الإمام الذي أحبته الأرض... تركي بن عبدالله

خرج من الدرعية ليلاً... ليعيد "نهار" الوطن بعد سبع سنوات

انقلبت الدرعية إلى مدينة أشباح يجوبها الغبار وصوت الارتياع، رائحة البارود وهزات المدافع العثمانية التي طغت على صوت الأذان وأدعية السعوديين بكشفِ البلاء، بعد أن كانت العاصمة السعودية الأولى مدينة حققت درجة متفردة اقتصاديًّا وزراعيًّا وأمنيًّا حتى وصلت للاكتفاء الغذائي الذاتي، فصار كثير من العمال والتجار العرب يعيشون فيها مستقرين آمنين.

بين واقعين متناقضين خرج أحد أشجع السعوديين مستلهمًا قيم أُسرته النبيلة وأجداده العظام وملهمًا أبناءه وأحفاده بالهيبة والإقدام بعد أن نفخ في روحهما الهوية السعودية الوطنية. كان الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود مملوءًا بوطنه ومواطنيه، في الوقت الذي كانت فيه الدرعية تصرخ تحت وطأة همجية الجيش العثماني ونهمه بالدم والقتل والتعذيب، بعد أن رأت اسطنبول الدولة السعودية الأولى تحظى بالوحدة الوطنية والروحية بين الشعب السعودي وأئمته ما يُهدد دولتهم التركية.

حمل روحه على كفيَّه من أجل الوطن.

بعد سقوط الدرعية

كان تركي بن عبدالله أحد المدافعين الأشاوس خلال حصار إبراهيم باشا للدرعية، حينما كلفه آخر أئمة الدولة السعودية الأولى عبدالله بن سعود بحماية الجهة الجنوبية من الدرعية مع أخيه زيد وجزء من أهالي الدرعية، ولأن الدرعية سقطت وكان تركي من ضمن المطلوبين على قائمة القائد العثماني، غير أنه قرر الانسحاب التكتيكي عن الدرعية بقصد العودة لمقاومة الاحتلال وقهر الغُزاة، لأنه يعي بأن مقامهم لن يطول، باعتبار أنهم جاؤوا للخراب فقط.

ذهب تركي سنة (1818) إلى آل شامر من بادية العجمان، وأقام لديهم مدةً تزوج فيها من ابنة زعيمهم غيدان بن جازع، ورزق بابنه جلوي، الذي أسماه بهذا الاسم نسبةً إلى (جلوته) من الدرعية، وكان كثير التنقل بين البلدان النجدية، وهو يستجمع قواه ويزيد من أتباعه، حيث اتخذ من جبل “عليَّة” مقرًا لقيادته بعد أن استقرَّ مُدَّةً من الزمن في بلدة الحلوة جنوبي نجد، وبالقرب من حوطة تميم.

و”عليَّة” جبل مطلّ وهضبة من جبال اليمامة، يتميز بمنعته وارتفاعه، واختيار هذا الموقع الجغرافي المميز ينم عن بُعد نظر القيادة لدى الإمام، باعتباره مُشرفًا على جهات عدَّة: الخرج ووادي نساح جنوبًا، وادي نعام والحريق وأسفل بلدة الحوطة شمالاً، وأودية الجفير ومرقان والمجهولة وحنيظة غربًا. كان “عليَّة” حاضرًا في شعر الإمام تركي بن عبدالله:

حاول الإمام تركي أن يتخذ من السريَّة في تحركاته استراتيجية مهمة، إذ حرص على كثرة التنقل بين البلدات والبوادي حتى لا يتم تتبعه بسهولة إذا ما استقر في مكانٍ واحد، إلى أن ظهرت بوادر إعادة إعمار الدرعية من جديد، وإعادة الوحدة من جديد بتكاتف المجتمع حول مشاري بن سعود بن عبدالعزيز ابن الإمام سعود، الذي كان قد أسر ضمن جيش إبراهيم، واستطاع الهرب من المعسكر العثماني قبل أن يصل إلى ينبع قادمًا من المدينة المنورة، ولجأ إلى نجد مع حراسه، والتف حوله الناس حتى وصل إلى الدرعية سنة (1820)، وممن انضم إليه وسانده الإمام تركي بن عبدالله عائدًا من مركز قيادته في “عليَّة”، وقد عيَّنه مشاري أميرًا على الرياض.

غير أن الحامية العثمانية في عنيزة كانت تخطط لإنهاء حركة مشاري، وتم القبض عليه ونقله إليها، إذ توفي في سجن الحامية، فعاد الإمام تركي للانسحاب الاستراتيجي لمقاومة الأتراك من جديد. واتخذ أسلوبه السابق في التنقل، ومن ضمن البلدات النجدية التي كان يمكث فيها مع أتباعه (ضرما)، وقد علمت استخبارات العثمانيين بوجوده فيها، فأُرسلت حامية من المتعاونين معهم قوامها 100 فارس إلى ضرما، وقبلها بُعث رسولاً يخبر أتباعهم في البلدة بقدومهم كي يقبضوا على الإمام وجنده.

كان الإمام تركي يترصد الطرق، توقعًا منه أن العدو ليس له طريق إليه إلا من خلال الحيلة، وقد عثر على الرسول قبل أن يصل ضرما، فقبض عليه وعلم بمخطط المتعاونين مع حامية العثمانيين، وعرف البيت الذي تُقاد منه حركة المعادين له في البلدة، فعاد مُسرعًا إلى أتباعه وأمرهم أن يلجؤوا إلى أحد القصور، بينما خرج هو ليلاً قبل تنفيذ الخطة الموجهة ضده، واتجه إلى البيت الذي ينتظر بمن فيه القادمين إليه، ودخل عليهم في البيت وهم حول النار، وأعمل فيهم سيفه بعد أن أطفأوا نارهم خشية الموت بسيف تركي، وهربوا وتسوروا البيت جرحى وخائفين، ونتيجةً لما رأوه من بسالة الإمام وحده ودخوله عليهم؛ أعلنوا انضمامهم له. بينما واجه الحملة التي أرسلت إليه وأوقعهم في الهزيمة قبل أن يحققوا أي نتائج كانوا يصبون إليها بل كانت النتائج عكسية بزيادة الموالين لتركي بن عبدالله.

تركي يقود الوطن

كانت الظروف مواتية بعد انتصار تركي بن عبدالله في ضرما، لذا قرر أن يغتنم الفرصة ويتجه صوب الدرعية لإنهاء سيطرة الموالين للأتراك، وبالفعل تمكن من ذلك ومنها اتجه إلى الرياض وفيها جعل مقر قيادته. غير أن حامية آبوش أغا في عنيزة انضمت إليها قوة عسكرية جديدة قادمة من المدينة المنورة بقيادة حسين بك، واقتنعت هذه القوة بضرورة الاتجاه إلى الإمام تركي في الرياض والقضاء عليه قبل أن تزداد قوته، فوصلت الحملة وحاصرته وأتباعه، ولطول فترة الحصار وخوفًا من تناقص المؤنة لدى المُحاصرين؛ ارتأى الإمام الانسحاب من جديد من الرياض كي يعود إليها أقوى مما كان عليه، بعد أن استسلم، خاصةً أنه لم يبق في الساحة السعودية وقتها من هو مؤهل لذلك، على خلاف الإمام تركي الذي يمتلك الشجاعة التي تسامع بها الناس، والميزة التي جعلته يُنصر على أعدائه بالرعب قبل المواجهة، ولكونه يمتلك الصفات القيادية كأسلافه في الدولة السعودية الأولى، فمن الضروري ألا يستسلم لقوات حسين بك وآبوش أغا، ليستكمل ملحمة الوطن وعودة وحدته.

ويعي الإمام يقينًا أن تلك الحاميات والقيادات التي تأتي بين حينٍ وآخر، لا يطول بها المُقام باعتبار أن المجتمع السعودي لا يمكن أن يتواءم معهم، وبأنهم جاؤوا بقصد الدمار والسلب والنهب، ومع الوقت سيُجبرون على التراجع والانسحاب، وبالفعل لم ينته عام (1821) حتى انسحب آبوش أغا وحسين بك، مع بقاء حاميات عثمانية في عددٍ من البلدان النجدية المهمة، والتي كانوا يتخوفون بأنها ستعود لتوحدها من جديد.

طرد المجرمين العثمانيين بنُبل العُظماء.

لذلك مع بداية سنة (1822) أرسل العثمانيون حملةً عسكرية بقيادة حسين أبو ظاهر، في الوقت الذي كانت فيه القبائل والبلدان النجدية تُعلن ولاءها للإمام تركي وتُسانده في إعادة الدولة السعودية من جديد، لذلك كان الإمام يقودهم بين حينٍ وآخر ضد الحاميات العثمانية، خاصةً حاميتي الرياض ومنفوحة.

وحاول أبو ظاهر أن يرسل حملات تأديبية للقبائل التي أعلنت ولاءها للإمام، لكن أغلبها هُزمت وقُتل قادتها، كما صمدت في وجهه كثير من البلدان النجدية الأخرى التي استعصت على قواته، لذا لم يطل المُقام حتى قرر أبو ظاهر الرحيل مرةً أخرى من نجد تاركًا خلفه حاميات متهالكة ضعيفة غير قادرة على مواجهة الوطن الذي صمد أمام الوحشية والقهر والتصفية والجريمة.

وانتصر السعوديون

لم يبق من قوى الغُزاة ما ظل ينافح أمام الإمام تركي سوى حاميتي الرياض ومنفوحة سنة (1823)، فاستأنف الإمام مقاومته لهما بعد أن جاء من بلدة الحلوة، وتوجه إلى عرقة قرب الرياض، ووفد إليه المبايعون له من عددٍ من بلدان نجد التي أعلنت انضمامها له، وخلال هذه الفترة كان تركي بن عبدالله اسمًا يزلزل الأتراك على الأرض في مقر الحاميتين، وفي الوقت ذاته فُتن الناس بما سمعوه من بطولات الإمام وجسارته وقوته.

واجه الإمام تركي قوات حامية الرياض في عرقة، وكان يقاتلهم بطريقة حرب العصابات، التي أرهقتهم وجعلتهم يعون عجزهم أمامه، ويعيشون القلق الدائم من احتمالية الهجوم في كل وقت وحين، خاصةً وأنه تم قطع التواصل بين الحاميتين ومركز قيادتهما المباشرة في المدينة المنورة. وبعد حصار قرابة 20 يومًا لحامية منفوحة؛ أُجبرت الحامية على مغادرة البلدة بعد أخذها الأمان بالرحيل.

وفي عام (1825) شدد الإمام تركي حصاره على حامية الرياض، وبعد مواجهات شرسة بينه وقوات الحامية وحصار استمر لأشهر، بعدها أيقن المُحاصرون أنهم لا بد أن يستسلموا والفوز الذي يطمحون إليه كان رحيلهم من دون أن تحدث في حقهم مذبحة، وكانت قوات هذه الحامية آخر القوات العثمانية الراحلة، بعدها أعلن الإمام تركي عن إمامته في عاصمته الجديدة الرياض. وفيها قامت الدولة السعودية الثانية في (1240هـ -1825).

ليُسطر التاريخ السعودي في الدولة الثانية بملحمةٍ قهر فيها التُّرك، وأذلهم، وأثبت أن الأرض لا تقبل إلا قادتها ممن تأصَّل حبهم في قلوب الناس، في الوقت الذي أثبت فيه المجتمع التفافه وتفانيه وتلاحمه مع قيادته. لذا يبقى السعوديون شوكة في الحنجرة العثمانية مزقت تاريخهم على أراضيها بقواتهم وعتادهم وعنادهم، فكان السعوديون القوة التي أركعت التُّرك واستبدادهم، وكسرت قاعدة الجبروت والغطرسة. 

أسس الهوية الوطنية.. وحرر "الجُغرافيا" من فم النسيان.

  1. عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، تحقيق وتعليق: عبدالرحمن آل الشيخ، ط4 (الرياض: دارة الملك عبدالعزيز، 1983).

 

  1. منير العجلاني، الإمام تركي بن عبدالله بطل نجد ومحررها (الرياض: دار الشبل، 1990).

 

  1. عبدالفتاح أبو علية، تاريخ الدولة السعودية الثانية، ط5 (الرياض: دار المريخ، 1995).

 

  1. خليفة المسعود، موقف القوى المناوئة من الدولة السعودية الثانية (الرياض: دارة الملك عبدالعزيز، 2005).