الأسطورة والوثيقة التاريخية
في نشأة الدولة العثمانية
لا تكمن مشكلة تاريخ نشأة الدولة العثمانية في قلة ما كُتب عنها فحسب، بل في أن جانبًا كبيرًا مما كُتب جاء متأخرًا عنها، واختلطت فيه الوقائع بالروايات الشفوية، والحوادث التاريخية بالأساطير المصطنعة، ولهذا تبدو البدايات العثمانية، كلما أُمعن النظر فيها، مجالًا مفتوحًا للاختلاف والتأويل أكثر من كونها قصة تاريخية مكتملة الأركان. ولم تنجح الدراما التركية الحديثة في إزالة هذا الغموض، بل أسهمت في تكريس سردية عاطفية، بُنيت على البطولة الخارقة والرومانسية الدينية والمواجهة الدائمة بين الخير والشر. وقد نُسبت بطولات ومواقف وأحداث إلى شخصيات لا تسندها أدلة تاريخية كافية، كما رُسمت صورة دينية مكتملة لجماعات وقبائل لا تجزم المصادر المبكرة بطبيعة تدينها أو تكوينها الفكري والاجتماعي.
لقد حاول أنصار السردية العثمانية الحديثة سد فراغات التاريخ بحكايات لا تستند إلى مصادر، فضلًا عن غياب ما يؤيدها في كثير من المصادر الأجنبية. بل إن المصادر البيزنطية الموازية تقدم صورة مختلفة عن تلك التي تبنتها الروايات العثمانية المتأخرة. أما الحقيقة التي يصعب تجاهلها، فهي أن الجماعات التركية التي وصلت إلى الأناضول قادمة من أواسط آسيا وجدت أمامها أرضًا مضطربة، وسلطات محلية ضعيفة، وحدودًا رخوة، وصراعات لا تكاد تنتهي. وفي هذه البيئة وجدت الجماعة التي عُرفت لاحقًا بالعثمانيين فرصتها التاريخية: مراعٍ واسعة، ومدن متنازَع عليها، ودولة سلجوقية تتآكل، وإمبراطورية بيزنطية عاجزة عن حماية أطرافها.
ولا يقتصر الخلاف على تفاصيل النشأة، بل يمتد إلى تقييم التجربة العثمانية نفسها، حيث اختلفت آراء المؤرخين في تقييمهم للدولة العثمانية؛ فمنهم من اعتبرها دولة إمبريالية فرضت سيطرتها على العالم العربي، وكانت سببًا في تخلفه عن ركب الحضارة، بينما ذهب آخرون إلى أنها ظهرت في الوقت المناسب لتملأ فراغًا سياسيًا، وهذا الاختلاف لا ينفصل عن الغموض الذي أحاط بولادتها؛ إذ إن كل اتجاه أعاد قراءة البدايات بما ينسجم مع موقفه من التاريخ العثماني كله.
روايات البداية اعتراها كثير من الاضطراب وقليل من الحقائق.
لم تظهر إمارة العثمانية في منطقة مستقرة، ولم تقم فوق أرض تحكمها سلطة قوية ومتماسكة، لقد نشأت في الأناضول، حيث كانت الصراعات بين السلاجقة والبيزنطيين والمغول والإمارات المحلية قد استنزفت القوى الكبرى، وفتحت مساحات واسعة أمام الجماعات القبلية والعسكرية الباحثة عن موطن ونفوذ. وبحسب رواية أوردها عمر الإسكندري وسليم حسن في كتابهما: تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر، وصلت جماعة تركية قادمة من أواسط آسيا إلى أرض يتنازعها جيشان: أحدهما بيزنطي والآخر سلجوقي. وعندما بدا أن الجيش السلجوقي يوشك على الهزيمة، انضمت إليه هذه الجماعة وأسهمت في ترجيح كفته. ومن هذه الحادثة تبدأ الرواية التقليدية عن أرطغرل، والد عثمان، والتي جعلت من تدخله العسكري إلى جانب السلاجقة نقطة التحول الأولى في تاريخ أسرته وقبيلته. لكن هذه القصة، على شهرتها، تظل واحدة من الروايات التي نُقلت في مصادر متأخرة، ولا تتوافر لها شواهد معاصرة بالقدر الذي يسمح بتحويلها إلى حقيقة تاريخية قطعية. ومع ذلك، فإن المعنى السياسي الذي تحمله الرواية ينسجم مع طبيعة المرحلة: جماعات حدودية مسلحة تعرض خدماتها على سلطة أضعفها الصراع، فتحصل في المقابل على الأرض وحق الإقامة والحركة، ثم تتحول تدريجيًا من جماعة تابعة إلى قوة محلية مستقلة.
وتقول الرواية التقليدية إن السلطان السلجوقي علاء الدين قدّر مساعدة أرطغرل وقبيلته في القتال ضد البيزنطيين، فكافأه بإقطاع أرض على تخوم الدولة البيزنطية، بالقرب من إسكي شهر وبروسة. وأصبحت تلك المنطقة، وفق هذه الرواية، المهد الذي نشأت فيه الإمارة العثمانية، وفيها ظهر عثمان بن أرطغرل، الذي حملت الدولة اسمه لاحقًا. غير أن أهمية هذه الرواية تكشف عن العلاقة بين السلاجقة والجماعات التركية الحدودية. فالسلطة السلجوقية، التي كانت تعاني ضغط المغول من الشرق وتهديد البيزنطيين من الغرب، احتاجت إلى مقاتلين يحرسون التخوم. أما تلك الجماعات فكانت تحتاج إلى الأرض والغطاء السياسي والفرصة التي تتيح لها تأسيس نفوذ مستقل. كانت العلاقة، في جوهرها، تبادلًا للمصالح، استخدم السلاجقة القبائل التركية قوةً عسكرية على الحدود، بينما استخدمت القبائل ضعف السلاجقة بوابةً للحصول على الأرض والشرعية. وعندما زالت السلطة المركزية أو تراجعت، بقيت الجماعات التي استقرت على الأرض وتحولت إلى إمارات مستقلة. من هنا، لا يمكن تفسير نشأة الدولة العثمانية بوصفها نتيجة بطولة فردية أو معركة حاسمة واحدة، وإنما باعتبارها حصيلة تراكم طويل من التحالفات والفرص والصراعات والانهيارات السياسية.
كان الاقتتال الذي عصف بالسلاجقة من أهم العوامل التي أخرجتهم من التاريخ السياسي للأناضول، وفتح الطريق أمام الإمارات التركية التي نشأت على أنقاض دولتهم. وفي مقدمة هذه الإمارات جاءت إمارة عثمان، التي امتلكت موقعًا حدوديًا أتاح لها التوسع على حساب الأراضي البيزنطية. ويشرح كتاب تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر هذه المرحلة بالقول إنه في سنة 699ه (1300م) قضى المغول على ما تبقى من الدولة السلجوقية، لكنهم لم يتمكنوا من حكم الأناضول بأنفسهم، فظهرت واستقلت مجموعة من الإمارات التركية، كانت إمارة عثمان واحدة منها. وبحسب الكتاب، اعتُبر عثمان منذ ذلك الوقت مؤسس الدولة العثمانية وأول حكامها المستقلين. ثم أخذ ينظم أملاكه ويتوسع غربًا على حساب الدولة البيزنطية، بينما اندمجت الإمارات التركية الأخرى في الإمارة العثمانية على مراحل لاحقة. ولم يكن عثمان أقوى أمراء الأناضول عند ظهوره، كما لم تكن إمارته أوسع الإمارات أو أغناها. إلا أن موقعها الحدودي منحها ميزة لم تتوافر لعدد من الإمارات الأخرى. فقد كانت تواجه أراضي بيزنطية ضعيفة ومفككة، بدلًا من الدخول المباشر في صراعات استنزاف مع الإمارات التركية الأقوى.
هنا عمل العثمانيون على اختيار اتجاه التوسع الأقل كلفة والأكثر فائدة، فقد توسعوا غربًا في مناطق بيزنطية التي تتراجع فيها سلطة الدولة، واستفادوا من الخصومات المحلية، وجذبوا المقاتلين الباحثين عن الغنائم والأرض، ثم حوّلوا الانتصارات الصغيرة إلى قاعدة لتوسع أكبر. وقبل وفاة عثمان، تمكن ابنه أورخان من فتح مدينة بروسة بعد حصار طويل، فاتخذها عاصمة للإمارة. وكان سقوط بروسة تحولًا مهمًا؛ إذ انتقلت الجماعة العثمانية من طور الإمارة الحدودية المتحركة إلى طور الدولة التي تمتلك مدينة كبرى، وموارد ثابتة، وإدارة أكثر استقرارًا.
نجح العثمانيون نتيجة مجموعة من العوامل التي سرعت قيام إمارتهم، من بينها غلبة العنصر التركي في المنطقة الحدودية مع الدولة البيزنطية، وضعف الإمارات التركية الأخرى وتناحرها، وانشغال البيزنطيين بحروبهم وصراعاتهم في البلقان، إلى جانب انقسام العالم الإسلامي إلى دويلات متنافسة. ووضعت هذه العوامل النشأة العثمانية في إطارها التاريخي الحقيقي. فلم تكن الدولة ثمرة عبقرية رجل واحد، ولا نتيجة سلسلة من المعجزات والانتصارات الخارقة، بل كانت نتاج بيئة إقليمية انهارت فيها مراكز القوة التقليدية. كان السلاجقة يتفككون، والمغول يفرضون نفوذًا لا يستطيعون تحويله إلى حكم مباشر مستقر، والبيزنطيون يخسرون أطراف دولتهم، والإمارات التركية تتقاتل فيما بينها. وفي قلب هذا المشهد ظهرت إمارة صغيرة تمتلك موقعًا مناسبًا وقيادة قادرة على استثمار الفرص.
لقد نجح العثمانيون لأن خصومهم لم يكونوا في أفضل أحوالهم، ولأنهم عرفوا كيف يتحركون بين القوى المتصارعة من دون أن يدخلوا منذ البداية في مواجهة تفوق قدرتهم. تحالفوا حين كان التحالف مفيدًا، وقاتلوا حين أصبح القتال ممكنًا، واستفادوا من الانقسامات الداخلية في المدن والإمارات المحيطة بهم. لم يكن صعودهم نتيجة الشجاعة وحدها، بل نتيجة مزيج من الجرأة العسكرية والمرونة السياسية والانتهازية التاريخية. وهذه الانتهازية ليست استثناءً في تاريخ الدول؛ فالدول الناشئة لا تصنع الظروف دائمًا، لكنها تنجح عندما تكون أقدر من غيرها على استغلالها.
مشكلة الرواية العثمانية المتأخرة أعادت بناء هذه المرحلة بلغة البطولة والقداسة. فبدلًا من تقديم النشأة بوصفها عملية سياسية وعسكرية معقدة، صُورت على أنها مسيرة واضحة الأهداف منذ بدايتها، يقودها رجال يحملون مشروعًا إمبراطوريًا ودينيًا مكتملًا. وأُلبست الشخصيات الأولى صفات القادة المؤسسين كما تصورتهم الأجيال اللاحقة، لا كما تسمح الأدلة التاريخية المبكرة برؤيتهم. فتحول أرطغرل إلى بطل متكامل، وعثمان إلى قائد يحمل منذ أيامه الأولى تصورًا واضحًا لدولة كبرى، وتحولت الحوادث المتفرقة إلى حلقات مترابطة في مشروع تاريخي محسوم النهاية. لكن الدول لا تبدأ وهي تعرف ما ستصبح عليه بعد قرون. لم يكن في وسع عثمان أو رجال إمارته الصغيرة أن يتنبؤوا بأن هذه الإمارة ستعبر لاحقًا إلى أوروبا، وتسقط القسطنطينية، وتحكم مساحات واسعة من آسيا وأفريقيا والبلقان. لقد كان هدفهم المباشر أكثر بساطة: البقاء، وحماية الأرض، وتوسيع النفوذ، والحصول على موارد جديدة.
أما تحويل هذه التحركات المحدودة إلى مشروع عقائدي متكامل منذ اللحظة الأولى، فهو جزء من صناعة الذاكرة السياسية التي تلجأ إليها الدول بعد استقرارها. فكل دولة كبرى تحتاج إلى قصة تأسيس، وكل سلالة حاكمة تسعى إلى تقديم بدايتها بوصفها لحظة استثنائية تحمل بذور عظمتها اللاحقة. وهنا تكمن خطورة الخلط بين التاريخ والدراما. فالعمل الدرامي لا يبحث بالضرورة عن الحقيقة، بل عن قصة قادرة على جذب الجمهور. وحين تكون الوثائق قليلة، تصبح المساحة المتاحة للخيال واسعة، ويتحول الاحتمال إلى واقعة، والرواية المتأخرة إلى شهادة معاصرة، والشخصية الغامضة إلى بطل يعرف المشاهد أدق تفاصيل حياته وحواراته ومواقفه.
لقد كان الفراغ السياسي والعسكري في الأناضول العامل الحاسم في ظهور الإمارة العثمانية. فالصراع المستمر بين السلاجقة والبيزنطيين والمغول، إلى جانب تناحر الإمارات المحلية، أنهك الجميع وخلق مساحة لقوة جديدة لم تكن في البداية الأشد بأسًا، لكنها كانت الأكثر قدرة على البقاء والتوسع. لم يصنع العثمانيون هذا الفراغ، لكنهم كانوا من أبرز المستفيدين منه. صعدوا فوق أنقاض قوى أقدم منهم، واستثمروا ضعفها، ثم استوعبوا بقاياها البشرية والعسكرية والإدارية، وكلما سقطت مدينة أو ضعفت إمارة، توسعت المساحة التي يمكن للدولة الناشئة أن تتحرك داخلها. وبهذا المعنى، لم تنشأ الدولة العثمانية في فراغ، بل نشأت من الفراغ نفسه، من غياب السلطة القادرة، ومن اهتزاز الحدود، ومن تفكك الدول التي سبقتها، ومن حاجة السكان والمقاتلين إلى قوة جديدة توفر قدرًا من الأمن والاستقرار. وبقليل من القوة في البداية، وكثير من المرونة والقدرة على استثمار اللحظة، تحولت إمارة عثمان من كيان حدودي محدود إلى دولة أخذت تبتلع منافسيها واحدًا بعد آخر، أما الصورة التي جعلت من هذا الصعود سلسلة من البطولات النقية والخوارق المتتابعة، فهي صورة صنعتها الروايات اللاحقة ورسختها الأعمال الدرامية الحديثة. ومهما حاولت السرديات القومية والدراما الحديثة سد الفراغات بالحكايات، فإن التاريخ لا يُقاس بمدى إثارة الرواية، بل بقوة الوثيقة وقربها من الحدث. وفي تاريخ نشأة الدولة العثمانية بقيت الوثائق قليلة، بينما تكاثرت الروايات؛ ولهذا ظل الاضطراب واسعًا، وظلت الحقائق أقل بكثير مما توحي به الشاشات والكتب المتأخرة.
- أحمد كوندز وسعيد أوتوتوك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العثمانية، 2014).
- ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها (بيروت: المدار الإسلامي، 2007).
- عمر الإسكندري وسليم حسن، تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر (القاهرة: مكتبة هنداوي، 2014).
- محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العليَّة العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، ط2 (بيروت: دار النفائس، 1983).
- ياوز بهادر أوغلوا، مرحبًا سوغوت: قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية، ترجمة: مصطفى حمزة ومحمد حمزة (بيروت: مكتبة المعارف، 2017).
النفوذ التركي والتوسع الإمبراطوري
قراءة نقدية من العصر العباسي إلى الدولة العثمانية
ليس على أيِّ حال أن تكون التقسيمات التاريخية بريئة دائمًا، ولا تقتصر وظيفتها على ترتيب الأحداث وتسهيل دراستها، بل قد تتحول مع مرور الزمن إلى قوالب فكرية تُفرض على الوقائع، حتى يبدو التاريخ وكأنه جرى وفق الحدود التي رسمها المؤرخون بعد قرون من وقوعه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تقسيم التاريخ العباسي إلى عصور ذات صبغة عرقية، عصر فارسي، وعصر تركي، ثم بويهي، فسلجوقي.
للأسف أنها تربت أجيال من دارسي التاريخ على هذه التقسيمات، حتى غدت في الوعي العام حقائق نهائية لا تقبل النقاش، مع أنها في أصلها اجتهادات مدرسية وضعها مؤرخون لتفسير تحولات النفوذ داخل الدولة، ثم توسعت دلالاتها حتى أوحت بأن الخلافة العباسية فقدت وجودها، وأن عناصر غير عربية حلت محلها بصورة كاملة. إن وجود نفوذ فارسي في مرحلة، أو ازدياد حضور القادة الأتراك في مرحلة أخرى، لا يعني بالضرورة أن الدولة العباسية أصبحت دولة فارسية أو تركية. فهناك فارق كبير بين المشاركة في إدارة الدولة، وبين امتلاك الدولة والسيادة عليها؛ كما أن اتساع نفوذ قائد أو جماعة داخل مؤسسة الحكم لا يكفي وحده للقول إن هوية الدولة قد تبدلت أو إن سلطتها المركزية قد اختفت.
لقد مرت الخلافة العباسية بمراحل قوة وضعف، واتسعت رقعتها إلى درجة جعلت من الطبيعي أن تستعين بأبناء الشعوب والأقاليم التي دخلت في سلطانها. وكان هذا التنوع نتيجة مباشرة لانتشار الإسلام واتساع الدولة، لا دليلًا تلقائيًا على زوال العنصر العربي أو انتهاء الدور العباسي. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا جرى تضخيم النفوذ التركي، وتصويره أحيانًا على أنه القوة التي أنقذت الدولة العباسية وحافظت على بقائها، بينما جرى في المقابل التقليل من شأن الخلفاء العباسيين ومؤسسات دولتهم وقادتها العرب؟.
أطلق عدد من المؤرخين على المرحلة التي تصاعد فيها نفوذ القادة الأتراك اسم العصر العباسي الثاني أو عصر النفوذ التركي. وقد أدى شيوع هذا المصطلح إلى ترسيخ تصور مفاده أن الأتراك أصبحوا أصحاب الدولة الفعليين، وأن الخلفاء العباسيين لم يعودوا سوى واجهات شكلية خاضعة لسلطة الجند. ولا شك أن نفوذ القادة الأتراك ازداد في فترات معينة، وأن بعضهم تمكن من التدخل في تعيين الخلفاء وعزلهم، بل شارك بعضهم في أعمال عنف وصراعات داخلية أضعفت هيبة الخلافة. غير أن هذا لا يبرر تحويل مرحلة كاملة من التاريخ العباسي إلى عصر قومي تركي، لأن الدولة لم تتخلَّ رسميًا عن هويتها العباسية، ولم تنتقل شرعيتها إلى بيت تركي حاكم.
من سامراء إلى إسطنبول: كيف صُنعت سردية الهيمنة التركية؟
بقي الخليفة العباسي رأس الدولة وصاحب الشرعية العليا، وإن تفاوتت قدرته الفعلية من مرحلة إلى أخرى. كما ظلت مؤسسات الدولة قائمة، واستمر العنصر العربي في الإدارة والقضاء والعلم والقيادة والمجتمع، إلى جانب العناصر الفارسية والتركية وغيرها. وإن ضعف الخليفة في بعض العهود لا يعني زوال الخلافة، كما أن قوة أحد القادة لا تعني انتقال السيادة إليه. وليس كل نفوذ حكمًا، ولا كل لقب سلطنة مستقلة، ولا كل تدخل عسكري تأسيسًا لدولة جديدة. الأدق، إذن، أن توصف تلك المرحلة بأنها مرحلة تصاعد فيها نفوذ المؤسسة العسكرية التركية، لا أنها تحولت بالكامل إلى عصر تركي. فالتسمية الأولى تصف تغيرًا في موازين القوة داخل الدولة، بينما تحمل الثانية حكمًا أوسع يوحي بتغير هوية الدولة نفسها.
لم يكن وجود الفرس أو الأتراك أو غيرهم داخل الدولة العباسية أمرًا مستغربًا. فالإسلام لم يأتِ للعرب وحدهم، والدولة الإسلامية اتسعت منذ مراحل مبكرة لتضم شعوبًا وأعراقًا ولغات وثقافات متعددة. وكان من الطبيعي أن يظهر من بين هذه الشعوب قادة وجنود ووزراء وكتاب وعلماء وأصحاب نفوذ. ولا ينبغي تفسير هذا التنوع بوصفه صراعًا دائمًا بين قوميات مغلقة، أو كأن كل عنصر غير عربي دخل مؤسسات الدولة كان يعمل بالضرورة على انتزاعها من العباسيين. لقد فرض اتساع الدولة العباسية حاجتها إلى الاستعانة بأهل الخبرة والكفاءة والقوة العسكرية، سواء كانوا من العرب أو الفرس أو الأتراك أو غيرهم. ولذلك فإن وصول شخصيات غير عربية إلى مواقع متقدمة لم يكن، في ذاته، دليلًا على انهيار الدولة، بل كان في بعض الأحيان نتيجة طبيعية لاتساعها الجغرافي والبشري.
لكن المشكلة تبدأ حين يُعاد تفسير هذا التنوع بأثر رجعي، فيُقال إن العصر الأول كان فارسيًا محضًا، وإن العصر الثاني أصبح تركيًا خالصًا. فهذه الأحكام تلغي التعقيد الحقيقي للمجتمع العباسي، وتحول التداخل بين الأعراق والمؤسسات والمصالح إلى تعاقب مبسط بين قوميات تستولي إحداها على الدولة بعد الأخرى. إن الدولة العباسية لم تكن كتلة جامدة، بل كيانًا واسعًا تتغير داخله موازين القوى. وقد يتقدم فيه عنصر ويتراجع آخر، من غير أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء الدولة أو تبدل هويتها السياسية.
ويُعد تأسيس مدينة سامراء وانتقال مركز الحكم إليها من أبرز المحطات التي ارتبطت بصعود القادة والجند الأتراك في الدولة العباسية. فقد استعان الخلفاء بعدد كبير منهم في الجيش والحرس، ومنحوهم مواقع متقدمة استجابة لحاجات عسكرية وسياسية فرضتها ظروف المرحلة. ومع مرور الزمن، تحولت بعض هذه القيادات من قوة خاضعة للدولة إلى جماعات تتدخل في شؤونها، وتسعى إلى توسيع نفوذها، وتضغط على الخلفاء وتتنافس في ما بينها. وقد أدى ذلك إلى اضطرابات سياسية وأمنية تركت آثارًا عميقة في سامراء وفي مركز الخلافة. ويذكر بعض المؤرخين الذين أرخوا لسامراء أن عددًا من القادة الأتراك اتسموا بالشدة وسرعة البطش، وأن صراعاتهم لم تراعِ دائمًا استقرار الدولة أو حرمة موقع الخليفة. وتظهر في سير بعضهم نزعة واضحة إلى استخدام القوة للتخلص من المنافسين، أو لإجبار السلطة على الاستجابة لمطالبهم. لكن من المهم، في الكتابة التاريخية المنضبطة، ألا تتحول أفعال قادة محددين إلى حكم عرقي شامل. فالغدر والقسوة والبطش ليست صفات ملازمة لشعب أو جنس، وإنما سلوكيات سياسية مارسها قادة من أعراق مختلفة حين امتلكوا القوة وضعفت أمامهم الرقابة والمحاسبة.
والحجة الأقوى ليست في القول إن الأتراك كانوا بطبيعتهم ميالين إلى التخريب، بل في بيان أن النظام الذي منح بعض القادة العسكريين قوة واسعة من دون توازن سياسي كافٍ أتاح لهم التدخل في الحكم والبطش بخصومهم. وبهذا ينتقل النقد من التعميم العرقي إلى تحليل بنية السلطة، وهو أكثر دقة وأشد إقناعًا. وقد تكرر هذا النموذج في تجارب تاريخية كثيرة، حين تتحول القوة العسكرية التي أُنشئت لحماية الدولة إلى قوة تنازعها القرار. ويمكن استحضار تجارب لاحقة، مثل تجربة محمد علي باشا وبعض أتباعه، بوصفها نماذج على صعود نخبة عسكرية تستخدم مؤسسات الدولة لبناء مشروع سياسي خاص، لا بوصفها دليلًا على خصائص عرقية ثابتة.
كان أشناس من أبرز القادة الأتراك الذين وصلوا إلى مكانة متقدمة في الدولة العباسية. فقد تولى رئاسة حرس الخليفة، وأُسندت إليه إدارة عدد من الولايات، وحصل على ألقاب وأوسمة تدل على منزلته لدى الخليفة. ويذكر السيوطي أن الخليفة الواثق وشحه بوشاحين، وتذهب بعض الروايات إلى أنه منحه لقبًا سياسيًا رفيعًا. وقد استند بعض المؤرخين إلى هذه الألقاب لإثبات انتقال قدر من السيادة إلى القادة الأتراك. غير أن الألقاب والتشريفات في نظم الحكم القديمة لا ينبغي أن تُقرأ دائمًا بمعانيها السياسية اللاحقة. فقد يكون اللقب تكريمًا لقائد، أو اعترافًا بخدماته، أو وسيلة لربطه بالسلطة، من غير أن يعني تأسيس سيادة مستقلة موازية لسيادة الخليفة. كان أشناس، مهما اتسعت صلاحياته، يعمل في إطار الدولة العباسية، ويتلقى ولاياته وألقابه من الخليفة. وما منحه الخليفة كان يستطيع، من حيث الأصل، أن يسحبه منه أو من غيره إذا تغيرت الظروف أو ثبت التمرد أو الخيانة.
ولهذا فإن مكانة أشناس لا تثبت أن الدولة أصبحت تركية، بل تثبت أن قائدًا تركيًا بلغ منزلة عالية داخل الدولة. والفارق بين المعنيين جوهري؛ لأن الأول يتحدث عن انتقال السلطة، بينما يتحدث الثاني عن صعود فرد أو جماعة داخل بنية سياسية بقيت عباسية في شرعيتها ومؤسساتها.
وتظهر أحداث كثيرة أن الخلفاء العباسيين لم يكونوا عاجزين بصورة مطلقة أمام العناصر النافذة في دولتهم. فقد استطاعوا، في مراحل مختلفة، تقريب جماعات ثم إبعادها، والاستعانة بأسر ثم القضاء على نفوذها عندما رأوا فيها خطرًا على السلطة. وما فعله هارون الرشيد بالبرامكة مثال واضح على قدرة الخليفة على إنهاء نفوذ أسرة بلغت مكانة بالغة داخل الدولة. وكذلك تعامل المأمون مع آل سهل حين تغيرت موازين القوى والمصالح. وصحيح أن البرامكة وآل سهل يمثلون النفوذ الفارسي أكثر مما يمثلون النفوذ التركي، إلا أن الاستشهاد بهما يكشف خطأ التصور القائل إن صعود عنصر غير عربي كان يعني بالضرورة فقدان العباسيين سلطتهم بالكامل. فقد كان الخليفة يمنح النفوذ حين يحتاج إليه، ويضيقه أو ينهيه حين يرى أن أصحابه تجاوزوا الحدود المرسومة لهم، وإن لم ينجح في ذلك دائمًا. كما أن العفو عن بعض الشخصيات أو إعادة تقريبها لا يدل بالضرورة على العجز، فقد يكون جزءًا من سياسة الموازنة بين القوى، أو محاولة لاستعادة الاستقرار، أو استجابة لتحولات داخلية لا تظهر كلها في المصادر المتاحة. وكانت البلاطات السياسية، في كل العصور، ساحات للتنافس والدسائس والخداع وتبدل الولاءات. ولا يصح اختزال هذه الظواهر في عرق بعينه، بل يجب قراءتها في إطار الصراع على السلطة والمصالح.
أما محمود الغزنوي وأبناؤه فيعدون نموذجًا آخر للعلاقة بين القوى التركية والخلافة العباسية. فقد أقام الغزنويون حكمًا واسعًا امتد إلى مناطق في خراسان والهند، وظلوا مرتبطين بالخلافة العباسية رسميًا أو اسميًا، وحرصوا على الحصول على الاعتراف والشرعية منها. وقد رأى عدد من المؤرخين أن وجودهم في تلك المناطق كان نافعًا لانتشار الإسلام وتعزيز حضوره السياسي والعسكري. لكن هذه العلاقة تثير سؤالًا مهمًا: هل كان ارتباط الغزنويين بالخلافة تعبيرًا عن رغبة حقيقية في المحافظة على وحدة المسلمين، أم كان وسيلة لاكتساب الشرعية وتثبيت الحكم؟.
لا ينبغي إغفال البعد الديني في شرعية تلك الدول، لكن لا ينبغي كذلك تجاهل حسابات السياسة. فالاعتراف بالخليفة العباسي، والدعاء له، وإظهار الولاء الاسمي، كانت أدوات تمنح الحاكم شرعية دينية وسياسية، حتى لو كان مستقلًا في إدارة دولته وجيشه وموارده. وهذا لا يعني أن الوحدة الإسلامية كانت وهمًا كاملًا، فقد بقي للخلافة العباسية وزن رمزي كبير، وظلت دول كثيرة ترى في الاعتراف بها رابطًا يجمعها ضمن فضاء سياسي وحضاري إسلامي واحد. لكن هذه الوحدة لم تكن دائمًا وحدة سياسية فعلية، بل كانت مزيجًا من الشرعية الدينية والاعتراف الرمزي والمصلحة المتبادلة. لقد حافظ الغزنويون وغيرهم على صلتهم بالخلافة لأن هذه الصلة خدمت الطرفين: منحتهم الشرعية، ومنحت الخلافة امتدادًا رمزيًا يتجاوز حدود سلطانها المباشر.
ومن المقولات المتكررة أن القوى التركية تدخلت في مراحل مختلفة لإنقاذ الخلافة العباسية وحماية العالم الإسلامي. وقد يصح هذا الوصف في أحداث أو مواجهات بعينها، لكنه يصبح مضللًا عندما يتحول إلى تفسير شامل لمسار التاريخ. فالقوى السياسية لا تتحرك عادة بدافع واحد. وربما التقت مصلحتها مع مصلحة الخلافة في مرحلة، ثم تصادمت معها في مرحلة أخرى. وقد يحمي قائد تركي الخليفة من خصم خارجي، ثم يضغط عليه سياسيًا أو ينتزع منه صلاحيات داخلية. لذلك لا يمكن اختزال العلاقة في صورة المنقذ والمُنقَذ. كانت العلاقة أكثر تعقيدًا: تحالفًا حينًا، وتبعية حينًا، وصراعًا حينًا آخر. وقد استفادت الخلافة من القوة العسكرية التركية، كما استفاد القادة الأتراك من شرعية الخلافة ومؤسساتها وثرواتها وموقعها في وجدان المسلمين.
ومن الخطأ أن يُقدَّم أحد الطرفين بوصفه صاحب فضل مطلق، أو أن يُمحى دور الدولة العباسية نفسها وكأنها لم تكن سوى ساحة فارغة دخلتها العناصر الأجنبية لتديرها. لقد كانت الدولة موجودة، وكانت لها مؤسساتها وإداراتها ورموزها وشبكاتها السياسية، وإن ضعفت قدرتها في بعض المراحل. أما العناصر التركية، فكانت في بدايتها قطاعات عسكرية وإدارية جرى توظيفها حسب حاجة الدولة، ثم تمكن بعضها لاحقًا من توسيع نفوذه مستفيدًا من الصراعات الداخلية وضعف بعض الخلفاء.
لا يمكن فهم شيوع هذه التقسيمات من دون العودة إلى عدد من المؤرخين والمستشرقين الذين أعادوا كتابة التاريخ العباسي من خلال تصورات عرقية وقومية. كان يوليوس فلهاوزن من أوائل المؤرخين الغربيين الذين قدموا قراءات واسعة للتاريخ الإسلامي المبكر، ونظر إلى الدولة العباسية بوصفها متأثرة تأثرًا عميقًا بالتقاليد السياسية الفارسية. ومن الأقوال المنسوبة إليه في وصف هارون الرشيد: “كان الرشيد كأنه كسرى، بل هو كسرى بالفعل، غير أنه يتكلم العربية ويدين بالإسلام”، وتكشف هذه العبارة طبيعة المنهج الذي يفسر الدولة العباسية من خلال نقلها إلى نموذج فارسي سابق، وكأن الخليفة العباسي لم يكن إلا نسخة إسلامية عربية من كسرى. ويؤدي هذا التصور إلى تقليل مساحة الأصالة العباسية، وإظهار الدولة وكأنها استعارت كيانها السياسي بالكامل من الفرس. وسار مؤرخون آخرون في اتجاهات قريبة، ومنهم فيليب حتي، ثم انتقلت بعض هذه التصورات إلى الكتابة العربية الحديثة من خلال جرجي زيدان وغيره. وقد أسهم كتاب جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي ومؤلفاته التاريخية والأدبية في نشر تقسيمات واسعة للتاريخ الإسلامي على أساس الأعراق والنفوذ السياسي. ولم تكن جميع رواياته على درجة واحدة من التوثيق؛ إذ جمع بين النقل التاريخي والتفسير الأدبي، واعتمد أحيانًا على مصادر مترجمة أو روايات لم تُمحص بما يكفي. كما أن الرواية التاريخية الأدبية، مهما بلغت من الجاذبية، لا يمكن أن تحل محل البحث القائم على نقد المصادر ومقارنة الروايات. فالخيال قد يملأ فراغات الوثيقة، لكنه لا يحولها إلى حقائق.
وقد وصف بعض نقاد زيدان طريقته بأنها تشبه عمل حاطب الليل، يجمع روايات متفاوتة القيمة ثم يضعها في سياق متماسك وجذاب. وربما كان نجاحه الأدبي والثقافي أحد الأسباب التي جعلت كثيرًا من تقسيماته تنتقل من الكتب إلى المناهج، ثم من المناهج إلى الوعي العام.
كما أسهمت دوائر المعارف الغربية كذلك في ترسيخ تصورات محددة عن التاريخ الإسلامي والعثماني. وقد أشرف مستشرقون، من أمثال هاملتون جب، على مشروعات علمية واسعة تحولت مقالاتها إلى مراجع أساسية للباحثين. ولا يعني ذلك رفض كل ما ورد في تلك الموسوعات، فهي تضم أعمالًا علمية مهمة، لكن الاعتماد عليها من دون نقد أو مقارنة بالمصادر الأصلية أدى إلى انتقال بعض الأخطاء والتفسيرات المتحيزة إلى الدراسات العربية. وقد اعتاد كثير من الباحثين النقل من دوائر المعارف بوصفها مصادر نهائية، مع أنها نتاج مدارس فكرية ومناهج تاريخية لها تصوراتها الخاصة. ونتيجة لذلك، تحولت بعض الأحكام الاجتهادية إلى مسلمات، ومنها تضخيم أثر العناصر التركية أو تقديم التاريخ العثماني بوصفه النهاية الطبيعية لمسار سياسي بدأ منذ دخول الجند الأتراك إلى الدولة العباسية. وهنا تكمن إحدى مشكلات هذه السردية: فهي ترسم خطًا مستقيمًا يبدأ من القادة الأتراك في سامراء، ويمر بالغزنويين والسلاجقة، وينتهي بالدولة العثمانية، وكأن التاريخ كان يتجه منذ البداية نحو قيام إمبراطورية تركية كبرى. لكن التاريخ لا يسير وفق خطوط حتمية كهذه. فليس كل قائد تركي في الدولة العباسية مقدمة لقيام العثمانيين، ولا كل دولة تركية امتدادًا طبيعيًا لما قبلها. لكل دولة ظروفها وبنيتها ومصالحها وبيئتها السياسية الخاصة.
واستفادت الكتابة العثمانية، ثم الكتابات المتأثرة بها، من المبالغة في تصوير الدور التركي في التاريخ الإسلامي السابق. فقد أصبح وجود الأتراك في الجيش العباسي دليلًا على قدم مهمتهم في حماية الإسلام، وصار السلاجقة حلقة تمهيدية للعثمانيين، ثم قُدمت الدولة العثمانية باعتبارها الوريث الطبيعي والشرعي لكل ما سبقها. بهذه الطريقة لم تعد الدولة العثمانية إمارة نشأت في ظروف سياسية محددة في الأناضول، بل أصبحت خاتمة لمسار طويل من الحضور التركي في خدمة الخلافة والإسلام. والواقع أن العثمانيين بنوا دولتهم من خلال استغلال الفراغ السياسي والعسكري المحيط بهم، والاستفادة من ضعف السلاجقة والبيزنطيين والإمارات المتنافسة. ثم توسعوا وفق حسابات القوة والمصلحة، كما فعلت إمبراطوريات كثيرة قبلهم وبعدهم. ولا ينتقص هذا التحليل من قدرتهم السياسية أو العسكرية، لكنه يرفض إضفاء القداسة على مشروع توسعي إمبراطوري، أو تصويره بوصفه نتيجة حتمية لدور تاريخي ثابت خُص به العنصر التركي منذ العصر العباسي. لقد خدم التاريخ المكتوب الإمبراطورية حين صوّر صعودها باعتباره استكمالًا لمسيرة قديمة. وكلما جرى تضخيم نفوذ القادة الأتراك في الدولة العباسية، أصبح من الأسهل تقديم العثمانيين بوصفهم الورثة الطبيعيين للدولة الإسلامية. لكن وجود جنود وقادة أتراك في الدولة العباسية لا يمنح دولة ظهرت بعد قرون حقًا تاريخيًا تلقائيًا في وراثتها، كما أن الاعتراف العثماني بالدولة لا يمحو الطبيعة الإمبراطورية لتوسعهم أو الصراعات التي خاضوها مع دول وشعوب إسلامية أخرى.
كانت الدولة العثمانية إمبراطورية مترامية الأطراف، تضم شعوبًا وأقاليم وثقافات متعددة. وحين سقطت في أعقاب تحولات دولية وعسكرية كبرى، أدرك قادة تركيا الجديدة أن الظروف لم تعد تسمح بإعادة بناء الإمبراطورية بصورتها السابقة. واتجه المشروع الجديد إلى إقامة دولة قومية على الأرض التركية، بدلًا من إمبراطورية متعددة الأعراق. وأصبح الحفاظ على الوحدة التركية هو الأولوية السياسية، في مقابل التخلي التدريجي عن المجال الإمبراطوري القديم. كما تبنت الدولة الجديدة علمانية شديدة، ورأت فيها وسيلة للانفصال عن الإرث العثماني واللحاق بالنموذج الأوروبي. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير قانوني أو إداري، بل كان إعادة تعريف كاملة لهوية الدولة وعلاقتها بالتاريخ والدين والمجتمع. كان القادة الجدد يدركون أن الصورة العثمانية في أجزاء من العالم الإسلامي لم تعد صورة الخلافة الجامعة وحدها، بل ارتبطت لدى شعوب وحركات سياسية بالهيمنة والاحتلال والسيطرة المركزية. وقد دخلت جماعات ودول عربية في صراع مع الدولة العثمانية، وتعامل بعضها معها بوصفها قوة يجب التحرر منها، لا بوصفها ممثلًا وحيدًا لوحدة المسلمين. وفي المقابل، سعت تركيا الحديثة إلى الاندماج في النظام الغربي، حتى لو اقتضى ذلك القطيعة مع جوانب واسعة من تاريخ المنطقة وروابطها الثقافية والدينية. وهكذا انتقلت النخبة السياسية التركية من الدفاع عن إمبراطورية متعددة الشعوب تستمد شرعيتها من الدين والخلافة، إلى بناء دولة قومية علمانية تجعل الأمة التركية وحدها محور الشرعية والانتماء.
لا تكمن المشكلة في الاعتراف بأن الأتراك وصلوا إلى مراتب عالية داخل الدولة العباسية، أو أنهم أسسوا بعد ذلك دولًا كبرى، فهذه وقائع لا يمكن إنكارها. وإنما تكمن المشكلة في طريقة ربط تلك الوقائع بعضها ببعض، وتحويلها إلى سردية قومية متصلة تُعلي من شأن العنصر التركي، وتقلل في المقابل من دور الخلافة العباسية والعناصر العربية وغيرها. لقد حقق بعض القادة الأتراك مكانات مؤثرة في عصب الدولة، كما حقق الفرس والعرب وغيرهم مكانات مشابهة. لكن ذلك لا يعني أن كل مرحلة غلب فيها عنصر معين يجب أن تحمل اسمه وتُنزع فيها صفة الدولة عن أصحابها الأصليين. كما أن تجاوزات بعض القادة الأتراك وصراعاتهم مع الخلفاء يجب أن توضع في سياقها السياسي، لا أن تُستخدم لإدانة شعب بأكمله. فالتعميم العرقي يضعف النقد بدلًا من أن يقويه، ويستبدل تحليل المصالح والمؤسسات بأحكام مطلقة لا تخدم البحث التاريخي. والنقد الأكثر قوة هو الذي يميز بين الشعوب والأنظمة، وبين الأعراق والنخب العسكرية، وبين المشاركة في السلطة والاستيلاء عليها، وبين الشرعية الاسمية والقدرة الفعلية على الحكم.
والخلاصة أن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن القول إن العصر العباسي كان فارسيًا في مرحلة، وتركيًا في مرحلة أخرى، مع أن الدولة العباسية ظلت قائمة، واستمرت شرعيتها ومؤسساتها وإداراتها، وإن تفاوتت قوتها الفعلية؟. لقد تعرضت الدولة للضعف، وفقدت سيطرتها المباشرة على أقاليم واسعة، وظهرت داخلها وحولها دول وإمارات مستقلة أو شبه مستقلة. لكن كثيرًا من تلك الدول ظل يعترف بالخليفة العباسي، ولو اعترافًا اسميًا، ويطلب منه الشرعية أو يحافظ على رمزية الارتباط به. وهذه التبعية الاسمية لا تعني أن الخليفة كان يحكم جميع تلك الأقاليم فعليًا، لكنها تعني أيضًا أنه لم يتحول إلى شخصية بلا قيمة. فقد ظلت الخلافة تمثل شرعية جامعة، وكان الاعتراف بها مطلوبًا حتى من القوى التي استقلت بإدارة شؤونها. كما ظل العنصر العربي حاضرًا في الحكم والإدارة والقضاء والعلم والمجتمع، ولم يختفِ بمجرد صعود قادة من أصول غير عربية. وما فرضته أوضاع الدولة من الاعتماد على قادة فرس أو أتراك لا يعني أن العباسيين غابوا عن دولتهم، أو أن نفوذ العرب انتهى بصورة كاملة.
إن تقسيم العصر العباسي إلى فارسي وتركي وبويهي وسلجوقي قد يكون مفيدًا بوصفه وسيلة لوصف مراكز النفوذ المتغيرة، لكنه يصبح مضللًا حين يُفهم منه أن الدولة انتقلت بكاملها من عرق إلى آخر. والأقرب إلى الواقع أن الدولة العباسية كانت دولة واسعة متعددة الأعراق، تعاقبت داخلها مراكز قوة مختلفة. وقد استفاد الفرس والأتراك وغيرهم من ضعف بعض الخلفاء ومن حاجات الدولة العسكرية والإدارية، كما استفادت الدولة من خبراتهم وقوتهم. كانت العلاقة متبادلة، مركبة، ومتغيرة، وليست مجرد قصة استيلاء قومية متعاقبة. أما الربط بين صعود الأتراك في المؤسسة العسكرية العباسية وقيام الدولة العثمانية بعد قرون، فيحتاج إلى حذر شديد. فالتاريخ العثماني لم يكن النتيجة الحتمية لذلك الصعود، وإنما كان مشروعًا سياسيًا مستقلًا نشأ في بيئة مختلفة، واستفاد من ظروف الأناضول والفراغات التي خلّفها ضعف القوى المحيطة به.
لقد أسهمت بعض الكتابات الاستشراقية والعربية الحديثة ودوائر المعارف في بناء صورة ضخمت الدور التركي، ثم استفادت منها السرديات العثمانية والقومية اللاحقة. ولذلك فإن إعادة قراءة هذا التاريخ لا تقتضي إنكار أدوار الأتراك، كما لا تقتضي استبدال تمجيدهم بإدانتهم، وإنما تقتضي وضع تلك الأدوار في حجمها الحقيقي. فالتاريخ لا يستقيم بإعلاء جنس على آخر، ولا بإسقاط أخطاء القادة على الشعوب، بل بقراءة السلطة كما كانت: مصالح متنافسة، وجيوش متحركة، وتحالفات متبدلة، ودولة تحاول المحافظة على وجودها وسط عالم واسع شديد الاضطراب.
- جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق: محمد عبدالحميد (د.م: د.ن، 1952).
- محمد حلمي، الخلافة والدولة في العصر العباسي (د.م: د.ن، 1975).
- كات فليت، تاريخ العصر العثماني، ترجمة: مركز سكلتر للدراسات العثمانية (الرياض: مكتبة العبيكان، 1425هـ).
- ياوز بهادر أوغلو، مرحبا سوغوت، تعريب: مصطفى حمزة و محمد حمزة (بيروت: شركة دار المعارف، 2017).

