العثمانيون..

استلاب مسيحي ويهودي مبكر قوَّض السلطنة!!

لعل واحدة من أهم نتائج نظام “المِلَل” الذي طبَّقه العثمانيون لصالح الطوائف والأقليات المسيحية واليهودية، هو تحوُّل ولاء تلك الأقليات عبر الوقت إلى دول غربية استطاعت من خلال “النظام” التغول داخل السلطنة وتقويض سلطاتها، الأقليات التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في انهيار المنظومة العثمانية الحاكمة، وكانوا عيون وأيدي الأوروبيين عندما دعت الحاجة، وعندما استيقظ العثمانيون كان الوقت قد ولَّى، وحاولوا معالجة أخطائهم مع الأجداد والآباء المسيحيين بقتل أبنائهم، وإقامة المذابح فيهم بتهمة الخيانة.

لم يكن ذلك التغول حديثًا – أي بعد عام 1900 – كما يروِّج البعض، بل قديمًا جدًّا، فنظام المِلَل صدر بإرادة وقناعة من السلطان محمد الثاني عام (1453)، قبل سقوط السلطنة العثمانية في 29 أكتوبر سنة 1923م، إثر قيام الجمهورية التركية وتحوُّلها إلى دولة علمانية، أي بأكثر من 470 سنة.

لقد كان الامتداد العثماني داخل الجسد الجغرافي المسيحي كبيرًا، من أرمينيا والقرم على حدود روسيا شرقًا، إلى صربيا والبلغار غربًا، فضلًا عن الآلاف من المكونات المسيحية في البلاد العربية، وخصوصًا في الشام ومصر وشمال أفريقيا، لقد أضحى ذلك النظام بمثابة قنبلة كَمنت زمنًا، ثم انفجرت في وجه الدولة العثمانية، وتحوَّلَت من نظام أراد به العثمانيون استمالة الأوروبيين وإظهار تحضرهم – المزعوم- إلى ثغرة لم يستطيعوا غلقها أو التخلص منها أبدًا، اخترقت دولتهم وحولتها إلى دُمية بيد الغرب المسيحي، وخاصة الفرنسيين، والبريطانيين والروس.

الغريب أن العثمانيين وورثتهم من “العثمانيين” الجدد في العالم العربي لا يُلقُون باللائمة على نظام “المِلَل”، ولا على مسيحيِّي ويهود الدولة العثمانية في انهيارها وسقوطها، بل يلومون العرب الذين كانوا ضحية الدولة العثمانية وخياراتها الخاطئة، وازدواجيتها في التعامل بتنازل مع القوميات المسيحية واليهودية، وبقسوة وصرامة وعنصرية مع القومية العربية، لقد استوطن الخلل داخل السلطنة، وانتُهِكت من الأوروبيين وأدواتهم قبل ذلك بأربعة قرون، وحتى عندما قاوم العرب الاحتلال العثماني جاء معظمه في وقت لاحق، أي بعد العام 1900، مع استثناء وحيد قامت به الدولة السعودية الأولى التي أظهرت مقاومة عظيمة حتى سقطت 1818م.

لم يتوقف نظام المِلَل على قضايا الأحوال المدنية “الإرث والزواج والتقاضي”، بما يحقِّق خصوصية المسيحيين واليهود، بل تحوَّل مع مرور الزمن إلى استلاب ثقافي وسياسي واقتصادي كامل، وبالأخص مع تحوُّل القناصل والسفراء الأوروبيين إلى حكام في الظل، يُصدِرون أوامر وتوجيهات يطيعها وينفذها عمال السلطنة، ويدعمون بناء مسار ثقافي مسيحي منعزل عن الثقافة العثمانية.

 لقد اتسع التغلغل الأوروبي عبر الجاليات وضغوط القنصليات ليشمل كل شيء تقريبًا، التعليم مثلًا تحوَّل إلى مسار يخص الأقليات، وآخَر يخص الأتراك، إلى أن صدر قرار نظام المعارف 1847م، الذي صفَّى أنظمة التعليم التقليدية الإسلامية، فضلًا عن الامتيازات التجارية التي ساهم العثمانيون -من خلال ترسيخها- بسذاجة في تعظيم اقتصاد الأوروبيين الذي موَّل فيما بعد حربهم ضد السلطنة.

إن الاقتراب قليلًا من نتائج نظام المِلَل، يكشف كيف استطاع الأوروبيون – عبر “عنوان” حماية المسيحيين – السيطرةَ على الدولة العثمانية من الداخل، بل وقضم هيبتها رويدًا رويدًا ـ إلى أن وصلت إلى محاولة فرض الوصاية الكاملة، فقد قررت لائحة برلين 1876م – التي أقرَّتها روسيا والنمسا وفرنسا وإيطاليا – التشديدَ على الحكومة العثمانية لتعيين مجلس دولي لمراقبة أحوال المسيحيين في السلطنة، وهو ما أصَرَّ عليه مؤتمر لندن عام 1877م، الذي طالب السلطان هو الآخر بأن يقوم سفراء الدول الأوروبية في الآستانة بمراقبة أحوال النصارى في الإمبراطورية والسهر عليهم.

إن انهيار المنظومة الثقافية والإدارية والسياسية والاقتصادية العثمانية مبكرًا لصالح الأوروبيين التي ترسَّخَت عبر الجسر المسيحي كانت طريقًا لا رجعة فيها للقضاء على السلطنة العثمانية واستلابها وانهيار مقاومتها، وهو ما ساعد كثيرًا في نجاح الغزو الأجنبي الذي احتلَّ نصف الأناضول، إضافة إلى إسطنبول العاصمة العثمانية من قِبَل القوات البريطانية والفرنسية والإيطالية في الفترة من 13 نوفمبر 1918 إلى 4 أكتوبر 1923م.