بيعة عثمان بن أرطغرل:

كيف تحوّل الطقس التركي القديم إلى رواية إسلامية؟

تبدو صورة عثمان بن أرطغرل في كثير من الكتابات العثمانية المتأخرة، وفي الأعمال الدرامية التركية الحديثة، أكبر بكثير من الشخصية التي تسمح لنا المصادر التاريخية المبكرة بمعرفتها. فقد تحوّل زعيم قبلي محدود النفوذ، ورث مكانته عن والده في أواسط الأناضول، إلى بطل ملحمي أحاطته الروايات بالكرامات والأحلام والفتوحات والصفات الخارقة. غير أن قراءة الظروف التاريخية التي ظهر فيها عثمان تكشف أن صعوده لم يكن منفصلًا عن المصادفة السياسية والجغرافية. فقد وجد نفسه في منطقة فاصلة بين قوتين كانتا تمران بمرحلة من الضعف والانحلال: دولة سلاجقة الروم التي كانت تقترب من نهايتها، والإمبراطورية البيزنطية التي أخذ نفوذها في الأناضول يتراجع بصورة متواصلة، حتى انحصر حضورها تدريجيًا في عدد من المدن والحصون.

من حلم الشجرة إلى أقداح اللبن: بناء الأسطورة العثمانية.

ومن هنا، فإن صعود عثمان لا يحتاج بالضرورة إلى كل تلك الروايات البطولية التي نسجها مؤرخو البلاط من حوله. فالفراغ السياسي، واضطراب الأناضول، وتراجع القوى الكبرى، وتنافس الإمارات التركمانية، عوامل كافية لتفسير انتقال زعامة قبلية صغيرة إلى مشروع سياسي قابل للتوسع. لكن السؤال الأهم هو: لماذا أصر عدد من المؤرخين العثمانيين والمتعاطفين مع الدولة العثمانية على إحاطة عثمان بهذه الهالة الأسطورية، مع أن الفترة التي عاش فيها من أكثر فترات التاريخ العثماني غموضًا واضطرابًا، وأن الأخبار المعاصرة له قليلة ومتفرقة؟.

تكمن المشكلة الأساسية في أن معظم الروايات المفصلة عن حياة عثمان لم تُكتب في عصره، بل ظهرت بعد قيام الدولة واتساعها بزمن طويل. وعندما بدأ المؤرخون العثمانيون تدوين تاريخ الأسرة الحاكمة، كانت الدولة قد أصبحت قوة كبرى، فأصبح من الضروري، في نظر كتّاب البلاط، أن يكون لمؤسسها تاريخ يوازي مكانتها. ولهذا لم يعد عثمان في تلك الكتابات مجرد زعيم قبلي استفاد من ظروف عصره، بل صار غازيًا مثاليًا، وصاحب رسالة، وبطلًا تحيط به البشارات والأحلام النبوئية. وينقل الدكتور تيسير جبارة، في كتابه تاريخ الدولة العثمانية 1280-1924م، رواية نسبها إلى هربرت جيبونز، مفادها أن أصول العثمانيين تعود إلى جماعة من البدو الأتراك الذين فروا أمام الزحف المغولي إلى آسيا الصغرى، وأن عثمان لم يكن مسلمًا في بداية أمره. وسواء قُبلت هذه الرواية أو رُفضت، فإن مجرد وجودها ضمن روايات متعددة ومتناقضة عن أصل الأسرة العثمانية يكشف حجم الغموض الذي يحيط بالبدايات الأولى للدولة. كما يكشف أن الصورة اليقينية التي تقدمها بعض الكتابات والدراما المعاصرة ليست انعكاسًا لمصادر تاريخية حاسمة، بل بناء متأخر جرى تركيبه بعد أن أصبحت الدولة العثمانية بحاجة إلى ماضٍ مؤسس يناسب حاضرها الإمبراطوري.

لم تتوقف صناعة الأسطورة عند حروب عثمان أو مكانته السياسية، بل امتدت إلى حياته الخاصة وزواجه. ومن أشهر الروايات التي أُلحقت بسيرته قصة زواجه من ابنة أحد الشيوخ الصالحين، فتقول الرواية إن عثمان رأى الفتاة في بيت والدها، فتعلّق بها وطلب الزواج منها، لكن والدها رفض طلبه. فحزن عثمان، وظل صابرًا ولم يرغب في الزواج بغيرها، حتى قصّ على الشيخ حلمًا رآه في بيته. وفي الحلم، رأى عثمان قمرًا يخرج من صدر الشيخ، ثم يكتمل بدرًا وينزل في صدره. وبعد ذلك خرجت من صلب عثمان شجرة عظيمة، أخذت تنمو حتى غطّى ظلها العالم، وظهرت الجبال تحتها، وخرجت من جذعها أنهار النيل ودجلة والفرات، بينما تحولت أوراقها إلى سيوف تتجه نحو القسطنطينية. وبحسب الرواية، تفاءل الشيخ بهذا المنام، وأدرك أن نسل عثمان سيقيم دولة عظيمة، فوافق على تزويجه ابنته.

إن هذه القصة، بما تحمله من رموز كونية وأنهار ومدن وسيوف، لا تبدو رواية تاريخية عن زواج زعيم قبلي، بقدر ما تبدو نصًا سياسيًا صيغ بعد قيام الدولة واتساعها، ثم أُسقط على طفولتها وبداياتها. وقد تنبه محمد فريد بك المحامي إلى الطبيعة المصنوعة لهذه الرواية، فقال في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية: “إن هذا المنام لا بد أن يكون موضوعًا، كما يضع المؤرخون مثل هذه الأحلام لتعليل ظهور وتقدم كل دولة، سواء كان في ممالك الشرق أو الغرب”. وتكمن أهمية ملاحظة محمد فريد في أنه لم يرفض الحلم بسبب موقف معادٍ للدولة العثمانية، بل لأنه أدرك النمط المتكرر في كتابة تاريخ الدول. فحين تنجح أسرة حاكمة في إقامة إمبراطورية، يبدأ المؤرخون في البحث عن بشارات سابقة لظهورها، ويصنعون أحلامًا ونبوءات تمنح صعودها معنى مقدسًا، وتجعل توسعها يبدو قدرًا مكتوبًا منذ البداية. وهكذا لم يعد قيام الدولة العثمانية نتيجة ظروف سياسية وعسكرية قابلة للفهم والتحليل، بل أصبح تحقيقًا لحلم كوني سبق ظهورها، وبشارةً بانتصارها وفتحها القسطنطينية.

ربما أن أخطر ما في هذه الروايات ليس مجرد تضخيم شخصية عثمان أو إسناد الأحلام إليه، بل إعادة تفسير العادات التركية القديمة وتقديمها باعتبارها شعائر إسلامية. ففي كتاب جامع الدول: تاريخ الدولة العثمانية 698-1083هـ/1299-1672م، يورد منجّم باشي أحمد بن لطف الله رواية عن الطريقة التي اجتمع بها أمراء التركمان على عثمان بعد انقراض دولة سلاجقة الروم وخروجهم عن طاعة الأمراء المغول، وجاء في الرواية أن أمراء التركمان أجمعوا على عثمان بعدما عظم شأنه، ثم بايعوه بالسلطنة: “بوضع الركبة ويديه على الأرض، على تورة أوغوز خان، وأعطى السلطان كل واحد منهم قدحًا من اللبن الحامض، فشربوه على طاعته، فتم أمر البيعة في سنة 699هـ”، هذه الرواية لا تصف بيعة إسلامية بالمعنى المعروف شرعًا، بل تصف طقسًا قبليًا تركيًا مرتبطًا بميراث أوغوز خان وتقاليد جماعات التركمان القادمة من أواسط آسيا. فالنص نفسه لا يقول إن القوم بايعوا عثمان وفق سنة نبوية أو تقليد إسلامي، وإنما يربط طريقة الانحناء ووضع الركبة واليدين على الأرض بـ “تورة أوغوز خان”، أي بقانون أو تقليد أوغوزي سابق على قيام الدولة العثمانية. كذلك فإن توزيع أقداح اللبن الحامض وشربها علامةً على الطاعة لا أصل له في صفة البيعة الإسلامية المعروفة، وإنما يبدو جزءًا من المراسم القبلية التي كان الترك يمارسونها عند الاعتراف بالزعامة وتجديد الولاء. ومن هنا تظهر المشكلة في الطريقة التي تعامل بها بعض المؤرخين مع الرواية. فقد جرى الاحتفاظ بعناصر الطقس التركي القديم، مثل الانحناء، ووضع الركبتين واليدين على الأرض، وشرب اللبن، ثم أُطلق على ذلك كله اسم البيعة، بما يوحي للقارئ بأنه امتداد طبيعي للبيعة الإسلامية. لكن إطلاق مصطلح إسلامي على طقس قبلي لا يجعل الطقس إسلاميًا.

البيعة في التقليد الإسلامي تقوم على العهد بالسمع والطاعة، وتتم بالقول، وقد تقترن بالمصافحة بالنسبة إلى الرجال، من دون أن تتضمن سجودًا للحاكم أو ركوعًا أمامه أو شرب أقداح من اللبن. وقد أشار الإمام النووي، في شرحه لصفة البيعة، إلى أن: “بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وبيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام”. وبذلك فإن جوهر البيعة الإسلامية هو العهد اللفظي، مع المصافحة في بيعة الرجال، لا أداء طقوس الخضوع الجسدي المستمدة من تقاليد قبلية، ولا تناول مشروب معين لإثبات الولاء. أما وضع الركبتين واليدين على الأرض أمام الزعيم، وارتباط ذلك صراحةً بـ “تورة أوغوز خان”، ثم توزيع اللبن الحامض على المبايعين، فهي عناصر تنتمي إلى منظومة رمزية مختلفة عن منظومة البيعة في الإسلام.

ولا يعني هذا أن كل عادة تركية قديمة محرمة بالضرورة، أو أن المسلمين لا يجوز لهم امتلاك أعراف اجتماعية وقبلية خاصة بهم. فالمسألة هنا ليست إصدار حكم فقهي على شرب اللبن أو على شكل مجلس الزعامة، وإنما الاعتراض على تقديم طقس قبلي سابق بوصفه بيعة إسلامية مأخوذة من تقاليد المسلمين. فالتمييز بين الأمرين ضرورة تاريخية ومنهجية: شيء أن نقول إن جماعة من التركمان اختارت عثمان زعيمًا وفق أعرافها الموروثة، وشيء آخر أن نصف تلك الأعراف بأنها الصيغة الإسلامية للبيعة.

لم يكن تحويل هذا الطقس إلى بيعة مجرد خطأ لغوي عابر، بل كان جزءًا من عملية أوسع هدفت إلى إعادة بناء ماضي الأسرة العثمانية بما يتناسب مع صورتها اللاحقة. فبعد أن أصبحت الدولة العثمانية دولة كبرى، وتولى سلاطينها حماية الحرمين وادعوا تمثيل الخلافة، أصبح من الصعب على مؤرخيها أن يتركوا بدايات الأسرة خارج الإطار الإسلامي الكامل. ولهذا أعيد ترتيب الماضي بحيث يبدو عثمان منذ ظهوره غازيًا مسلمًا، يحيط به الصالحون، وتبشِّر به الأحلام، ويبايعه الناس كما يبايع المسلمون أئمتهم. وفي هذا السياق، جرى دمج ثلاثة عناصر مختلفة في رواية واحدة: أولها الموروث التركي القبلي، بما فيه من أعراف أوغوزية وطقوس ولاء. وثانيها الخطاب الإسلامي، بما يحمله من مفاهيم البيعة والجهاد والفتح. وثالثها الشرعية الإمبراطورية التي ظهرت بعد اتساع الدولة، واحتاجت إلى أن تجعل بدايتها متوافقة مع نهايتها. ونتيجة هذا الدمج، أصبحت العادة القبلية بيعة إسلامية، وتحول الزعيم المحلي إلى سلطان، وصار التوسع في أراضي بيزنطية ضعيفة مشروعًا عالميًا بشّرت به الأحلام قبل وقوعه.

في العصر الحديث، لم تعد صناعة هذه الصورة مقتصرة على كتب التاريخ التقليدية، بل انتقلت إلى المسلسلات والأعمال الدرامية الضخمة. وقد أنفقت الدراما التركية ميزانيات هائلة لإعادة تمثيل مرحلة عثمان وأرطغرل، لكنها لم تنجح في تحويل الغموض إلى تاريخ موثق، وإنما نجحت في تحويل الروايات المتأخرة إلى صور حية ومؤثرة. فالدراما تستطيع أن تمنح الأسطورة وجوهًا وأصواتًا ومعارك ومشاهد عاطفية، لكنها لا تستطيع أن تجعل الرواية المتأخرة مصدرًا معاصرًا للأحداث. كما أن ضخامة الإنتاج لا تعوّض غياب الوثائق، ولا تجعل الحكايات التي كتبها مؤرخو البلاط بعد قرون أكثر يقينًا. بل إن خطورة الدراما تكمن في قدرتها على تثبيت الصورة المتخيلة في أذهان الجمهور. فالمشاهد لا يرى خلافًا بين المؤرخين ولا يطّلع على ندرة المصادر، وإنما يرى قصة مكتملة: بطلًا واضح النسب، راسخ الإيمان، محاطًا بالعلماء والصالحين، يخوض حروبًا منظمة من أجل إقامة دولة كبرى. وهكذا تصبح الصورة الدرامية، بمرور الوقت، أقوى حضورًا من التاريخ نفسه، ويُنظر إلى كل محاولة لنقدها أو مساءلة مصادرها باعتبارها عداءً للدولة أو لشخصية عثمان.

لا تنفي القراءة النقدية أن عثمان كان شخصية تاريخية مهمة، ولا تنكر أن الكيان الذي نشأ تحت زعامته أصبح نواة لدولة استمرت قرونًا. لكنها ترفض الخلط بين أهمية النتائج التي ترتبت على ظهوره وبين مقدار ما نعرفه فعلًا عن حياته وشخصيته. فكون الأسرة التي حملت اسمه أقامت إمبراطورية واسعة لا يعني أن كل قصة رويت عنه صحيحة. كما أن عظمة الدولة اللاحقة لا تُثبت صحة الأحلام والبشارات والطقوس التي أُضيفت إلى سيرة مؤسسها. فقد كان عثمان، على الأرجح، زعيمًا تركمانيًا استطاع أن يستفيد من موقعه الحدودي ومن تراجع القوى المحيطة به، وأن يجذب حوله جماعات من المقاتلين والباحثين عن الأرض والغنيمة والنفوذ. وهذه الصورة، على بساطتها، أكثر اتساقًا مع واقع الأناضول في ذلك العصر من صورة البطل الذي وُلد وفي صدره مشروع إمبراطورية عالمية. إن الأسطورة تبدأ حين يُقرأ الماضي من خلال ما وقع بعده. فبعد أن فتح العثمانيون القسطنطينية، ظهر حلم يوجّه أوراق الشجرة نحوها. وبعد أن امتدت الدولة إلى مناطق واسعة، ظهرت شجرة تظلّل العالم وتخرج من جذعها الأنهار. وبعد أن تبنت الدولة خطاب الخلافة والشرعية الإسلامية، أعيد تفسير طقوس الزعامة التركية بوصفها بيعة إسلامية. وبذلك لم تعد الروايات تفسر نشأة الدولة، بل أصبحت نتائج الدولة اللاحقة هي التي تصنع الروايات عن نشأتها.

إن تفكيك أسطورة عثمان بن أرطغرل لا يعني إنكار دوره التاريخي، وإنما يعني إعادته إلى حجمه الذي تسمح به المصادر. فهو مؤسس سلالة نجحت في استثمار لحظة انهيار سياسي وعسكري في الأناضول، وليس بالضرورة الشخصية الخارقة التي رسمتها كتب البلاط والدراما المعاصرة. أما مراسم الانحناء ووضع الركبتين واليدين على الأرض، وشرب أقداح اللبن الحامض على الطاعة، فبحسب الرواية المنقولة في جامع الدول كانت مرتبطة صراحةً بـ “تورة أوغوز خان”. ولذلك ينبغي فهمها في سياق التقاليد التركية القديمة، لا باعتبارها صورة من صور البيعة الإسلامية المعروفة. لقد كان في مقدور المؤرخ أن يقول إن أمراء التركمان اعترفوا بزعامة عثمان وفق أعرافهم القبلية، لكن الحاجة إلى صناعة مؤسس إسلامي مثالي دفعت بعض الكتابات إلى إعادة تسمية الطقس وإدخاله ضمن خطاب البيعة والسلطنة. وهنا تقع المسافة الفاصلة بين التاريخ والأسطورة: التاريخ يعترف بالغموض ونقص المصادر وتعدد الاحتمالات، أما الأسطورة فتملأ الفراغ بالأحلام والكرامات والبطولات، ثم تقدم ما صنعته الذاكرة السياسية كما لو كان حقيقة مكتملة.

  1. جرجي زيدان، تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1999).

 

  1. محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العليَّة العثمانية، تحقيق: إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1981).

 

  1. منجم باشي، جامع الدول: تاريخ الدولة العثمانية 699-1083هـ/1299-1672م (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت).

بيعة القبور:

وصية أرطغرل لعثمان؟

في مشهد من مسلسل تركي، يلتقي أرطغرل بابنه عثمان عند قبر والدته. ولم يكن اختيار المقبرة اعتباطيًا؛ فالمكان يجمع بين رهبة الموت، وحرمة الأم، ووصية الأب، ويمنح الحوار شحنة عاطفية وروحية شديدة التأثير. يبدأ المشهد بطلب الغازي عبد الرحمن من عثمان الذهاب إلى والده، فيغضب عثمان أولًا، قبل أن تُستعمل عبارات توحي بأن أرطغرل يشعر بقرب أجله. وعندما يصل عثمان إلى القبر، يتحول الحوار إلى ما يشبه مراسم أخذ العهد؛ فيتعهد بأن يكون ملجأ للمظلوم، ومأوى للمسكين، وأن يجعل العدل حاكمًا في دولته. ويتأثر أرطغرل بكلامه، ثم يقول له: “إن اسمك يا عثمان لن يُمحى ما بقيت هذه السماء”، كما يتعهد عثمان بالمحافظة على العُرف. يجمع المشهد في لحظات قليلة سلطة الأب، وقداسة الموت، ووعد العدالة، والمحافظة على الموروث القبلي، والبشارة ببقاء اسم عثمان. وهكذا أصبحت المقبرة مسرحًا رمزيًا لولادة الدولة.

العهد والعُرف والشيخ: تفكيك المشهد المؤسس في "قيامة عثمان".

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما المصدر الذي وثق هذا اللقاء؟ ومن نقل هذا الحوار بهذه التفاصيل؟ وهل توجد رواية معاصرة لأرطغرل أو عثمان تثبت وقوعه؟. المشهد لا يمكن أن يكون محل وثيقة تاريخية. هل كان أرطغرل شخصية تاريخية؟، السؤال ليس فقط: هل وُجد أرطغرل؟ بل: ما مقدار ما نعرفه عنه بصورة مؤكدة؟. حتى مع التسليم بوجود شخصية تاريخية بهذا الاسم، بوصفها زعيمًا قبليًا ارتبطت به بدايات الأسرة العثمانية، تبقى المسافة واسعة بين هذا الوجود المحدود وبين السيرة الكاملة التي قدمتها المسلسلات والكتابات التمجيدية. فالمعلومات المبكرة عن أرطغرل قليلة، في حين ظهرت الروايات المفصلة عن وصاياه وحواراته وعلاقاته بالشيوخ بعد توسع الدولة العثمانية بزمن طويل. وكأن الإمبراطورية، بعدما أصبحت قوة كبرى، عادت إلى بداياتها وصنعت لمؤسسها ووالده سيرة تناسب حجمها اللاحق. لذلك فإن إثبات وجود أرطغرل لا يثبت بالضرورة كل ما نُسب إليه من أقوال ووصايا ومواقف روحية، وإثبات الشخصية شيء، وإثبات تفاصيل حياتها شيء آخر.

أحاطت بعض الكتابات المتأخرة عثمان بن أرطغرل بصورة من الاصطفاء والقداسة منذ ولادته. وتربط روايات متداولة مولده بسقوط بغداد سنة 656هـ/1258م على يد هولاكو، لتجعل من ولادته جوابًا قدريًا عن ضعف العالم الإسلامي. وينقل بعض الكتّاب، معنى مفاده أن بغداد سقطت في اليوم الذي وُلد فيه عثمان، وأن المغول والأوروبيين لم يعلموا أن هذا الطفل سيبعث الروح في الأمة، ويجدد الدين، ويؤسس دولة تصبح من أقوى دول عصرها. لكن هذه الصياغة لا تقوم على خبر تاريخي دقيق، بل على قراءة الماضي من خلال نتائجه. فالكاتب يعرف أن الدولة العثمانية ستظهر لاحقًا، ثم يعود إلى لحظة ميلاد عثمان ليمنحها معنى لم يكن معروفًا في زمنها.

وهنا تُطرح أسئلة بسيطة: ما المصدر المعاصر للحدث الذي حدد يوم ولادة عثمان؟ وكيف ثبت أنه وُلد في اليوم نفسه الذي دخل فيه هولاكو بغداد؟ وكيف تحول ميلاد طفل في بيئة قبلية مضطربة إلى بشارة بإنقاذ الأمة؟. إنها لغة روائية ومناقبية أكثر منها كتابة تاريخية.

استُعمل في الدراما التركية عنوان قيامة أرطغرل أو بطريقة تحمل دلالة تتجاوز مجرد النهوض السياسي. فكلمة القيامة ترتبط في الوعي الديني بالبعث بعد الموت، وعندما تُطلق على زعيم قبلي فإنها تقدمه بوصفه بداية نهضة شاملة، ثم يأتي عثمان ليكمل هذا البعث ويقيم الدولة. وقد استعمل محمد خليف الثنيان هذا التعبير في عنوان كتابه قيامة أرطغرل: من القبيلة إلى الدولة، متأثرًا بالخطاب الدرامي الذي قدم أرطغرل بوصفه صاحب رسالة تاريخية كبرى. كذلك يُستعمل مصطلح الإمبراطورية في بعض الكتابات وكأنه وصف أخلاقي يدعو إلى الفخر، مع أن الإمبراطورية في حقيقتها بنية سياسية توسعية تقوم على إخضاع أقاليم وشعوب متعددة، ولا تنفصل عادة عن القوة العسكرية والحصار والضرائب والدماء. وصف الدولة العثمانية بالإمبراطورية صحيح من الناحية السياسية، لكنه ليس دليلًا بذاته على عدلها أو قداسة مشروعها. فلا يجوز إدانة عنف هولاكو لأنه خصم، ثم تبرئة العنف نفسه عندما يصدر عن دولة يتعاطف معها الكاتب.

تربط بعض الروايات تولي عثمان الزعامة بوفاة والده أرطغرل، وتقول إنه حصل على تأييد الأمير السلجوقي علاء الدين، الذي سمح له بالاحتفاظ بالأراضي التي يفتحها، ومنحه حق ضرب العملة. وتؤدي هذه الرواية وظيفة سياسية واضحة؛ فهي تمنح السلطة الجديدة شرعية من سلطة أقدم منها. وكأن الدولة العثمانية لا تستطيع أن تبدأ إلا بعد أن تسلمها الدولة السلجوقية ختم الاعتراف. ويتكرر النموذج نفسه في قصة انتقال السلطنة إلى سليم الأول بعد احتلاله مصر. فقد صورت بعض الروايات الأمر على أنه تنازل طوعي من الخليفة العباسي الأخير، بينما تشير روايات أخرى إلى نقله إلى إسطنبول ووضعه تحت رقابة السلطة العثمانية. في الحالتين تقوم السلطة الصاعدة بإعادة صياغة انتقال الحكم بطريقة تجعله شرعيًا وطوعيًا، وتقلل من حضور القوة والإكراه في تأسيس النظام الجديد.

وتصف بعض الكتابات عثمان بأنه كان متجردًا تمامًا من المصالح الدنيوية، وأن فتوحاته لم تكن من أجل الأرض أو السلطة أو المكاسب الاقتصادية، بل لنشر الإسلام وحده. وتنقل هذه الكتابات عن أحمد رفيق وغيره أن عثمان لم يؤسس دولته حبًا في الحكم، وأن وظيفته الوحيدة في الحياة كانت الجهاد وإعلاء كلمة الله. قد يكون عثمان متدينًا، وقد يكون للدين دور حقيقي في مشروعه، لكن التاريخ لا يكتفي بإمكان الصفة، بل يحتاج إلى دليل عليها. فكيف عُرفت نيات عثمان الباطنة بعد قرون؟ وهل يمكن فصل الدين تمامًا عن المصالح العسكرية والاقتصادية والقبلية في حروب ذلك العصر؟. المشهد الدرامي نفسه يكشف عن صورة أكثر تركيبًا، إذ يتعهد عثمان بالمحافظة على العُرف، وتتكرر الإشارات إلى حماية القبيلة، وتوسيع السلطان، وإخضاع الخصوم. وهذا يدل على تداخل الدين بالقبيلة، والعرف بالسياسة، والجهاد بالتوسع. أما تحويل عثمان إلى رجل لا يريد سلطة ولا أرضًا ولا نفوذًا، فهو أقرب إلى كتابة المناقب منه إلى التاريخ.

ومن الروايات المتداولة أن أرطغرل أوصى ابنه عثمان بالشيخ إده بالي، وأنه عهد إليه بتعليمه وتربيته روحيًا. كما قيل إن إده بالي كان صديقًا مقربًا من أرطغرل، وإنه من نسل بني تميم. لكن هذه الروايات تفتح بابًا واسعًا من الأسئلة: ما المصدر المبكر الذي أثبت نسب إده بالي؟ ومن أول من سجل صداقته بأرطغرل؟ وما اللغة التي كانت تدور بها حواراتهما؟ وهل توجد وثائق معاصرة تثبت أن أرطغرل عهد بابنه إليه؟. إمكان أن يكون الشيخ من أصل عربي ويتحدث التركية أو الفارسية أمر وارد، لكن الإمكان لا يكفي لإثبات الرواية. والمشكلة أن التفاصيل تقدم بثقة كبيرة، بينما يصعب العثور على مصدر مبكر يوازي هذه الدقة. وينسب إلى أرطغرل نص مشهور يوصي فيه عثمان بالشيخ إده بالي، وجاء فيه: “يا بني، اكسر خاطري ولا تكسر خاطر الشيخ إده بالي، فهو نور قبيلتنا، وميزانه لا يختل مقدار درهم. خالفني ولا تخالفه؛ فإن خالفتني حزنت، أما إن خالفته فلن تنظر إليك عيناي، وإن نظرتا فلن ترياك. واجعل كلماتي هذه وصية لك”. ويقال إن جزءًا من هذا النص مكتوب عند القبر المنسوب إلى أرطغرل. لكن وجود الوصية عند الضريح لا يثبت أن أرطغرل قالها؛ فالنقوش التذكارية قد تعبر عن ذاكرة صنعتها أجيال لاحقة، لا عن وثيقة معاصرة لصاحب القبر. النقش يثبت أن هناك من أراد تخليد الرواية، لا أنه يثبت صحتها.

ولا يظهر إده بالي في الرواية العثمانية شيخًا عاديًا، بل وليًا يمنح الأسرة الحاكمة شرعية روحية. فأرطغرل يوصي به، وعثمان يتعلم منه ويتزوج ابنته رابعة بالا خاتون، ثم ترتبط به رواية الحلم والشجرة التي بشرت بقيام الدولة. وبذلك تتشكل حلقة متكاملة: زعيم قبلي، وشيخ ولي، ومصاهرة، ووصية، ورؤيا، ثم دولة. ويرتبط بهذه البيئة اسم أخي إفران، المعروف أيضًا بنصر الدين محمود الخوئي، والذي تنسب إليه جماعة الآخية في الأناضول. وقد جمعت هذه الجماعات بين النشاط المهني والاجتماعي والديني، وأصبحت جزءًا مؤثرًا في مدن الأناضول خلال أواخر عصر السلاجقة. لكن وجود جماعة الآخية لا يثبت تلقائيًا وجود علاقة مباشرة بينها وبين عثمان أو أرطغرل أو إده بالي. فالتقارب الزمني والمكاني لا يكفي لإثبات لقاءات وعلاقات شخصية. ومع ذلك، أسهمت صورة الشيوخ والأولياء والآخية في تقديم عثمان بوصفه قائدًا يحظى بقبول ديني وروحي، لا مجرد زعيم قبلي نجح في صراعات الأناضول.

قوة الدراما التاريخية أنها تقدم للمشاهد عالمًا مكتملًا من الوجوه والمقابر والدموع والوصايا والسيوف، من دون أن تطلب منه قراءة المصادر أو مقارنة الروايات. ومع التكرار، يظن المشاهد أنه رأى أرطغرل يوصي عثمان، وسمع عثمان يتعهد بإقامة العدل، وشهد انتقال السلطة. لكنه في الحقيقة رأى معالجة فنية كتبها مؤلف معاصر، وأداها ممثلون، وصيغت وفق أهداف ثقافية وسياسية معاصرة. وهنا تظهر وظيفة القوة الناعمة؛ فبدل أن تُفرض الرواية على الجمهور بالقوة، تقدم له في صورة جذابة ومؤثرة. وعندما يتعلق المشاهد بالشخصيات، يصبح أكثر استعدادًا لقبول رؤيتها للتاريخ. وقد أصبح استدعاء شخصيات أرطغرل وعثمان وإده بالي وجماعات الآخية جزءًا من خطاب الهوية في تركيا المعاصرة.

إن أخطر ما تصنعه الدراما ليس اختراع مشهد واحد، بل إقناع الجمهور بأن المشهد هو التاريخ نفسه. وعندها تتحول المقبرة إلى منصة سياسية، والوصية إلى بيعة، والزعيم القبلي إلى مخلّص، والرواية المتأخرة إلى حقيقة لا تقبل النقد. أما البحث التاريخي الجاد، فيميز دائمًا بين ما ثبت وما رُوي، وبين الشخصية التاريخية والصورة التي صنعتها الدولة عنها.

  1. عثمان توران، الأناضول في عهد السلاجقة (الرياض: د.ن، 1997).

 

  1. محمد خليف الثنيان، قيامة أرطغرل من القبيلة الى الدولة (عمَّان: دار الفتح، 2017).

 

  1. ياوز بهادر أوغلو، مرحبا سوغوت، تعريب: مصطفى حمزة و محمد حمزة (بيروت: شركة دار مكتبة المعارف، 2017).
تشغيل الفيديو