بيعة القبور:

وصية أرطغرل لعثمان؟

في مشهد من مسلسل تركي، يلتقي أرطغرل بابنه عثمان عند قبر والدته. ولم يكن اختيار المقبرة اعتباطيًا؛ فالمكان يجمع بين رهبة الموت، وحرمة الأم، ووصية الأب، ويمنح الحوار شحنة عاطفية وروحية شديدة التأثير. يبدأ المشهد بطلب الغازي عبد الرحمن من عثمان الذهاب إلى والده، فيغضب عثمان أولًا، قبل أن تُستعمل عبارات توحي بأن أرطغرل يشعر بقرب أجله. وعندما يصل عثمان إلى القبر، يتحول الحوار إلى ما يشبه مراسم أخذ العهد؛ فيتعهد بأن يكون ملجأ للمظلوم، ومأوى للمسكين، وأن يجعل العدل حاكمًا في دولته. ويتأثر أرطغرل بكلامه، ثم يقول له: “إن اسمك يا عثمان لن يُمحى ما بقيت هذه السماء”، كما يتعهد عثمان بالمحافظة على العُرف. يجمع المشهد في لحظات قليلة سلطة الأب، وقداسة الموت، ووعد العدالة، والمحافظة على الموروث القبلي، والبشارة ببقاء اسم عثمان. وهكذا أصبحت المقبرة مسرحًا رمزيًا لولادة الدولة.

العهد والعُرف والشيخ: تفكيك المشهد المؤسس في "قيامة عثمان".

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما المصدر الذي وثق هذا اللقاء؟ ومن نقل هذا الحوار بهذه التفاصيل؟ وهل توجد رواية معاصرة لأرطغرل أو عثمان تثبت وقوعه؟. المشهد لا يمكن أن يكون محل وثيقة تاريخية. هل كان أرطغرل شخصية تاريخية؟، السؤال ليس فقط: هل وُجد أرطغرل؟ بل: ما مقدار ما نعرفه عنه بصورة مؤكدة؟. حتى مع التسليم بوجود شخصية تاريخية بهذا الاسم، بوصفها زعيمًا قبليًا ارتبطت به بدايات الأسرة العثمانية، تبقى المسافة واسعة بين هذا الوجود المحدود وبين السيرة الكاملة التي قدمتها المسلسلات والكتابات التمجيدية. فالمعلومات المبكرة عن أرطغرل قليلة، في حين ظهرت الروايات المفصلة عن وصاياه وحواراته وعلاقاته بالشيوخ بعد توسع الدولة العثمانية بزمن طويل. وكأن الإمبراطورية، بعدما أصبحت قوة كبرى، عادت إلى بداياتها وصنعت لمؤسسها ووالده سيرة تناسب حجمها اللاحق. لذلك فإن إثبات وجود أرطغرل لا يثبت بالضرورة كل ما نُسب إليه من أقوال ووصايا ومواقف روحية، وإثبات الشخصية شيء، وإثبات تفاصيل حياتها شيء آخر.

أحاطت بعض الكتابات المتأخرة عثمان بن أرطغرل بصورة من الاصطفاء والقداسة منذ ولادته. وتربط روايات متداولة مولده بسقوط بغداد سنة 656هـ/1258م على يد هولاكو، لتجعل من ولادته جوابًا قدريًا عن ضعف العالم الإسلامي. وينقل بعض الكتّاب، معنى مفاده أن بغداد سقطت في اليوم الذي وُلد فيه عثمان، وأن المغول والأوروبيين لم يعلموا أن هذا الطفل سيبعث الروح في الأمة، ويجدد الدين، ويؤسس دولة تصبح من أقوى دول عصرها. لكن هذه الصياغة لا تقوم على خبر تاريخي دقيق، بل على قراءة الماضي من خلال نتائجه. فالكاتب يعرف أن الدولة العثمانية ستظهر لاحقًا، ثم يعود إلى لحظة ميلاد عثمان ليمنحها معنى لم يكن معروفًا في زمنها.

وهنا تُطرح أسئلة بسيطة: ما المصدر المعاصر للحدث الذي حدد يوم ولادة عثمان؟ وكيف ثبت أنه وُلد في اليوم نفسه الذي دخل فيه هولاكو بغداد؟ وكيف تحول ميلاد طفل في بيئة قبلية مضطربة إلى بشارة بإنقاذ الأمة؟. إنها لغة روائية ومناقبية أكثر منها كتابة تاريخية.

استُعمل في الدراما التركية عنوان قيامة أرطغرل أو بطريقة تحمل دلالة تتجاوز مجرد النهوض السياسي. فكلمة القيامة ترتبط في الوعي الديني بالبعث بعد الموت، وعندما تُطلق على زعيم قبلي فإنها تقدمه بوصفه بداية نهضة شاملة، ثم يأتي عثمان ليكمل هذا البعث ويقيم الدولة. وقد استعمل محمد خليف الثنيان هذا التعبير في عنوان كتابه قيامة أرطغرل: من القبيلة إلى الدولة، متأثرًا بالخطاب الدرامي الذي قدم أرطغرل بوصفه صاحب رسالة تاريخية كبرى. كذلك يُستعمل مصطلح الإمبراطورية في بعض الكتابات وكأنه وصف أخلاقي يدعو إلى الفخر، مع أن الإمبراطورية في حقيقتها بنية سياسية توسعية تقوم على إخضاع أقاليم وشعوب متعددة، ولا تنفصل عادة عن القوة العسكرية والحصار والضرائب والدماء. وصف الدولة العثمانية بالإمبراطورية صحيح من الناحية السياسية، لكنه ليس دليلًا بذاته على عدلها أو قداسة مشروعها. فلا يجوز إدانة عنف هولاكو لأنه خصم، ثم تبرئة العنف نفسه عندما يصدر عن دولة يتعاطف معها الكاتب.

تربط بعض الروايات تولي عثمان الزعامة بوفاة والده أرطغرل، وتقول إنه حصل على تأييد الأمير السلجوقي علاء الدين، الذي سمح له بالاحتفاظ بالأراضي التي يفتحها، ومنحه حق ضرب العملة. وتؤدي هذه الرواية وظيفة سياسية واضحة؛ فهي تمنح السلطة الجديدة شرعية من سلطة أقدم منها. وكأن الدولة العثمانية لا تستطيع أن تبدأ إلا بعد أن تسلمها الدولة السلجوقية ختم الاعتراف. ويتكرر النموذج نفسه في قصة انتقال السلطنة إلى سليم الأول بعد احتلاله مصر. فقد صورت بعض الروايات الأمر على أنه تنازل طوعي من الخليفة العباسي الأخير، بينما تشير روايات أخرى إلى نقله إلى إسطنبول ووضعه تحت رقابة السلطة العثمانية. في الحالتين تقوم السلطة الصاعدة بإعادة صياغة انتقال الحكم بطريقة تجعله شرعيًا وطوعيًا، وتقلل من حضور القوة والإكراه في تأسيس النظام الجديد.

وتصف بعض الكتابات عثمان بأنه كان متجردًا تمامًا من المصالح الدنيوية، وأن فتوحاته لم تكن من أجل الأرض أو السلطة أو المكاسب الاقتصادية، بل لنشر الإسلام وحده. وتنقل هذه الكتابات عن أحمد رفيق وغيره أن عثمان لم يؤسس دولته حبًا في الحكم، وأن وظيفته الوحيدة في الحياة كانت الجهاد وإعلاء كلمة الله. قد يكون عثمان متدينًا، وقد يكون للدين دور حقيقي في مشروعه، لكن التاريخ لا يكتفي بإمكان الصفة، بل يحتاج إلى دليل عليها. فكيف عُرفت نيات عثمان الباطنة بعد قرون؟ وهل يمكن فصل الدين تمامًا عن المصالح العسكرية والاقتصادية والقبلية في حروب ذلك العصر؟. المشهد الدرامي نفسه يكشف عن صورة أكثر تركيبًا، إذ يتعهد عثمان بالمحافظة على العُرف، وتتكرر الإشارات إلى حماية القبيلة، وتوسيع السلطان، وإخضاع الخصوم. وهذا يدل على تداخل الدين بالقبيلة، والعرف بالسياسة، والجهاد بالتوسع. أما تحويل عثمان إلى رجل لا يريد سلطة ولا أرضًا ولا نفوذًا، فهو أقرب إلى كتابة المناقب منه إلى التاريخ.

ومن الروايات المتداولة أن أرطغرل أوصى ابنه عثمان بالشيخ إده بالي، وأنه عهد إليه بتعليمه وتربيته روحيًا. كما قيل إن إده بالي كان صديقًا مقربًا من أرطغرل، وإنه من نسل بني تميم. لكن هذه الروايات تفتح بابًا واسعًا من الأسئلة: ما المصدر المبكر الذي أثبت نسب إده بالي؟ ومن أول من سجل صداقته بأرطغرل؟ وما اللغة التي كانت تدور بها حواراتهما؟ وهل توجد وثائق معاصرة تثبت أن أرطغرل عهد بابنه إليه؟. إمكان أن يكون الشيخ من أصل عربي ويتحدث التركية أو الفارسية أمر وارد، لكن الإمكان لا يكفي لإثبات الرواية. والمشكلة أن التفاصيل تقدم بثقة كبيرة، بينما يصعب العثور على مصدر مبكر يوازي هذه الدقة. وينسب إلى أرطغرل نص مشهور يوصي فيه عثمان بالشيخ إده بالي، وجاء فيه: “يا بني، اكسر خاطري ولا تكسر خاطر الشيخ إده بالي، فهو نور قبيلتنا، وميزانه لا يختل مقدار درهم. خالفني ولا تخالفه؛ فإن خالفتني حزنت، أما إن خالفته فلن تنظر إليك عيناي، وإن نظرتا فلن ترياك. واجعل كلماتي هذه وصية لك”. ويقال إن جزءًا من هذا النص مكتوب عند القبر المنسوب إلى أرطغرل. لكن وجود الوصية عند الضريح لا يثبت أن أرطغرل قالها؛ فالنقوش التذكارية قد تعبر عن ذاكرة صنعتها أجيال لاحقة، لا عن وثيقة معاصرة لصاحب القبر. النقش يثبت أن هناك من أراد تخليد الرواية، لا أنه يثبت صحتها.

ولا يظهر إده بالي في الرواية العثمانية شيخًا عاديًا، بل وليًا يمنح الأسرة الحاكمة شرعية روحية. فأرطغرل يوصي به، وعثمان يتعلم منه ويتزوج ابنته رابعة بالا خاتون، ثم ترتبط به رواية الحلم والشجرة التي بشرت بقيام الدولة. وبذلك تتشكل حلقة متكاملة: زعيم قبلي، وشيخ ولي، ومصاهرة، ووصية، ورؤيا، ثم دولة. ويرتبط بهذه البيئة اسم أخي إفران، المعروف أيضًا بنصر الدين محمود الخوئي، والذي تنسب إليه جماعة الآخية في الأناضول. وقد جمعت هذه الجماعات بين النشاط المهني والاجتماعي والديني، وأصبحت جزءًا مؤثرًا في مدن الأناضول خلال أواخر عصر السلاجقة. لكن وجود جماعة الآخية لا يثبت تلقائيًا وجود علاقة مباشرة بينها وبين عثمان أو أرطغرل أو إده بالي. فالتقارب الزمني والمكاني لا يكفي لإثبات لقاءات وعلاقات شخصية. ومع ذلك، أسهمت صورة الشيوخ والأولياء والآخية في تقديم عثمان بوصفه قائدًا يحظى بقبول ديني وروحي، لا مجرد زعيم قبلي نجح في صراعات الأناضول.

قوة الدراما التاريخية أنها تقدم للمشاهد عالمًا مكتملًا من الوجوه والمقابر والدموع والوصايا والسيوف، من دون أن تطلب منه قراءة المصادر أو مقارنة الروايات. ومع التكرار، يظن المشاهد أنه رأى أرطغرل يوصي عثمان، وسمع عثمان يتعهد بإقامة العدل، وشهد انتقال السلطة. لكنه في الحقيقة رأى معالجة فنية كتبها مؤلف معاصر، وأداها ممثلون، وصيغت وفق أهداف ثقافية وسياسية معاصرة. وهنا تظهر وظيفة القوة الناعمة؛ فبدل أن تُفرض الرواية على الجمهور بالقوة، تقدم له في صورة جذابة ومؤثرة. وعندما يتعلق المشاهد بالشخصيات، يصبح أكثر استعدادًا لقبول رؤيتها للتاريخ. وقد أصبح استدعاء شخصيات أرطغرل وعثمان وإده بالي وجماعات الآخية جزءًا من خطاب الهوية في تركيا المعاصرة.

إن أخطر ما تصنعه الدراما ليس اختراع مشهد واحد، بل إقناع الجمهور بأن المشهد هو التاريخ نفسه. وعندها تتحول المقبرة إلى منصة سياسية، والوصية إلى بيعة، والزعيم القبلي إلى مخلّص، والرواية المتأخرة إلى حقيقة لا تقبل النقد. أما البحث التاريخي الجاد، فيميز دائمًا بين ما ثبت وما رُوي، وبين الشخصية التاريخية والصورة التي صنعتها الدولة عنها.

  1. عثمان توران، الأناضول في عهد السلاجقة (الرياض: د.ن، 1997).

 

  1. محمد خليف الثنيان، قيامة أرطغرل من القبيلة الى الدولة (عمَّان: دار الفتح، 2017).

 

  1. ياوز بهادر أوغلو، مرحبا سوغوت، تعريب: مصطفى حمزة و محمد حمزة (بيروت: شركة دار مكتبة المعارف، 2017).