خلال حملته على الأحساء للسيطرة على الموارد المالية والاقتصادية

الإمام عبدالله بن فيصل أفشل "مدحت باشا" في التفرقة بين السعوديين

أحدثت الدولة السعودية الثانية قلقًا ومصدر استفزازٍ للسلطنة العثمانية، التي كانت تسعى إلى تحويل حدود السعوديين إلى أراضٍ عثمانية مع القبول بمنحهم نوعًا من الحكم الذاتي تحت السيادة السياسية للباب العالي، ولقد لجأ سلاطين آل عثمان إلى جميع الوسائل المُمكنة لاستمرار حالة وضع اليد على الجزيرة العربية وعدم السماح بقيام أو تأسيس دولة سعودية بإمكانها استرداد الحرمين الشريفين إلى الحاضنة العربية، ومن ثم حرمان الأتراك العثمانيين من الصبغة الشرعية التي يقصدون منها شرعنة تدخلهم المباشر في الأراضي العربية من دون وجه حق.

في هذا السياق، حاول العثمانيون اختراق البيئة الداخلية في الجزيرة العربية لبث الخلافات بين أطرافها، لإيجاد منفذ لشق الصف وتشجيع طرف على آخر من أجل تعميق الشرخ داخل الوطن الواحد، ولتكون التبعية مضمونة لهم.

وفي تطبيقٍ عملي لهذا التكتيك الخبيث شكّلت حملة مدحت باشا على الأحساء، إحدى مظاهر “قصة الشيطان مع إخوة يوسف” وأكدت بأن مبادرات توحيد الصف وإصلاح ذات البين كانت أخرى اهتمامات من ظلّوا يدندنون بشعارات “الخلافة الإسلامية” و”الوحدة الإسلامية”، فالهدف الحقيقي للحملة كان رغبة مدحت باشا في مد نفوذ الدولة العثمانية على الخليج العربي، خاصة أن إخضاع الأحساء كان ضرورةً استراتيجية للتوسع في مناطق الخليج العربي لمكانتها الاقتصادية، وما يتوفر فيها من خيرات جعلتها محط أطماع العديد من القوى الاستعمارية.

حاول العثمانيون إيجاد منفذ لهم على الخليج العربي للمشاركة في التنافس الاستعماري.

في هذا الصدد، جاءت حملة مدحت باشا (1871) لتحقق هدفين استراتيجيين متكاملين؛ يتمثل الأول في مد نفوذهم للخليج ومنافسة القوى الاستعمارية فيه على خيراته، والثاني الاستفادة من القطيف والأحساء الغنية بالموارد العينية والمالية، وهنا نجد مدحت باشا يشير إلى مبررات الحملة ودوافعها في إحدى رسائله للباب العالي فيقول: “إذا كان لتلك المناطق من خلاص بقوة الدولة ومعونتها فإن تشكيل متصرفية مثلا يتيح الاستفادة ماليًّا من القطيف والأحساء اللتين تبلغ وارداتهما وحدهما مائتي ألف ريال”.

كشف السعوديون نوايا العثمانيين في السيطرة على الأحساء، وهو ما أكده مدحت باشا نفسه في مذكراته حيث قال بأن الإمام عبدالله بن فيصل على رغم الإغراءات العثمانية التي قدمت له إلا أنه لم يرضَ بالتبعية فعليًا للعثمانيين، لأنه لا يقبل إلا أن يكرر تاريخ آبائه وأجداده في تأسيس وطنٍ حر، لا قوة تعلو على قوته في حدوده، لذلك قال مدحت عن سياسة الإمام عبدالله: “وكان جل مقصده الاستقلال وإعادة موظفي الحكومة العثمانية”، أي طردهم من حدوده.

إن عقود الصراع (السعودي-العثماني) جعلت أئمة الدولة السعودية على قناعة بأن تدخل الأتراك في شؤونهم الداخلية، أو دعم طرف على آخر لم تكن خلفياته بريئة، وإنما الهدف منه إيجاد منفذ لإخضاع الدولة السعودية لسلطانهم، وهو المعطى الذي تنبه إليه الإمام عبد الله بن فيصل فرفض الخضوع لحكم العثمانيين، وهو الرفض الذي عبّرت عنه مذكرات مدحت باشا حين أشارت إلى أن الباشا العثماني “أرسل إلى عبدالله الفيصل المكاتيب ورسلا فلم يُلب طلبه”، وهو ما دعا مدحت إلى محاولة تثبيت قوته بالأحساء بتعيين القومندان نافذ باشا متصرفًا عليها، ليكون عدوًّا حقيقيًّا بالقرب من عاصمة السعوديين.

حاول العثمانيون الإشاعة بأن حملة مدحت باشا على الأحساء إنما هي حملة متصالحة مع السعوديين، ولفرض قوة قريبة متحكمة بهم، وهو ما كان مرفوضًا منذ عقود، وعبَّر عنه أئمة الدولة السعودية قبل أكثر من قرن من الزمان بالإصرار على استقلالهم وعدم خضوعهم لأيِّ سلطة أجنبية عثمانية أو غيرها.

وبحسب الأحداث التي تلت حملة مدحت باشا على الأحساء؛ نلحظ أن العثمانيين كانوا يراوغون ويتبعون تكتيكًا خبيثًا بمحاولة تغليف نواياهم الاستعمارية بالمهادنة ومحاولة تمييع القضايا، والتأكيد على أن أراضي السعوديين يجب أن تخضع لهم. بينما لم يكن الإمام عبدالله بن فيصل ليقبل أي نوعٍ من الخضوع أو التنازل للعثمانيين، لذلك كان مُتيقظًا لهم وكاشفًا لسياستهم، فذاك أجبرهم على كشف حقيقتهم في أنهم لا يختلفون عن أي محتلٍّ أجنبي، يحاول فرض نفوذه وسيطرته ويحقق المزيد من المكاسب من خيرات وطنٍ يشمئز لوجوده فيه.

وعلى الرغم من أن العثمانيين احتلوا الأحساء سنة (1871)، إلا أن بقاءهم فيها لم يكن بقاءً مريحًا، إذ ظلَّت حاميتهم فيها تعيش في قلقٍ دائم، عبَّر عنه الإحسائيون في كثير من الأحداث التي جرت بينهم، والمواجهات التي دونها التاريخ من الأهالي الذين أجبروا المحتل التركي على التخفي في الحصون وخلف الأسوار حتى تطهير الأحساء على يد المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن سنة (1913).

  1. أمين سعيد، تاريخ الدولة السعودية (بيروت: دار الكاتب العربي، د.ت).

 

  1. سعود بن هذلول، تاريخ ملوك آل سعود (الرياض: مطابع الرياض، 1961).

 

  1. عبدالله العثيمين، تاريخ المملكة العربية السعودية (الرياض: مكتبة العبيكان، 1997).

 

  1. عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، تحقيق: عبدالرحمن آل الشيخ، ط3 (الرياض: وزارة المعارف، 1974).

 

  1. مذكرات مدحت باشا، تعريب: يوسف كمال بيه حتاته (القاهرة: المطبعة هندية، 1913).

 

  1. حسين الشريفي، “إقليم الأحساء: دراسة في أوضاعه الداخلية 1871-1913م”، مجلة مركز بابل، ع.1، حزيران (2011).