العداء التركي والفارسي للعرب

مواجهة داخل المنظومة الدينية

استمرارًا لمنهجية “فهم التاريخ” وضبط الأحداث فإن تفكيك البنية السلوكية لبعض الأعراق التي تميَّزت عن غيرها بعقيدة استعلائية وعُقدة عِرقية وتاريخية تجاه كل ما هو عربي يحتاج لكثيرٍ من البحث والفهم، ولعل تناول الأتراك والفرس مَرَدُّه إلى الاحتكاكات المتكرِّرة لهذين العِرقَين مع المكوِّن العربي، الذي تحوَّل تاريخًا وحاضرًا إلى نقطة ثابتة في البناء الإستراتيجي للأتراك والفرس، بل هناك تنافُس شَرِس على اقتسام النفوذ بين الطرفين على مستوى رقعة الشطرنج العربية.

في هذا السياق مخطئ من يظن أن المواجهات الفارسية التركية (العثمانية) كانت مرجعيتها ودوافعها دينية أو عِرقية، وإنما كان الصدام دائمًا محكومًا بحسابات سياسية وأطماع توسُّعية للطرفين، ولذلك نجد أن الأتراك منصهِرون في النسيج الاجتماعي والسياسي الإيراني، والعكس صحيح، أما الصراع مع العرب فقد اتخذ بُعدًا عِرقيًّا وتحدِّيًا تاريخِيًّا انعكس حتى على عملية فهم النص الديني والتأويلات الفقهية، على اعتبار أن الفرس والترك يستشعرون عُقدة النقص العَقَدي، بالنظر إلى أن العرب هم الورثة الشرعيون لرسالة الإسلام وهَدْي خير الأنام.

لقد انتبه الغرب إلى أن الأتراك والفرس لا يشكِّلون كتلة سلوكية أو دينية متجانسة مع العرب، واستشعر المُنَظِّرون الغربيون تلك الشعلة من الحقد الدفين تجاه كل ما هو عربي، فراهَنوا عليهم من أجل وضع اليد على خيرات المنطقة العربية من خلال تفاهمات فارسية-تركية برعاية غربية، ولذلك نجدهم يصنِّفون كلًّا من إيران وتركيا في خانة المحاور الجيوسياسية التي يجب تقويتها ودعمها ضد التصدعات العرقية الداخلية التي قد تؤدي إلى انفجارها من الداخل.

انتبه الغرب إلى أن الأتراك والفرس لا يشكِّلون كتلة سلوكية أو دينية متجانسة مع العرب.

إن حِدَّة التمايُز السلوكي بين العرب من جهة، والفرس والترك من جهة أخرى، يقابله ذلك التماهي الكبير في البنية السلوكية (التزام ديني رخو، الرغبة في التوسع، الاستعلاء العِرقي، المصلحة مقدَّمة على المبدأ، النص الديني في خدمة الأجندة السياسية..)، ولعل هذا التماهي يجد أوَّل آثاره في العصر العباسي، حين استشعر بنو العباس خطورة التغلغل الفارسي في بلاط الحكم، فلجؤوا إلى أواسط آسيا لاستيراد العنصر العسكري التركي من أجل تحقيق التوازن العِرقي مع الفرس.

لقد عمد الخلفاء العباسيون إلى تقسيم السلطة في بطانة الحكم إلى سلطة ثقافية لا بأس من التأثير الفارسي فيها، وسلطة عسكرية استجلبوا لها مقاتِلين تُرْكًا، وهو التوازن الهجين الذي أسَّس لتفاهمات تركية-فارسية لتدبير شؤون الحكم في مجموعة من المناسبات، ولذلك نجد العديد من الشخصيات التركية في قلب مربع صناعة القرار الإيراني، دون أن يؤثر ذلك على ولاء هؤلاء لإيران دولةً وعرقًا ومؤسسات.

إننا نعتقد بأن العداء التركي-الفارسي لكل ما هو عربي يبقى مُعطًى ثابتًا لا يحتاج إلى تدليل أو تِبيان، لكن السؤال مرتبط بالخلفيات التي أسَّست لهذا العداء التاريخي والعقدي والسياسي، وهنا تقودنا الإحالة في مجال الإستراتيجية على مفاهيم “الإستراتيجية الهجومية” و”الإستراتيجية الدفاعية”.

في هذا الصدد فإن ردة فعل الفرس تجاه العرب تدخل في نطاق الإستراتيجية الدفاعية العكسية، على اعتبار أن الفرس يرون في العرب سبب انهيار إمبراطوريتهم الساسانية، رغم أنها أخرجت أهل فارس من جاهلية عبادة الشمس والنور والنار إلى توحيد الخالق الواحد الأحد.

لقد انتبه الفرس إلى أن مواجهة العرب خارج منظومة الشرعية الدينية ستكون مواجهة فاشلة، ولذلك عملوا على تطويع النص الديني من خلال عملية اختراق مشبوهة للمذهب الشيعي، وتشويه نصوصه بما يخدم الأجندة العِرقية للفرس، وقد نجحوا في اختراق جزء مهم من المكوِّن العربي الذي انطلت عليه “تقية” الانتصار لـ”مظلومية آل البيت”، فتحوَّل إلى حطب يُشعِل الدول ويفتت الأوطان، ويخرج على طاعة السلطان.

بالمقابل يرى الأتراك في فشل “إستراتيجيتهم الهجومية”، ومواصلة احتلال للمنطقة العربية “فشلًا حضاريًّا” قضى على أحلام الأتراك في استمرار إمبراطورية ممتدَّةَ الأطراف تتبنَّى الإسلام ظاهرًا، وتفرض عقيدة عنصرية استعلائية باطنًا، ولذلك فإن العبارة الشاذة “متسخين.. هي أول كلمة تقابلك من أول شخص تركي تسأله في استطلاع رأي تقوم به حول: كيف يفكِّر الأتراك في العرب؟”.

لقد نجح الساسة الأتراك في رسم صورة نمطية حول كل ما هو عربي، حتى أصبح المواطن التركي العادي يرى في العربي رمزًا لعدم النظافة، والكسل، وقلة الذكاء، ولتعدد الزوجات، وسوء معاملة الآخر، وبالتالي خلق حالة من الرفض العِرقي للعنصر العربي داخل تركيا، وهو ما يُفسِّر التعامل الاستعلائي للأتراك تجاه السياح العرب.

انطلاقًا مما سبق يتبيَّن أن المنطقة العربية ابتُلِيَت بما يمكن أن نطلق عليه “لعنة الجغرافيا”، وهي اللعنة التي زاد من تأثيرها غياب توجُّه عربي وَحْدَوِي بالنظر إلى أن الدول العربية ليست جميعها على قلب رجل واحد، بل تجد ولاء بعض المكونات العربية للأتراك أو الفرس أكثر من ولائها لوطنها، وهو ما جعلها تتحوَّل إلى طابور خامس ينخر الجسد العربي الجريح.

  1. حسين المصري، صلات بين العرب والفرس والترك.. دراسة تاريخية أدبية، القاهرة، 2001.

 

  1. خالد البري “الترك والفرس ومماليك العرب”، مقالة نُشِرَت على موقع سكاي نيوز عربية على الرابط: https://cutt.us/jHcGC

 

  1. زبغنيو برجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى، ط2 (واشنطن: مركز الدراسات العسكرية، 1999).