لغز تأسيس دولة بني عثمان
لا تكمن أزمة تاريخ نشأة الدولة العثمانية في قلة الروايات وحدها، بل في فقر ما يمكن إثباته منها بمصادر معاصرة للأحداث. ففقر المصادر لا يعني بالضرورة أن الأحداث لم تقع، لكنه يعني أن المساحة التي يمكن وصفها بالحقيقة التاريخية المثبتة تظل ضيقة، وأن ما يتجاوزها يبقى في دائرة الاحتمال والترجيح والرواية المتأخرة. وهذه هي المعضلة الأساسية في دراسة البدايات العثمانية: دولة امتد سلطانها لاحقًا على مساحات شاسعة، واحتلت مكانًا مركزيًا في تاريخ المنطقة، لكنها تركت عن سنوات نشأتها الأولى فراغًا كبيرًا لا يتناسب مع ضخامة ما آلت إليه. وكلما اقترب الباحث من تلك المرحلة، وجد نفسه أمام قصص كُتبت بعد أن ترسخت الدولة واتسعت، لا أمام شهادات معاصرة تسمح بإعادة بناء الأحداث بثقة.
لقد ظهرت الإمارة العثمانية في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب، كانت السلطة السلجوقية في الأناضول تتفكك تحت الضغط المغولي، بينما كان النفوذ البيزنطي ينحسر في مناطق واسعة من أطراف الأناضول. وبين القوتين نشأت إمارات تركمانية متعددة، تتنافس على الأرض والنفوذ والغنائم ومناطق الحدود. وفي هذا الفراغ السياسي والعسكري النسبي، وجدت جماعة عثمان فرصة للتوسع، شأنها شأن جماعات وإمارات أخرى كانت تتحرك في البيئة نفسها. غير أن السردية العثمانية المتأخرة أعادت تصوير هذه البداية كما لو أنها مسار واضح ومتماسك، بدأ ببطولة مؤسس وانتهى، بصورة تكاد تكون حتمية، إلى قيام إمبراطورية كبرى. وهنا تصبح النتيجة اللاحقة هي التي تكتب المقدمة، ويُعاد تفسير كل حدث صغير بوصفه خطوة مقصودة نحو المصير الإمبراطوري.
من أشهر الروايات المتداولة عن نشأة الدولة العثمانية ما أورده محمد فريد في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية إذ يقول إن مؤسس الدولة هو أرطغرل بن سليمان شاه التركماني، قائد إحدى القبائل التركية النازحة من سهول آسيا إلى الأناضول. ويروي أن أرطغرل، بعد وفاة أبيه غرقًا في أحد الأنهار، كان عائدًا إلى بلاد العجم حين شاهد جيشين يقتتلان. فوقف على مرتفع يتابع المعركة، ثم لاحظ ضعف أحد الجيشين واقترابه من الهزيمة، فدفعته النخوة إلى النزول بفرسانه لمساندة الطرف الأضعف. وبحسب الرواية، استطاع أرطغرل ورجاله قلب موازين المعركة وهزيمة الجيش الذي كان على وشك الانتصار.
عثمان وإمارات الأناضول: قصة صعود أحاط بها الغموض.
هذه الرواية تستوفي شروط الملحمة البطولية، لكنها لا تستوفي شروط الخبر التاريخي القابل للتحقق. فهي تخبرنا عن الشجاعة والنخوة والمفاجأة، لكنها لا تقدم إجابات واضحة عن الأسئلة الأساسية: من كان الجيشان؟ وأين وقعت المعركة؟ ومتى حدثت على وجه الدقة؟ ومن نقل خبرها؟ وما المصدر المعاصر الذي سجّلها؟. ولا يكفي أن تكون القصة ممكنة من الناحية النظرية حتى تصبح حقيقة تاريخية. فإمكان وقوع الحدث شيء، وثبوته بالوثائق والشهادات شيء آخر تمامًا. ثم إن الجماعة المهاجرة لم تكن، على الأرجح، مجموعة من الفرسان وحدهم، بل كانت تضم عائلات ونساءً وأطفالًا وممتلكات ودوابّ، وتتحرك في ظروف مضطربة بعد رحلة طويلة. ولا نملك ما يثبت أن أرطغرل كان يقود قوة عسكرية قادرة على اقتحام معركة مجهولة وقلب نتيجتها بمجرد التدخل فيها. ولهذا تبدو الرواية أقرب إلى قصة صيغت لاحقًا لإحاطة المؤسس بهالة من البطولة والفروسية، منها إلى خبر تاريخي قائم على وثيقة معاصرة. وربما كان وراءها حدث محدود أو مشاركة عسكرية جرى تضخيمها بمرور الزمن، وربما لم يكن لها أصل ثابت أصلًا. وفي كلتا الحالتين، لا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة يقينية.
لم يكن الأناضول، عند ظهور عثمان، أرضًا خالية تنتظر قدومه، كما توحي بعض الروايات المبسطة. فقد كان مسرحًا لعشرات القوى والجماعات، وفي مقدمها الإمارات التركمانية التي نشأت بعد ضعف السلطنة السلجوقية. وجاء في كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر لعمر الإسكندري وسليم حسن ليقولا فيه: “في سنة 699هـ/1300م قضى المغول على البقية الباقية من الدولة السلجوقية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحكموا تلك البلاد بأنفسهم، فاستقلت فيها عشر إمارات تركية؛ إحداها إمارة عثمان، الذي اعتُبر من ذلك الحين المؤسس للدولة العثمانية وأول حاكم مستقل فيها، أما باقي الإمارات التركية فاندمجت في هذه الإمارة على توالي الأيام، وسمّوا أنفسهم عثمانيين أيضًا”. ويكشف هذا النص، على الرغم مما فيه من اختزال، أن الإمارة العثمانية لم تظهر باعتبارها القوة الوحيدة أو الوريث الطبيعي المباشر للأناضول. كانت واحدة من مجموعة إمارات تركمانية، يختلف المؤرخون في عددها وتصنيفها، تتنافس كلها داخل البيئة السياسية نفسها. وهنا يبرز سؤال لا تجيب عنه روايات البطولة التقليدية: لماذا نجحت إمارة عثمان تحديدًا، بينما أخفقت إمارات كانت في بعض المراحل أقوى منها وأكثر اتساعًا وثراءً؟.
إن تصوير عثمان منذ البداية بوصفه مؤسس الدولة الكبرى التي ستبتلع جميع منافسيها، هو قراءة للماضي بعين النتيجة. فعثمان في زمانه لم يكن يعرف أن جماعته ستتحول إلى إمبراطورية، كما أن منافسيه لم يكونوا يرون فيه بالضرورة مشروع الدولة التي ستقضي عليهم. كان واحدًا من أمراء الحدود، يتحرك داخل شبكة معقدة من الصراعات والتحالفات والمصالح. وبالتالي، فإن قيام الدولة العثمانية لم يكن نتيجة حكاية بطولية واحدة، ولا معركة غامضة غيّر فيها أرطغرل مجرى التاريخ، بل كان حصيلة مسار طويل من التوسع والمنافسة واستغلال ضعف القوى المحيطة. أما التفاصيل الدقيقة لذلك المسار في سنواته الأولى، فما زال كثير منها غارقًا في الغموض.
يزداد الغموض عندما ننتقل من مسألة التوسع السياسي إلى أصل الجماعة العثمانية نفسها. فالروايات المتعلقة بنسب أرطغرل، واسم أبيه، ومسار هجرة قبيلته، والموطن الذي جاءت منه، ليست متفقة على صورة واحدة. إذ تقدم بعض الروايات سلسلة نسب طويلة تصل العثمانيين بقبائل الأوغوز، وتمنحهم موقعًا واضحًا داخل البناء القبلي التركي. لكن هذه الأنساب لم تصل إلينا من سجلات معاصرة للهجرة المفترضة، بل من كتابات متأخرة ظهرت بعدما أصبحت الدولة في حاجة إلى ماضٍ متماسك ونسب يمنح أسرتها الحاكمة مكانة سياسية وقبلية. ومن هنا يصعب التعامل مع كل ما ورد عن هجرة القبيلة وأصلها كما لو أنه سجل تاريخي دقيق. فكلما تأخر تدوين الرواية عن زمن الحدث، زادت احتمالات أن تكون قد تعرضت للإضافة والانتقاء وإعادة التفسير. إن الدولة التي أصبحت قوية كانت قادرة أيضًا على إنتاج روايتها الخاصة عن الماضي، أو على الأقل ترجيح رواية دون غيرها حتى تتحول، مع كثرة التكرار، إلى النسخة الرسمية من التاريخ. لكن تكرار الرواية لا يجعلها صحيحة، كما أن وجودها في الكتب لا يعوض غياب الوثيقة المعاصرة.
لا يقف الخلاف عند أصل الجماعة وهجرتها، بل يمتد إلى هويتها الدينية في سنواتها الأولى. فقد قدّم المؤرخ هربرت آدامز غيبونز فرضية تقول إن العثمانيين كانوا جماعة بدوية فرت أمام الزحف المغولي إلى آسيا الصغرى، وإن عثمان لم يكن مسلمًا منذ البداية، بل اعتنق الإسلام لاحقًا بعد احتكاكه بشيوخ المسلمين وسكان المناطق التي استقر فيها. وفي المقابل، يورد عبدالعزيز الشناوي في كتابه الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها؛ أن الوضع الديني والعسكري والسياسي للأتراك العثمانيين تحدد في وقت مبكر خلال عهد الأمير عثمان، وأن عثمان اعتنق الإسلام وتبعه الأتراك العثمانيون، بينما كانت عقيدتهم السابقة غير واضحة، مع احتمال أنهم كانوا في مرحلة انتقال من الوثنية أو من معتقدات أخرى إلى الإسلام. ولا تمثل هذه المسألة تفصيلًا هامشيًا؛ لأن الهوية الإسلامية أصبحت لاحقًا أحد أهم عناصر الشرعية السياسية والعسكرية للدولة العثمانية. ولذلك فإن الخلاف حول زمن إسلام عثمان وجماعته يضرب في صميم رواية التأسيس نفسها.
هل كان العثمانيون جماعة مسلمة منذ وصولها إلى الأناضول؟ أم كانوا في مرحلة تحول ديني؟ وهل أسلم عثمان بنفسه، أم أن أسرته كانت مسلمة قبله؟ وما طبيعة العقائد السابقة التي كانت سائدة بينهم؟. لا تقدم الروايات المتاحة إجابة واحدة حاسمة. وما يورده بعض المؤرخين بوصفه حقيقة يقدمه آخرون بوصفه احتمالًا أو فرضية. وهذا وحده يكفي للحذر من السرديات التي تصور النشأة العثمانية في صورة مكتملة، واضحة العقيدة والهدف والهوية منذ اللحظة الأولى.
والمشكلة الأعمق ليست في وجود روايات متعارضة؛ فالتعارض أمر مألوف في دراسة التاريخ القديم والوسيط. المشكلة تبدأ عندما تُنتقى رواية من بين الروايات، ثم تُجرّد من طابعها الاحتمالي، وتُقدَّم إلى القارئ باعتبارها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. فالتفاوت في تحديد التواريخ، وأسماء الشخصيات، وأصل القبيلة، وعدد الإمارات، وتسلسل الأحداث، يكشف أن البناء التاريخي لتلك المرحلة ليس صلبًا بالقدر الذي توحي به الكتب التقليدية. وأحيانًا يجري توظيف تاريخ بعينه ليكون نقطة بداية رسمية للدولة، رغم أن التحول من جماعة حدودية صغيرة إلى إمارة مستقلة لم يكن حدثًا وقع في يوم واحد، بل عملية تدريجية يصعب اختزالها في سنة واحدة. ولذلك نجد اختلافًا في تحديد سنة التأسيس والاستقلال، وفي تحديد ما إذا كان أرطغرل أم عثمان هو المؤسس الفعلي.
أرطغرل يُقدَّم في بعض الروايات بوصفه المؤسس الأول، مع أنه لم يحمل اسم الدولة ولم يعلن استقلالها. وعثمان يُقدَّم في روايات أخرى باعتباره المؤسس؛ لأن الدولة حملت اسمه ولأن الاستقلال السياسي ارتبط بعهده. أما الرواية اللاحقة فتجمع الاثنين داخل قصة واحدة متماسكة، تبدأ بأرطغرل البطل وتنتهي بعثمان المؤسس، وكأن الأحداث كانت تتحرك منذ البداية وفق خطة واضحة. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. فالنتائج الكبرى لا تكون معروفة لمن يعيشون بداياتها، ولا يجوز تفسير كل حادثة قديمة باعتبارها خطوة واعية نحو نتيجة لم تكن قد ظهرت بعد.
من أبرز من تناولوا مشكلة نشأة الدولة العثمانية المؤرخ التركي فؤاد كوبرللي، الذي وجّه نقدًا شديدًا إلى عدد من المؤرخين الغربيين، وفي مقدمتهم غيبونز، وحاول تقديم تفسير أكثر ارتباطًا بالبيئة التركية والإسلامية في الأناضول. غير أن عبدالعزيز الشناوي يلفت النظر إلى أن آراء كوبرللي نفسها لا يمكن قبولها كلها دون تحفظ، ولا سيما بسبب حدة موقفه من المؤرخين المخالفين له، وبسبب اعترافه بأن النتائج التي توصل إليها لم تكن حاسمة. وقد عبّر كوبرللي عن ذلك بقوله: “مهما يكن من أمر، فلا بد أن نعترف بأن النتائج التي حصلنا عليها ليست كافية لا كمًّا ولا كيفًا، وبأننا لا نزال بعيدين عن أن نكون قد حللنا لغز تأسيس الدولة العثمانية، أو حتى نكون قد وضحناه بعض الشيء”. هذا الاعتراف ليس عبارة عابرة، بل هو مفتاح القضية كلها. فإذا كان أحد أشهر من درسوا نشأة الدولة العثمانية قد انتهى إلى الإقرار بأن اللغز لم يُحل، فكيف يمكن للسرديات المبسطة أن تقدم للقارئ قصة مكتملة لا شك فيها؟. والمفارقة أن كوبرللي، على الرغم من نقده الشديد لغيبونز ومحاولته نقض فرضياته، لم يستطع أن يضع مكانها رواية نهائية تحسم الجدل. لقد استطاع الاعتراض على بعض التصورات، لكنه لم يستطع تحويل البديل الذي قدمه إلى حقيقة مكتملة الأركان. وهذا يعيدنا إلى المشكلة الأولى: فقر المصادر المعاصرة لا يسمح ببناء رواية يقينية، مهما بلغت براعة المؤرخ في التحليل والتركيب.
ليست الخلاصة أن الدولة العثمانية ظهرت من العدم، ولا أن كل ما قيل عن بداياتها مختلق بالضرورة. الخلاصة أن المسافة بين الأحداث التاريخية وما رُوي عنها لاحقًا واسعة، وأن التمييز واجب بين أربع درجات مختلفة: حقيقة تؤيدها وثيقة أو شهادة قريبة من زمن الحدث، فرضية يرجحها السياق، من دون أن تبلغ درجة اليقين، رواية متأخرة لا يمكن التحقق من تفاصيلها، وأسطورة تأسيسية صيغت لإضفاء البطولة والشرعية على الأسرة الحاكمة. يمكن القول إن إمارة عثمان ظهرت في سياق تفكك السلطة السلجوقية وانحسار النفوذ البيزنطي وصعود الإمارات التركمانية في الأناضول. ويمكن القول إنها استفادت من موقعها الحدودي ومن الاضطراب السياسي والعسكري المحيط بها، ثم توسعت على حساب منافسيها. أما قصة الهجرة بتفاصيلها، ونسب أرطغرل، واسم أبيه، ومعركة الجيشين، وطبيعة العقيدة الدينية الأولى، والتاريخ الدقيق للاستقلال، والدوافع التي حركت الجماعة منذ البداية، فكلها مسائل لا تسمح المادة المتاحة بتقديمها في صورة حقيقة مطلقة. إن قوة الدولة العثمانية في عصورها اللاحقة لا تمنح روايات نشأتها حصانة من النقد، كما أن نجاحها السياسي والعسكري لا يثبت تلقائيًا صحة القصص التي رويت عن مؤسسيها.
لقد كُتبت البدايات في ظل النهاية؛ أي إن تاريخ الجماعة الصغيرة أعيدت صياغته بعدما أصبحت دولة كبرى. ومن الطبيعي، في مثل هذه الحالة، أن تحضر البطولة والنبوءة والنسب الرفيع والغاية الدينية الواضحة في أخبار التأسيس، وأن تختفي المصادفات والانتكاسات والترددات والتناقضات التي تصاحب عادة نشأة الكيانات السياسية. لهذا لا يكون السؤال العلمي الدقيق: كيف تأسست الدولة العثمانية؟ فقط، بل يجب أن يسبقه سؤال آخر أكثر أهمية. أي جزء مما نرويه عن تأسيسها يمكن إثباته؟ ومن كتب هذه الرواية؟ ومتى كتبها؟ وعلى أي مصدر اعتمد؟. فالتاريخ لا يُبنى بكثرة التكرار، ولا تتحول الحكاية إلى حقيقة لمجرد أنها انتقلت من كتاب إلى آخر. وما لم تظهر وثائق أكثر صلة بتلك السنوات الغامضة، ستبقى نشأة دولة بني عثمان مزيجًا من حقائق محدودة، وفرضيات متنافسة، وروايات متأخرة، وأساطير صاغتها الدولة عن نفسها بعد أن اشتد عودها ورسخ سلطانها.
- عبدالعزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980).
- عمر الأسكندري وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014).
- محمد فريد بك المحامي، الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).
- محمد كوبرللي، قيام الدولة العثمانية، ترجمة: أحمد السعيد (القاهرة: دار الكاتب العربي، 1967).
- يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود (إسطنبول: منشورات فيصل، 1990).