العثمانيون:
من عشيرة هاربة إلى دولة مقدسة
في كتاب قيام الدولة العثمانية الذي ألفه محمد فؤاد كوبريلي قدم نقدًا لعددٍ من الآراء المتعلقة بتأسيس الدولة العثمانية، وخاصة رأي جيبون الذي رأى أن عشيرة بني عثمان كانت عشيرة محدودة الأهمية، وأن إسلامها جاء متأخرًا. وقد دافع كوبريلي عن نقده لهذا الرأي، وعدّه قائمًا على أسس صحيحة، غير أن الملاحظة اللافتة هنا أن المؤرخين الأتراك يبالغون في اتهام جيبون بالمبالغة، بينما يتغافلون عن المبالغات الأسطورية التي صاغوا بها تاريخ دولتهم.
التاريخ العثماني المبكر بين الرواية والاختلاق.
وينسب كوبريلي مجيء أرطغرل وبنيه من أخلاط إلى دومنج إلى الطبيعة الإنسانية الفطرية في الهجرة والتنقل. وهذا تفسير مقبول من حيث الأصل؛ فالبشر يهاجرون عبر العصور لأسباب كثيرة؛ خوفًا من الحرب، أو طلبًا للأمن، أو بحثًا عن أرض ومورد. لكن الإشكال يبدأ حين بتكرر أصحاب الرواية العثمانية أن قدومهم إلى الأناضول كان بسبب ضغط المغول وفرارهم منهم، ثم يضيفون في الوقت نفسه أن هدفهم كان تحويل ديار الروم إلى دار الإسلام. فإذا كانت العشيرة قد خرجت هاربة من الغزو، فكيف جاءت إلى الأناضول وهي تنوي تحويل ديار الروم إلى دار الإسلام؟ فالهروب يعني البحث عن النجاة قبل التفكير في الفتح. فإذا كان السلاجقة هم الذين احتووا هذه العشيرة ومنحوها موضعًا ودورًا، فلماذا لا يُنسب إليهم الفضل الأكبر؟ ولماذا لا يذكرهم المؤرخون الأتراك إلا كخلفية باهتة، بينما يجعلون أرطغرل في مركز الحكاية، قائدًا خارقًا، محاطًا بالبطولة والكرامات؟.
المفاهيم تغيرت وتبدلت عند المؤرخين، ولا يظهر بينهم اتساق واضح؛ لأن الأخبار التاريخية غير موحدة في مصادرهم، وكل كاتب منهم يصوغ الرواية من زاويته الخاصة. غير أن الجامع بينهم هو الميل إلى إخراج التاريخ العثماني من أرض الواقع إلى فضاء الأسطورة، حتى تبدو الدولة وكأنها نشأت مكتملة، عالمية الرسالة، مقدسة القيادة. ومن خلال هذا البناء جرى تبرير البقاء في الأناضول، والحروب ضد السكان الأصليين، والاستحواذ على الأرض، مع رفع شأن أسرة بني عثمان فوق جميع القوى التي سبقتها أو عاصرتها. ويرى كوبريلي أن التركمان استغلوا ضعف السلاجقة واستطاعوا تشكيل إمارات في الأناضول. لكن هذا يفتح بابًا آخر من الاضطراب: هل كانت البداية إمارة واحدة انطلقت منها الدولة باسم العثمانيين، أم كانت إمارات متعددة ظهرت في سياق الضعف السلجوقي؟ إن هذا التردد يكشف حجم الثغرات في كتابة تاريخ التأسيس، حتى بدا أن المؤرخين العثمانيين لو أعادوا قراءة ما كتبوه بوعي مترابط لحذفوا ونقحوا كثيرًا مما دونوه.
ويذكر خليل إينالجك أن التوسع السريع في زمن عثمان، والفتح المفاجئ، والاستيطان السريع، لم يكن ممكنًا إلا بالسماح لبقاء بعض الطبقات والعائلات الرومية والصربية والألبانية في أراضيها، وكذلك إبقاء بعض الرموز والقوى العسكرية المحلية. وهذه الرواية، بدل أن تكون دليلًا على قوة العثمانيين، تكشف قلة عددهم وحاجتهم إلى السكان الأصليين. فلو كانوا بالفعل العشيرة الخارقة التي تنبأ بظهورها الصالحون والأولياء كما يُروَّج لها ببعدٍ صوفي، لما احتاجوا إلى كل هذا الاعتماد على من وجدوا في الأرض قبلهم.
ومن هنا يمكن القول إن الكرامات التي أحيطت ببداياتهم لم تكن إلا غطاءً لسد فراغ تاريخي. فحين تكون الوقائع محدودة، تُستدعى الأسطورة؛ وحين يغيب الدليل، تحضر الحكاية الدينية والرمزية لتمنح السلطة الناشئة هالة من القداسة. في كتاب ياوز بهادر أوغلو يرد أن أرطغرل قال ما معناه إن قدرهم خوض المعارك، ومساعدة المغلوب، وإن من الواجب مد يد العون للضعفاء. لكن السؤال هنا: إذا كان أرطغرل وجيشه بهذه القوة، فكيف نجمع بين هذه الصورة وبين روايات أخرى تصف قومه بأنهم فارون من وجه المغول، محتاجون إلى حماية السلاجقة، غير قادرين على الفتح والاستيطان إلا ببقاء السكان الأصليين حولهم؟. ثم من أين وصلت الأقوال المنسوبة إلى أرطغرل، وهو في كثير من الروايات أقرب إلى الشخصية الأسطورية منه إلى الشخصية التاريخية المكتملة الوثائق؟ إن تصويره قائدًا ناصرًا للضعفاء، ومغيثًا للمغلوبين، قد ينجح في الكتابة الدرامية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات حقيقة تاريخية.
وتستمر الرواية في تصوير أرطغرل بوصفه قائدًا إنسانيًا أوصى ابنه عثمان بألا يجبر أحدًا، وأن يمنح الأرقاء بعض الحقوق، وأن يعامل الناس برفق. وتقال هذه الصورة لتأكيد أن القرويين والفقراء وجدوا فيه أملًا، وأنهم التفوا حوله بسبب أخلاقه. غير أن هذا الطرح يثير أسئلة كثيرة: لماذا التركيز على القرويين تحديدًا؟ هل الغرض إثبات إنسانيته وجعل التفاف الناس حوله أمرًا أخلاقيًا خالصًا؟ وإذا كانت هذه الإنسانية هي روح المشروع، فكيف نفسر ما عرف لاحقًا من قسوة عسكرية، وخاصة في نماذج كالانكشارية، التي قامت على العنف والانضباط والولاء القسري؟. وفي تصوير وصول أرطغرل إلى سوغوت، نجد أن الرواية تبلغ ذروة الرمزية الدينية، بتصوير مشهد ديني، كأن النص يريد أن يمنح قدوم أرطغرل معنى دينيًا شبيهًا بحدث إسلامي كبير. وهذا ليس أمرًا عابرًا؛ فالتاريخ العثماني كثيرًا ما رُبط برموز روحانية ودينية تستثير العاطفة، لكنها في الوقت نفسه تزيح الحقائق أو تغطي عليها.
يبلغ هذا البناء الرمزي مداه حين يقال إن البذرة أصبحت في التراب، وإن الوقت قد حان لتنمو الشجرة وتكبر. إنها كتابة درامية، لكنها غير مقنعة تاريخيًا. فقيام الدول لا يُفسر بالكرامات والأشجار، بل بالسياسة والقوة والتحالفات والفرص التاريخية. ومن الأساليب التي اعتمدتها بعض الكتابات العثمانية ربط بني عثمان بسلاسل تاريخية وأسر سياسية وعسكرية سابقة، مثل سلاجقة الروم، وقادة التصدي للحملات الصليبية. والهدف من ذلك خلق صلات واسعة، وإلحاق بني عثمان بتاريخ أكبر من بدايتهم الفعلية، وإعطاء الأسرة العثمانية نسبًا سياسيًا ومعنويًا يرفع من شأنها. غير أن هذا النوع من الحشو التاريخي يحتاج إلى تحقيق، لا إلى قبول سريع.
إن جوهر المشكلة في كتابة تاريخ التأسيس العثماني هو غلبة الأسطورة على التحقيق. فمرة تظهر العشيرة هاربة ضعيفة، ومرة تظهر صاحبة رسالة كبرى. مرة تكون محتاجة إلى السلاجقة والسكان الأصليين، ومرة تُرسم كقوة فاتحة خارقة. ومرة يُقال إن توسعها كان بفعل الضرورة والتحالف، ومرة يُجعل نتيجة كرامات وتنبؤات ومشاهد روحانية. لذلك، فإن قراءة الرمزية الدينية عند آل عثمان تكشف محاولة واضحة لصناعة بداية مشرفة تناسب الإمبراطورية التي ظهرت لاحقًا. فالدولة حين تكبر لا ترضى غالبًا ببداية عادية، بل تبحث عن أصل مقدس، ونسب عظيم، ورسالة كبرى. ومن هنا جرى تحويل الهجرة إلى فتح، والضعف إلى اصطفاء، والحاجة إلى السكان الأصليين إلى تسامح، والصراع على الأرض إلى جهاد. والخلاصة أن تاريخ آل عثمان في بداياته يحتاج إلى قراءة نقدية تفصل بين الحدث والرواية، وبين السياسة والقداسة، وبين التاريخ والدراما. فليس كل ما كُتب عن أرطغرل وعثمان تاريخًا موثقًا، وليس كل ما أحيط بهما من رموز دينية دليلًا على حقيقة ثابتة. إن كثيرًا من هذه الروايات يبدو أقرب إلى صناعة الذاكرة منه إلى تدوين التاريخ، وأقرب إلى تبرير صعود بني عثمان من تفسيره تفسيرًا موضوعيًا.
- أحمد كوندز وسعيد أوتوتوك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العثمانية، 2014).
- ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها (بيروت: المدار الإسلامي، 2007).
- محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العليَّة العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، ط2 (بيروت: دار النفائس، 1983).
- ياوز بهادر أوغلوا، مرحبًا سوغوت: قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية، ترجمة: مصطفى حمزة ومحمد حمزة (بيروت: مكتبة المعارف، 2017).