها، ومشكلةٍ بنيوية حاول عدد من السلاطين احتواءها أو كبحها دون نجاح حاسم؟.

من قوةٍ وظيفية إلى دولةٍ عميقة: كيف عجلَّت "الانكشارية" إلى هدم السلطنة والمجتمع؟

تبدو الإجابة كامنة في طبيعة المرحلة الأولى من تشكّل قوة الانكشارية. ففي بداياتهم، وُجد توافق غير معلن داخل المنظومة العثمانية على الإبقاء عليهم، بوصفهم – في نظر النخبة الحاكمة – قوة وسطية ومحايدة بين مراكز النفوذ المختلفة. لم تكن لهم صلة نسب، ولا جذور اجتماعية، ولا طموح ظاهر لاعتلاء كرسي السلطان. كانوا أقرب إلى أداة تنفيذية، تقف مع الطرف الذي يضمن نفوذها ويحقق مصالحها، لا أكثر. غير أن هذا التوازن المصطنع لم يدم طويلًا.

فمع مرور الزمن، تصاعدت مطالب الانكشارية، واتسع نفوذهم، وتحوّلت قوتهم العسكرية إلى سلطة سياسية فعلية، حتى أصبحوا الخطر الأشد على السلطنة نفسها. ومن المفارقات اللافتة أن أحد أبرز المبررات التي استند إليها أنصار بقائهم هو ذاته ما فتح الباب أمام تغوّلهم: كونهم بلا نسب، وبلا حاضنة شعبية، إذ جُمِعوا في الأصل من أطفال انتُزعوا من أسرهم وأُلحقوا بهذه الفرقة العسكرية. وبغياب الارتباط الاجتماعي، ظنّ صناع القرار أن السيطرة عليهم ستظل ممكنة، وأن خطرهم – مهما تعاظم – سيبقى محصورًا داخل القصر.

لكن ما حدث فعليًا كان العكس تمامًا. فقد أدركت قوى القصر، من سلاطين ووزراء وولاة وعلماء، أن التحالف مع الانكشارية هو الطريق الأقصر إلى الحكم أو البقاء فيه. وأصبح إرضاؤهم، والتعهد بتحقيق مطالبهم، شرطًا غير معلن للاستقرار السياسي. فمن يتحالف معهم، يكسب السلطنة فورًا، ومن يعاديهم، يفتح على نفسه باب العزل أو القتل.

ولم يكن خطر الانكشارية مرتبطًا بسلطان دون آخر، ولا مقتصرًا على عهود الضعف وحدها. فحتى السلاطين أمثال سليم الأول، واجهوا عنفهم ونزقهم وتفلّتهم. ومع ذلك، استمر توظيفهم أداةً في صراعات السلطة، واستُخدموا لتنفيذ أجندات متناقضة للسلاطين والقوى المتنافسة داخل الدولة. وفي المقابل، فهم الانكشارية هذه اللعبة السياسية بعمق، وأتقنوا التنقل بين الأطراف المتصارعة، وبنوا عبر عقود طويلة شبكات معقدة من التحالفات، ثم تخلّوا عنها متى ما فقدت فائدتها.

وهكذا، تشكّلت داخل السلطنة ما يمكن تسميته بـالدولة العميقة، التي بات الانكشارية عمودها الفقري، يملكون القدرة على تعيين سلطان وخلع آخر، أحيانًا لأسباب تافهة، وأحيانًا بذرائع دينية أو أخلاقية مفتعلة.

سلسلة خلع السلاطين على يد الانكشارية لم تتوقف إلى أن وصل السلطنة محمود الثاني، الذي وجد فرصةً للتخلص منهم سنة (1826)، وفي خطوة مدروسة، جمع محمود الثاني أعيان الدولة وكبار ضباط الانكشارية في بيت المفتي، وتولى الصدر الأعظم سليم أحمد باشا إلقاء خطاب بيّن فيه حالة الانحطاط التي بلغتها هذه الفرقة، والحاجة الملحّة إلى إدخال النظم العسكرية الحديثة. وبعد أن أُقنع الحاضرون ظاهريًا، أصدر المفتي فتوى تُجيز القضاء على المتمردين. غير أن الانكشارية، وقد شعروا بقرب ضياع امتيازاتهم، أضمروا الرفض وبدأوا الاستعداد للثورة.

دخلت السلطنة حينها في حالة تُشبه الحرب الأهلية غير المعلنة، بين طرفين قويين: الانكشارية وحلفاؤهم من جهة، والسلطان ومعه قوى الدولة والعلماء المؤيدون له من جهة أخرى. تحصّن الانكشارية ورفعوا لواء العصيان، رافضين أي إصلاح أو تحديث، أو دمجهم في جيش منضبط يخضع لسلطة الدولة. لكن محمود الثاني كان قد حسم أمره. جمع أنصاره، واستصدر التأييد الديني والسياسي، وجهّز المدافع، ونصبها في مواجهة تجمعات الانكشارية. ثم قصفت معسكراتهم، وقُتل عدد كبير منهم، وتفرّق الباقون هاربين. وفي اليوم التالي صدر مرسوم سلطاني يقضي بإلغاء فرقتهم، وطمس اسمهم، وإعدام من بقي منهم في جميع أنحاء الدولة.

وإذا كان الانكشارية قد عاثوا فسادًا في عاصمة السلطنة نفسها، فإن السؤال الأشد إلحاحًا يفرض نفسه: ماذا فعلوا في الشعوب الخاضعة لحكمهم؟ فإذا كان هذا حالهم مع السلاطين، والوزراء، والعلماء، وفي قلب إسطنبول، فكيف كان سلوكهم في الأقاليم البعيدة، وفي حق شعوب دفعت أثمانًا باهظة نتيجة عنفهم وتسلطهم وفسادهم؟.

تشير ماجدة مخلوف في كتابها الدولة العثمانية من الإصلاح إلى الحداثة إلى أن خطوة محمود الثاني المعروفة بـ”الواقعة الخيرية”، لم تكن مجرد إصلاح عسكري، بل قطيعة شاملة مع بنية قديمة، هدفت إلى القضاء النهائي على الانكشارية بوصفهم رمز الجيش التقليدي المتفلت. كما تؤكد أن من أهداف هذه الخطوة فكّ الارتباط بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الدينية، وتقليص دور العلماء في الإدارة.

وهنا تتضح صورة تحالف عميق نشأ على مدى عقود بين الانكشارية والمؤسسة الدينية، حيث اعتمد الطرفان على بعضهما: الانكشارية يستندون إلى الفتاوى لتبرير تمردهم، ورجال الدين يعتمدون على سطوتهم لمواجهة أي محاولة للتحديث أو الإصلاح.

  1. أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العثمانية، 2014).

 

  1. ماجدة مخلوف، الدولة العثمانية من الاصلاح إلى الحداثة (القاهرة: دار البشير، 2021).

 

  1. محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).