العثمانيون

جرائمهم في مكة تفضح دعاية "الخلافة" المزيَّفة

إن الوقوف على جرائم العثمانيين في الحجاز يقطع بأن قدسية الحرمين الشريفين لم تجد طريقها إلى السلوك الجماعي للأتراك العثمانيين، على اعتبار أن سلوك المسلمين داخل الحرمين الشريفين تحكمه مجموعة من الضوابط والقواعد التي تجعل من مركز ثِقَل بلاد الإسلام والمسلمين نموذجًا لأرقى الممارسات البشرية التي حثَّ عليها المولى عزَّ وجلَّ في مُحكم تنزيله.

هذا المعطَى يؤكِّد أن “الدولة العثمانية خدمت الحرمين لهدف وحيد، وهو الدعاية السياسية لإمبراطوريتها التي تفرض على أساسها مسؤوليتها على أكبر بقعة جغرافية من العالم الإسلامي، ومن ثم تُضفِي عليها طابعًا يجعل من سلطتها محلَّ قداسة بحسب ما كانوا يسعون إليه”.

في هذا السياق لم تُشكِّل حُرمة المكان عامِلَ رَدعٍ للأساليب الاستعمارية والهمجية للجيوش العثمانية، سواءً تعلَّق الأمر بالحكم المباشر للمنطقة، أو باستعمالها كمحطة عبور نحو اليمن، الذي شكَّل هدفًا إستراتيجيًّا موضوعيًّا للأجندة التوسعية العثمانية في المنطقة العربية بالنظر إلى موقعه الجيوستراتيجي، الذي جعل منه هدفًا لمجموعة من الأطماع الاستعمارية.

لقد شكَّل اليمن منطقة عصية على الإخضاع، ومصدر إنهاك للقوات العثمانية التي اضطرَّت إلى إرسال تعزيزات عسكرية من أجل إنقاذ ماء الوجه، والعمل على بسط سيطرتها على اليمن بعدما فشلت في تثبيت سلطانها فيه، حيث “لم يتمكَّن العثمانيون من فرض نظامهم على اليمن، نتيجة للطابع القبَلي الذي أخذ بالمقاومة العنيفة للعثمانيين”.

وأمام هذه المقاومة اليمنية العنيفة عمل الباب العالي العثماني على إرسال حملات عسكرية إلى اليمن مرورًا بالحجاز، وهو المرور الذي شكَّل إحدى المحطات السوداء للتواجد العثماني في المنطقة، وهنا استغلَّ الجيش العثماني وجوده في جدة ومكة من أجل استباحة هذه المدن، والتنكيل بأهلها، وعدم مراعاة الرمزية القوية التي تشكِّلها مكة المكرمة، خاصة في اللاشعور الجماعي للمسلمين.

لقد احتوى مرور الأتراك بمكة المكرمة على أمرَين بارزَين؛ الأول: مرتبط بابتداعهم لبعض الأمور الحادثة على أهل مكة، والثانية: حملتهم الخبيثة على أهلها حين فعلوا بهم الأفاعيل، وحاولوا فرض المذهب الحنفي، وحول الأولى يذكر علي السنجاري بأن حيدر باشا دخل مكة سنة 1032ه (1623م) “فنُصِبت له دكة بالحرم، فصلَّى عليها، فأنكر عليه الملّا محمد فروخ، ورجَمَه بالحجارة، وتبِعَته العامة، ثم أثبت حيدر باشا عند القاضي بحضور الأئمة الأربعة ونائب المحكمة أنه إنما فعل ذلك لعُذر به”.

أما الثانية فقد دفع الحقد العقَدي بحيدر باشا إلى محاولة فصل أهل مكة عن مذهبهم الذي يتعبَّدون به، وهو ما أدَّى إلى مقتل الإمام عبد القادر الطبري، حيث “أرسل حيدر باشا إلى الوزير مصطفى السيوري ألَّا يباشر العيد إلّا خطيب حنفي، فتوجه الإمام عبد القادر إلى الوزير مصطفى السيوري… وراجَعَه في ذلك، فقال الوزير: نراجع الباشا، فرجع الإمام إلى منزله، ولما كان بعد صلاة المغرب أتى دار ولده وقد تأهَّب الناس، فجاءه الخبر بالمنع، فشهق شهقة كانت موتًا… فلما تحقَّق موته نُقِل إلى بيته”.

كذلك سارت حملات أحمد باشا الكرجي وقانصوه باشا على نهج حيدر باشا نفسه، حيث “أثارت هذه الحملات اضطرابات شديدة في جدة ومكة لم يشهد الحجاز مثيلًا لها، حيث كان قُوَّاد تلك الحملات يتدخَّلون في شؤون أشراف مكة، ويفرضون عليهم مطالب كثيرة ويَعزِلون، ويُعَيِّنون ويقتلون بعض موظَّفيهم، ونهب جنودهم أسواق ومنازل مكة وجدة عدة مَرَّات، وصادَروا تجار وأغنياء البلدتَين، وانتهكوا حُرمة الحرم وحُرمات الناس، ودخل أولئك القادة في صراعات مع أشراف مكة، فعيَّنوا بعضهم في شرافة مكة، وعزلوا وحارَبوا وقتلوا بعضهم الآخر”.

إن الإمعان في محاولة إذلال سُكَّان الحرم ومهبط الوحي كان له انعكاسان أساسيان؛ أولهما: افتضاح العقيدة العنصرية للأتراك العثمانيين حتى في تعامُلهم مع سكان مكة المكرمة، والانعكاس الثاني مرتبط بتشكُّل قاعدة مادية واعية بحقيقة الاستهدافات التي مصدرها الأتراك العثمانيون، وهي القاعدة المادية العربية التي لم يكن ينقصها إلّا قيادة استقلالية جسَّدَتها الدولة السعودية بعد أكثر من قرن على هذا التاريخ.

تعامل الأتراك مع أهالي مكة المكرَّمة بعقيدتهم العنصرية.

  1. عبد الملك العصامي، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي (القاهرة: المطبعة السلفية، د.ت).

 

  1. علي السنجاري: منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم، دراسة وتحقيق: ماجدة فيصل زكريا (مكة المكرمة: مركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، 1998).

 

  1. علي الطبري: الأرج المسكي في التاريخ المكي وتراجم الملوك والخلفاء، تحقيق: أشرف أحمد الجمّال (مكة المكرمة: المكتبة التجارية، 1996).

 

  1. عويضة الجهني، “السلطة العثمانية في الحجاز في أواسط القرن الـ 11/ 17 كما يعكسها عهد شريف مكة زيد بن محسن 1041ه/ 1632م- 1077ه/ 1666م”، عمّان، المجلة الأردنية للتاريخ، ج 2، عدد 2 (2008).