ما أخفته كتب الفتوح

عن العلاقات العثمانية الجنوية

لم تكن سيطرة العثمانيين على القسطنطينية سنة (1453) حدثًا عسكريًا عابرًا في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، بل كان زلزالًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا هزّ أوروبا والعالم البيزنطي، وفتح أمام الدولة العثمانية بابًا واسعًا لإعادة ترتيب موازين القوة في الشرق والغرب. ومن هنا لا يمكن قراءة ما جرى بعد ذلك، ولا سيما في علاقة العثمانيين بجمهورية جنوى ومراكزها التجارية، بوصفه مجرد سلسلة من المعاهدات أو الصفقات أو الترتيبات التجارية. فخلف تلك الاتفاقات كانت تقف المدافع، وخلف الامتيازات كان يتحرك مشروع توسعي واضح، وخلف لغة الأمان والصلح والشرعية كانت توجد وقائع أشد قسوة مما أرادت كتب البلاط العثماني أن تظهره.

ومن أبرز من أسهموا في صياغة تلك الذاكرة العثمانية المبكرة عاشق باشا زاده، صاحب كتاب تواريخ آل عثمان، وهو من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تشكل الرواية التاريخية العثمانية. فالكتاب معروف بوصفه أحد مصادر التاريخ العثماني المبكر، وقد طبع في مطبعة عامرة في إسطنبول سنة 1332هـ/1916م، وتذكر المصادر التعريفية أن عاشق باشا زاده عاش في القرن الخامس عشر، وأنه من أوائل المؤرخين العثمانيين. غير أن أهميته لا تعني التسليم بما كتبه، ولا التعامل مع نصه كما لو كان مرآة صافية للوقائع. فهو لم يكتب من خارج النظام العثماني، ولم يكن بعيدًا عن مناخ التمجيد الذي أحاط بسلاطين آل عثمان، بل كان جزءًا من بيئة تاريخية وسياسية ودينية صنعت للسلطان صورة الفاتح، وللدولة صورة الرسالة، وللتوسع العسكري لغة شرعية ترفع الحدث من مستوى الاحتلال والسيطرة إلى مستوى الفتح والمجد. فالرواية العثمانية لم تكن تكتفي بتسجيل ما حدث، بل كانت تعيد تشكيله. تلتقط من الوقائع ما يخدم صورة السلطان، وتتجاوز ما يربك تلك الصورة، وتمنح الجانب العسكري غطاء دينيًا وسياسيًا، حتى يظهر التوسع الإمبراطوري وكأنه استجابة لقدر تاريخي أو واجب شرعي، لا مشروع قوة وهيمنة.

نظرت أوروبا إلى سقوط القسطنطينية بوصفه كارثة كبرى. وقد عبّر إينياس سيلفيوس بكولوميني، الذي أصبح لاحقًا البابا بيوس الثاني، عن وقع الصدمة بقوله إن الكنيسة فقدت إحدى عينيها. ولم تكن الصدمة رمزية فقط؛ فقد هزّت أخبار الدماء التي أريقت بعد اقتحام المدينة مشاعر المعاصرين من رومان ويونان ولاتين، وظهرت في شهاداتهم صور قاسية عن القتل والجثث والخراب الذي لحق بالمدينة بعد الحصار. لكن هذه الصورة، حين تعبر إلى الكتابات العثمانية، تنقلب إلى مشهد آخر تمامًا. فالمدينة في تلك الروايات لا تبدو مدينة منهكة بعد حصار مرير، ولا فضاءً خرج من حمام دم، بل تكاد تظهر كأنها استقبلت الفاتح بالأمان والرضا، وكأن السكان فرحوا بمروره في طرقاتها. وهكذا تتحول القسطنطينية المجروحة في شهادات المعاصرين إلى قسطنطينية مطمئنة في ذاكرة المنتصر.

ضمن سياق السردية العثمانية وطمس العنف.

والسؤال هنا لا يتعلق بإنكار القدرة العسكرية لمحمد الثاني، ولا بإنكار أن الحصار كان من أعقد العمليات العسكرية في زمانه. فالمدينة كانت ذات حصانة طبيعية وعسكرية هائلة، ولم يكن اقتحامها أمرًا يسيرًا. لكن الإشكال يكمن في تحويل ذلك الحدث إلى رواية مقدسة لا تقبل النقد، وفي تغطية ما رافقه من عنف وفوضى وانهيار أمني بعبارات الأمان والشرعية. فإذا كانت بعض الروايات تذكر أن المدينة بقيت بلا أمن حقيقي أيامًا بعد الاقتحام، فمن حق الباحث أن يسأل: أين كانت سلطة الفاتح في تلك اللحظات؟ وكيف تتحول الفوضى إلى أمان بمجرد أن تكتبها أقلام البلاط؟ ولماذا يصبح كل ما جرى بعد الحصار داخلًا في باب المجد، لا في باب المساءلة التاريخية؟.

حين نتحدث عن جنوة في هذا السياق، فالمقصود ليس مدينة جنوة الواقعة شمال إيطاليا فقط، بل جمهوريتها البحرية وشبكة مصالحها ومراكزها التجارية في الشرق. فقد كانت جنوة قوة بحرية كبرى، ذات تاريخ تجاري عريق، ولها حضور واسع في البحر المتوسط والبحر الأسود، من غلطة بيرا قبالة القسطنطينية، إلى كافا في القرم، وخيوس وفوشة في بحر إيجة وسواحل الأناضول.

بعد سنة (1453)، أصبح الوجود الجنوي أمام واقع جديد: دولة عثمانية سيطرت على القسطنطينية، وأرادت أن تمسك بمفاتيح التجارة والبحر والمضائق. وهنا لم تكن العلاقة بين الطرفين علاقة حرب دائمة فقط، ولا علاقة سلم مستقرة فقط، بل كانت مزيجًا من الخوف والمصلحة والتفاوض والقهر. فالغرب أدرك أن العثمانيين قادمون، وأن سقوط القسطنطينية لم يكن النهاية بل البداية. لكن المشكلة الأوروبية الكبرى أنها لم تتمكن من بناء موقف عسكري موحد. كانت المصالح التجارية تمزق المواقف، وكانت الخصومات بين جنوة والبندقية وغيرها من القوى البحرية تمنح العثمانيين فرصة واسعة للمناورة. وكما تكشف دراسات التجارة في تلك المرحلة، لم تكن العلاقة بين العثمانيين والجنويين منقطعة قبل (1453)، بل كانت فيها اتصالات ومعاهدات ومصالح متبادلة، رغم الصدامات والتحالفات المضادة أحيانًا. وهذا بالضبط ما جعل التجارة مدخلًا للنفوذ. فحين تعجز أوروبا عن التوحد، وحين يغلب التاجر على الفارس، وحين تصبح المصلحة الخاصة أقوى من الخطر العام، يصبح الطريق مفتوحًا أمام القوة الصاعدة كي تفرض شروطها.

حي غلطة بيرا، الخاضع للنفوذ الجنوي، كان نموذجًا واضحًا لهذه السياسة. فبعد فتح القسطنطينية، سلّمت غلطة لمحمد الثاني بموجب عهد، وأُعلن الأمان لأهلها وممتلكاتهم، لكن ذلك لم يمنع إخضاعها للإدارة العثمانية المباشرة، وتعيين مسؤول عثماني وقاضٍ فيها، وإلغاء وضعها السابق كمستعمرة جنوية شبه مستقلة. وهنا تظهر طبيعة السياسة العثمانية بوضوح: لا ضرورة دائمًا للإبادة الكاملة أو التدمير الكامل ما دام الهدف السياسي والاقتصادي يتحقق بطريقة أخرى. فالأمان قد يبقى في النص، لكن السيادة تنتقل. والامتيازات قد تستمر جزئيًا، لكن الاستقلال ينتهي. والتجارة قد لا تُغلق، لكنها تدخل تحت رقابة القوة الجديدة. هذه ليست سياسة تسامح خالصة كما تريد الرواية العثمانية أن تقدمها، وليست كذلك مجرد اتفاق تجاري بريء. إنها صيغة من صيغ السيطرة: احتواء، ثم إخضاع، ثم إعادة توظيف للمكان والسكان والتجارة في خدمة المركز العثماني الجديد.

من الروايات اللافتة التي تكشف تناقضات تلك المرحلة ما يذكر عن بعض التجار الجنويين الذين كانوا يواصلون حياتهم ومصالحهم في لحظات كان فيها العثمانيون يقصفون القسطنطينية. فبينما كانت المدافع تضرب الأسوار، كان بعض التجار يتناولون عشاءهم على متن السفن، وكأن الحرب حولهم ليست إلا مشهدًا بعيدًا، أو كأن السياسة والتجارة قادرتان دائمًا على إيجاد ممر بين الدم والربح. هذا المشهد، مهما بدا غريبًا، يختصر طبيعة المرحلة. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة بين دينين أو عالمين، كما صورتها بعض الكتابات، بل كانت أيضًا صراع مصالح، وتجارة، وموانئ، وامتيازات، وأسواق، وطرق بحرية. كان العثمانيون يضربون بالقوة حين يحتاجون، ويفاوضون حين يخدمهم التفاوض. وكان الجنويون، مثل غيرهم من القوى البحرية، يحاولون حماية مصالحهم حتى في قلب العاصفة. ومن هنا فإن دراسة التاريخ الاقتصادي تكشف ما تخفيه كتب الفتوح. فالوثائق التجارية، وصكوك البيع والشراء، ودفاتر التجار، ورسائل السفراء، وتعليمات المجالس، وسجلات الأسعار والنزاعات، تقدم وجهًا آخر للتاريخ؛ وجهًا لا يظهر في نصوص المناقب التي تجعل السلطان بطلًا دائمًا، والدولة صاحبة رسالة دائمة، والخصوم مجرد عوائق في طريق المجد.

من أهم ما يميز دراسة العلاقات العثمانية الجنوية أن مادتها لا توجد في المصادر العثمانية وحدها. فهناك أرشيفات البندقية وجنوة وفلورنسا، وفيها رسائل التجار، وتعليمات المجالس، وصكوك البيع والشراء، وبيانات السلع، ومعلومات عن الأسعار والنزاعات التجارية والمعاهدات. وهذه الوثائق لا تروي التاريخ بلغة السلطان، بل بلغة المصلحة والخسارة والربح والخوف. ولهذا يصبح من الخطأ المنهجي الاعتماد على الرواية العثمانية وحدها. فهذه الرواية، خصوصًا عند عاشق باشا زاده ومن سار في طريقه، كتبت داخل أفق سياسي واضح، وكانت تميل إلى تحويل التوسع إلى فتح، والغلبة إلى شرعية، والسيطرة إلى رسالة. بل إن بعض المؤرخين الذين جاءوا بعد عاشق باشا زاده اعتمدوا عليه مصدرًا رئيسيًا، ومنهم نشري، الأمر الذي جعل كثيرًا من الأخبار تنتقل من نص إلى آخر، لا لأنها موثقة بالضرورة، بل لأنها دخلت مبكرًا في السردية العثمانية ثم جرى تكرارها. وهنا تكمن الخطورة: إذا كان المصدر الأول متأثرًا بالرواية السلطانية، فإن من يبني عليه قد يعيد إنتاج الانحياز نفسه، لكن في صورة تبدو أكثر رسوخًا لأنها تكررت في أكثر من كتاب. ومما يزيد الإشكال أن عاشق باشا زاده نفسه يذكر أو يستند إلى مواد أقدم، منها ما ينسب إلى يخشى فقيه، لكن الأصل الذي يفترض أنه اعتمد عليه مفقود، أو غير متاح للمقارنة المباشرة. وهذا يجعل التعامل مع تلك الأخبار محتاجًا إلى حذر مضاعف، لا إلى تسليم تلقائي.

لم تكن المصادر العثمانية وحدها هي التي تحدثت عن تلك المرحلة. فهناك كتابات بيزنطية لم تحظَ في كثير من الدراسات العربية والإسلامية بالعناية الكافية، مثل كتابات باخيمرس وغريغوراس ودوكاس وكنتاكوزينوس، وهي كتابات تناولت التوسع التركي والسياسة البيزنطية، وتطرقت إلى الأنشطة التجارية والاقتصادية، ولو بدرجات متفاوتة. فصحيح أن المؤرخين البيزنطيين لم يكتبوا دائمًا في الاقتصاد بالوفرة التي يتمناها الباحث، لكن إشاراتهم تظل مهمة، لأنها تمنحنا زاوية أخرى غير زاوية المنتصر العثماني. فهي تكشف أثر التوسع التركي على الإمارات والمجتمعات والطرق التجارية، وتضع الأحداث في سياقها البيزنطي والأوروبي، لا في سياق الرواية العثمانية وحدها.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكتابات العربية، مثل ابن بطوطة والعُمري وغيرهما. فرغم شح المصادر العربية المبكرة التي تتناول ما قبل سنة (1453) تفصيلًا، فإن قيمتها تكمن في أنها لا تنتمي إلى جهاز التأريخ العثماني الرسمي، ولا تتحرك دائمًا داخل منطقه الدعائي. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الكتاب الذي يرد أحيانًا في العربية بعنوان قريب من تاريخ الملوك العثمانيين للأحمدي، هو في الأصل مرتبط بما يعرف عثمانيًا باسم داستان تواريخ ملوك آل عثمان، وهو من النصوص المبكرة التي ينبغي الرجوع إليها عند دراسة البدايات العثمانية، لا تجاهله لمصلحة نصوص لاحقة أكثر شهرة.

حتى الوثائق العثمانية الرسمية، مثل القانون نامه وبعض السجلات التي تعود إلى عهد السلطان محمد الثاني أو بعده، لا ينبغي أن تقرأ بلا حذر. فهي مهمة بلا شك، لكنها ليست دائمًا معاصرة تمامًا للأحداث التي نريد دراستها، وقد تكون كتبت في مرحلة لاحقة لتقنين أوضاع سابقة أو إعادة صياغتها إداريًا. وهنا ينبه بعض الباحثين إلى خطورة التعامل مع هذه النصوص كما لو كانت تصويرًا مباشرًا للماضي. فهي تصلح كمؤشرات، لكنها لا تكفي وحدها لبناء رواية كاملة. فالوثيقة المتأخرة قد تخبرنا عن شكل الإدارة حين كتبت، لكنها لا تكشف بالضرورة كل ما جرى عند لحظة السيطرة الأولى. لذلك لا بد من المقارنة: الرواية العثمانية مع الوثيقة الجنوية، والسجل الإداري مع رسالة التاجر، والنص البيزنطي مع الدفتر التجاري، والمخطوط العربي مع الحولية العثمانية. بهذه الطريقة فقط يمكن الاقتراب من صورة أكثر واقعية، بدل الاكتفاء بصورة السلطان كما رسمها مؤرخوه.

إن دراسة العلاقات العثمانية الجنوية تكشف أن التوسع لم يكن عسكريًا فقط. فالقوة العسكرية فتحت الطريق، لكن التجارة ثبتت السيطرة. والاتفاقات لم تكن دائمًا علامة سلام، بل كانت أحيانًا وسيلة لاحتواء الخصم، وإعادة توجيه مصالحه، وربطه بالنظام الجديد. ومن هذه الزاوية، تبدو بعض السياسات العثمانية قريبة من سياسات القوى الاستعمارية التي تستخدم الشراء، والامتياز، والمعاهدة، والضغط الاقتصادي، ثم تجعل السيطرة العسكرية نتيجة طبيعية لما سبق. فالاستحواذ على الأراضي والموانئ والأسواق لا يتم دائمًا بالسيف وحده، بل قد يبدأ بصك بيع، أو اتفاق تجاري، أو امتياز، أو حماية مزعومة. وهذا لا يعني أن العثمانيين اخترعوا هذه الأساليب وحدهم، فهذه لغة إمبراطوريات قديمة وحديثة. لكن المشكلة أن الرواية العثمانية حاولت دائمًا أن تلبس هذه السياسات لباسًا شرعيًا، وأن تقدمها كما لو كانت توازنًا عالميًا أو عدلًا سياسيًا، بينما تكشف الوثائق والوقائع أنها كانت جزءًا من مشروع إمبراطوري توسعي لا يختلف في جوهره عن مشاريع السيطرة الأخرى.

لا يبدو أن السياسة الاقتصادية لمحمد الثاني انفصلت جذريًا عن سياسات من سبقوه، بل يمكن القول إنها امتداد أكثر حزمًا وفاعلية لها. فقد أدركت الدولة العثمانية أن السيطرة على التجارة لا تقل أهمية عن السيطرة على الأسوار، وأن الإمبراطورية لا تعيش بالسيف وحده، بل بالميناء والضريبة والامتياز والسوق. ولهذا لا يمكن اختصار تراجع بعض أشكال التبادل التجاري بين جنوة والعثمانيين في سياسة محمد الثاني وحدها، كما لا يمكن تجاهل أن بلاطه ظل مقصدًا لتجار إيطاليين وجدوا في التعامل معه مصلحة وربحًا. غير أن هذا التعامل لم يكن دليل براءة، بل دليل قدرة على تحويل التجارة إلى أداة سياسية. فالنتيجة النهائية لم تكن حرية تجارية مستقلة، بل إدخال التجارة في المجال العثماني، وضرب المصالح التي لا تخضع له، وإبقاء التوسع العسكري مستمرًا دون أن يفقد النظام الجديد قدرته على الاستفادة من خبرة التجار وشبكاتهم.

واللافت في كثير من الكتابات الغربية أنها لا تتحرج من استخدام مفردات مثل: الاحتلال، الاستعمار، المستعمرات، السيطرة الإمبراطورية عند الحديث عن التوسع العثماني. أما في كثير من الكتابات العربية والإسلامية، فقد غلب خطاب التمجيد والتقديس، حتى صار من الصعب على بعض المؤرخين وصف الأشياء بأسمائها. فالتوسع يصبح فتحًا دائمًا، والاحتلال يصبح تحريرًا، والسيطرة تصبح حماية، والضرائب تصبح نظامًا، وإسكات الشعوب يصبح استقرارًا. وهكذا لا يعود التاريخ دراسة للوقائع، بل يتحول إلى دفاع عن صورة مسبقة. وهنا تكمن خطورة السير خلف عاشق باشا زاده وغيره من مؤرخي السردية العثمانية دون نقد. فهؤلاء لم يكتبوا خارج زمنهم ولا خارج مصالح دولتهم. كتبوا تاريخًا على مقاس السلطان، وجعلوا من آل عثمان مركزًا للمجد، ومن توسعهم امتدادًا للرسالة، ومن خصومهم عوائق في طريق التاريخ. أما القراءة الجادة، فلا تكتفي بهذه الصورة. إنها تفتح الأرشيفات، وتقارن الروايات، وتقرأ شهادات الرومان واليونان واللاتين، وتعود إلى الوثائق التجارية، وتضع النص العثماني في موضعه الصحيح: مصدر مهم، لكنه ليس الحقيقة كلها.

إن العلاقات بين جمهورية جنوة والدولة العثمانية بعد (1453) تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية صناعة التاريخ حين يكتبه المنتصر. فالرواية العثمانية حاولت أن تقدم السيطرة على القسطنطينية وما تلاها بوصفها فتحًا عادلًا، وأن تصور التعامل مع الجنويين بوصفه سياسة أمان وتنظيم، بينما تكشف القراءة المقارنة أن وراء ذلك شبكة معقدة من الخوف، والمصلحة، والضغط، والاتفاقات، والعنف، وإعادة تشكيل المجال التجاري والسياسي.

ولذلك فإن دراسة هذه المرحلة لا يجوز أن تبقى أسيرة كتب المناقب ولا نصوص البلاط. فالتاريخ لا يقرأ من جهة واحدة، ولا يؤخذ من لسان السلطان وحده. وما كتبه عاشق باشا زاده وأمثاله يجب أن يقرأ بوصفه جزءًا من مشروع الذاكرة العثمانية، لا بوصفه حكمًا نهائيًا على الماضي. لقد كانت جنوى، بمراكزها الشرقية وشبكاتها التجارية، شاهدًا على وجه آخر للتوسع العثماني: وجه لا يكشفه خطاب الفتوح بسهولة، لكنه يظهر بوضوح في الوثائق، والمعاهدات، وسجلات التجارة، وشهادات الذين رأوا الحدث من خارج قصر السلطان. ومن هنا فإن الواجب ليس إنكار التاريخ، بل تحريره من القداسة الزائفة. فبين ما حدث فعلًا، وما أراد مؤرخو آل عثمان أن يبقى في الذاكرة، مساحة واسعة لا يملؤها إلا البحث، والمقارنة، والجرأة على تسمية السيطرة باسمها الحقيقي.

  1. أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة (إسطنبول: وقف البحوث العلمية، 2014).

 

  1. إيلبير أورتايلي، إعادة استكشاف العثمانيين، ترجمة: بسام شيحا (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009).

 

  1. محمد شعبان صوان، يوميات السلطان: الحوادث الهامة في تاريخ الدلة العثمانية ودلالاتها (الجزائر: دار الروافد للنشر، 2020).

 

  1. كات فليت، التجارة بين أوروبا والبلدان الإسلامية في ظل الدولة العثمانية، ترجمة: أيمن الأزماني (الرياض: مكتبة العبيكان، 1425هـ).