تسببت -بشكلٍ غير مباشر- في رحيل غُزاة الجزيرة العربية سنة (1840)

الأوروبيون أنقذوا العثمانيين بـ "لندن" بعد أن ارتدَّ عليهم واليهم في مصر

لم يكن الوالي العثماني على مصر -محمد علي باشا- أكثر من كونه سياسيًّا غلبه الطموح لدرجة جعلته يحلُم بأنه سيرث الشرق العربي كله، أو ربما سلطنة العثمانيين كلها، خاصةً أن أسياده العثمانيين جاؤوا للشرق خِلسة، وسرقوا العالم العربي، واختطفوا آخر خلفاء العباسيين ليسلبوا العرب حقهم الشرعي في السلطة على أراضيهم.

اعتقد محمد علي باشا، الذي سيّر الحملات على الجزيرة العربية أنه ورث سلطة الدولة السعودية بكل أقاليمها التي امتدت إلى بحر العرب شرقًا، وكل ساحل البحر الأحمر غربًا والمدينتين المقدستين، وتعاظم طموحه بالاقتراب كثيرًا من المحيط الهندي، ليكون ندًا للإمبراطورية البريطانية التي كانت حينها تجوب أعالي البحار.

 وأصبح الباشا يرى العالم من خلال طموح تحقيق إرث ضخم بالسيطرة على طرق التجارة العالمية، وتعاظم الأمر لديه بأن يعتقد قدرته السيطرة على الجزيرة العربية بما فيها الحرمين الشريفين.

طموحات الوالي العثماني تعاظمت ونمت بناءً على ما كان ينتهجه سلاطين العثمانيين بالهيمنة على الأقاليم البعيدة من خلال ولاة شبه مستقلين، يفرضون هيمنتهم عليهم، ويتلاعبون بهم من خلال بناء التحالفات الداخلية والسيطرة على مراكز القوى وصناعة الانقلابات وضربها ببعضها البعض.

تحسست إسطنبول كثيرًا من طموحات الباشا واليها على مصر، ولكنها لم تُرد خسارته، فكلاهما يحتاج الآخر، ولم يجد العثمانيون غيره للتصدي للدولة السعودية الناهضة التي سقطت سنة (1818)، ووجدوها فرصة لتحجيم قوته لمعرفتهم بقوة السعوديين وصلابتهم، بعدما جرّب واليهم في العراق محاربتهم فخسر، ورفض واليهم في الشام الانخراط في حملات العثمانيين على الدرعية.

فرض العثمانيون سيطرتهم على ولاتهم في العالم العربي بالتلاعب بهم من خلال الانقلابات ودعم القوى المختلفة.

استجاب الباشا ولم يكن يعلم أن تلك الأوامر السلطانية تحمل في داخلها فخًّا لتحجيم قواته واستنزاف أمواله وجيوشه، صحيح أن العثمانيين سخّروا له المجندين وزودوه بالأسلحة، لكنهم كعادتهم يستأثرون بالفائدة الكبرى العامة.

على إثر احتلال العثمانيين المؤقت أجزاء من الجزيرة العربية من خلال واليهم محمد علي باشا، توجّه طموح الباشا جنوبًا سعيًا لاحتلال السودان وضمها لملكه، وبعدما استتب له الأمر، وجد السلطان العثماني محمود الثاني المشغول بملذاته أن ثورة كبرى تكاد تطيح بولاية اليونان، فسيَّر جيوشه المنهارة أصلًا، وبعد فشل عسكره طلب من واليه في مصر النجدة والتدخل، وكانت خطة الباشا الاستجابة السريعة لإثبات أهميته، وكان له ذلك، فكاد أن ينتصر لولا تدخل الدول الأوروبية المتمثلة في الروس والإنجليز والفرنسيين، وكادت الخسائر اللاحقة أن تعصف بحكم الباشا، الذي وجد أنه قد حان الوقت لفصل سياساته عن السلطان العثماني، وليعلن انسحابه وعودته إلى مصر.

خسر والي مصر في تلك الحرب حوالي ثلاثين ألفًا من جنده، وفقد معظم أسطوله البحري، بعد الضربة القاصمة التي أنزلها التحالف الأوروبي بالأسطول المصري والعثماني في موقعة نفارين البحرية سنة (1827)، فأحجم محمد علي باشا عن الاستمرار في مجابهة الأوروبيين، ورجعت بقايا أسطوله المُحطّم إلى الإسكندرية.

توقّع محمد علي باشا أن العثمانيين سيقدّرون له خدماته الكبيرة بحربه في الجزيرة العربية، بعد انتصارات السعوديين التي أذلت العثمانيين، خاصةً بعد أن استرد السعوديون الحرمين الشريفين من الاحتلال العثماني التركي، وفي اليونان حيث أُهين جيش السلطنة، إلا أن إحساس إسطنبول بخطر محمد علي باشا دفعها لتهميش دوره والتقليل منه، حتى أن السلطان لم يمنح الباشا إلا جزيرة كريت اليونانية، التي وجدها الباشا إهانة، بعد أن توقع الحصول على أقاليم كبرى مثل الشام.

ولأن الشام كانت بطبيعتها وجغرافيتها حاجزًا طبيعيًّا بين أتراك الأناضول والعالم العربي، تصاعدت أهميتها وأصبحت ساحة صراع دامية منذ احتلال العثمانيين للعالم العربي. لذلك خطط محمد علي باشا أن يضم بلاد الشام إلى ولايته رغمًا عن سلطانه العثماني، حتى يظفر بمواردها الاقتصادية ومهارة أبنائها الحرفية، وساعده في ذلك -كما تؤكد المصادر التاريخية – ضعف الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب اليونانية، ثم الحرب الروسية سنة (1829)، وكثرة الثورات والاضطرابات داخل السلطنة، يضاف إلى ذلك أن محمد علي استطاع أن يضم إلى تحالفاته  بشير الشهابي كبير أمراء لبنان.

واستطاعت قوات والي مصر أن تحقق انتصارات غير مسبوقة في بلاد الشام، فسيطرت على غزة ويافا وحيفا وصور وصيدا وبيروت وطرابلس، وفشلت محاولات الدولة العثمانية في وقف تقدم واليهم، لذا حشد العثمانيون عشرين ألف مقاتل وزحفوا لملاقاته، والتقى الجيشان في سهل الزراعة قرب حمص في إبريل (1832)، وانتصر على سلطنته في عكا الحصينة، ودمشق، وحمص، وتعد هذه المعركة من أهم معارك جيش محمد علي باشا لأنها أول معركة يتقاتل فيها جيشه ضد الأتراك وجها لوجه، وأظهر فيها تفوق جيشه الحديث.

وبعد هذه المعركة تقدّم جيش محمد علي فاحتل حماة وحلب، وانتصر على العثمانيين في موقعة بيلان، واجتاز حدود سوريا الشمالية، ودخل إبراهيم باشا بقواته ولاية أضنة في بلاد الأناضول.

وكانت ولاية أضنه مفتاح الأناضول، كان السلطان محمود الثاني وجهًا لوجه أمام الهزائم التي حاقت بجيشه، وأعدّ جيشًا جديدًا بقيادة الصدر الأعظم “محمد رشيد باشا”، وبلغ قوام هذا الجيش 53 ألف مقاتل، ونشبت معارك شرسة بين الفريقين، انتصر فيها الوالي محمد علي، وكان أهمها موقعة قونية 21 ديسمبر (1832)، التي فتحت الطريق أمامه إلى إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية، إذ أصبحت قاب قوسين أو أدنى من سيطرة الباشا عليها.

على عكس ما اعتقد الكثيرون من خلاف كبير بين الأوربيين والعثمانيين، إلا أنهم يفضلونهم عن غيرهم، وشكّلت انتصارات مصر بقيادة محمد علي قلقًا كبيرًا في أوروبا، وخاصة بعد فتح الطريق أمام جيوشه للانطلاق إلى إسطنبول، بجانب ما أصبح عليه الجيش البحري المصري من قوة، وهو ما شكّل خطرًا جسيمًا على الأوروبيين مستقبلًا.

وسارع الأوروبيون لمساعدة السلطنة العثمانية، وبدأوا في تقوية شوكتها في مواجهة محمد علي باشا، معلنين البدء في وساطة منحازة بالكامل للعثمانيين غير مبنية على انتصارات الباشا على الأرض، وأسفرت عمَّا يسمى بمعاهدة لندن.

انحاز الأوروبيون للعثمانيين ضد محمد علي رافضين أي محاولة استقلال عن السلطنة.

وأعلنت بريطانيا -بكل صراحة- عداءها المطُلق للوالي العثماني محمد علي، وأعلنت ضرورة المحافظة على السلطنة، وانسحاب محمد علي من سوريا؛ لأن وجوده فيها يعني سيطرته على البحر الأبيض المتوسط.

تكفّل الإنجليز بإعداد السياسة والتحالفات اللازمة لاستعادة العثمانيين أقاليم سلطنتهم، إذ قدّم السفير الإنجليزي برفقة بعض السفراء الأوروبيين في إسطنبول مذكرة إلى الباب العالي في 27 يوليه سنة (1839) يطلبون إليه باسم الدول الخمس، النمسا، وروسيا، وإنجلترا، وفرنسا، وروسيا، ألَّا يُبْرِمَ أمرًا في شأن محمد علي، إلا بإطلاعهم واتفاقهم.

وكانت مذكرة الدول إلى الباب العالي، تعد إلغاءً لنتائج معركة نُصيبين التي هُزم فيها العثمانيون أمام واليهم، وكان هذا الجانب انتصارًا لوجهة نظر إنجلترا، أما العثمانيون فقد وضعتهم المذكرة تحت وصاية الدول الأوروبية، وفقدوا بذلك استقلالهم الفعلي.

وافق العثمانيون على طوق النجاة الذي حمله لهم الأوروبيون في 15 يوليه سنة (1840)، وقضت المعاهدة بإخراج محمد علي باشا من سوريا ومنح امتيازات تعهَّد السلطان بتخويله محمد علي باشا بحكم مصر، ما يعني أنه لا استقلال لمصر عن الدولة العثمانية. وجاءت بنود المعاهدة وفق الآتي:

أولا:  أن يخوّل محمد علي وخلفاؤه حكم مصر الوراثي، ويكون له مدة حياته حكم المنطقة الجنوبية من سوريا المعروفة بولاية عكا، بما فيها مدينة عكا ذاتها وقلعتها، بشرط أن يقبل ذلك في مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ تبليغه هذا القرار، وأن يشفع قبوله بإخلاء جنوده من جزيرة كريت والجزيرة العربية، وإقليم أضنة وسائر البلاد العثمانية عدا ولاية عكا، وأن يُعيد إلى تركيا أسطولها.

ثانيًا:  إذا لم يقبل هذا القرار في مدة عشرة أيام، يُحرم الحكم على ولاية عكا، ويُمهل عشرة أيام أخرى لقبول الحكم الوراثي لمصر وسحب جنوده من جميع البلاد العثمانية وإرجاع الأسطول العثماني، فإذا انقضت هذه المُهلة دون قبول تلك الشروط، كان السلطان في حل من حرمانه من ولاية مصر.

ثالثًا: يدفع محمد علي باشا جزية سنوية للباب العالي تتبع في نسبتها البلاد التي تُعهد إليه إدارتها.

رابعًا: تُحكم عكا وفق المعاهدة التي أبرمتها السلطنة العثمانية وقوانينها الأساسية، ويتولى محمد علي وخلفاؤه جباية الضرائب باسم السلطان على أن يؤدوا الجزية، ويتولون الإنفاق على الإدارة العسكرية والمدنية في البلاد التي يحكمونها.

خامسًا: تُعد قوات مصر البرية والبحرية جزءًا من قوات السلطنة العثمانية، ومُعدّة لخدمتها.

سادسًا: يتكفّل الحلفاء -في حالة رفض محمد علي باشا لتلك الشروط- أن يلجأوا إلى وسائل القوة لتنفيذها، وتتعهد إنجلترا والنمسا في خلال ذلك أن تتخذ باسم الحلفاء، بناء على طلب السلطان العثماني، كل الوسائل لقطع المواصلات بين مصر وسوريا ومنها وصول المدد من إحداهما للأخرى، وتعضيد الرعايا العثمانيين الذين يريدون خلع طاعة الحكومة المصرية والرجوع إلى الحكم العثماني وإمدادهم بكل ما لديهم من المساعدات.

سابعاً: إذا لم يذعن محمد علي للشروط المتقدمة، وجرّد قواته البرية والبحرية على إسطنبول، فيتعهد الحلفاء بأن يتخذوا بناء على طلب السلطان كل الوسائل لحماية عرشه وجعل عاصمته بمأمن من كل اعتداء.

بالطبع كانت شروطا مُذلة، رفضها محمد علي باشا كونه هو المنتصر على العثمانيين، لكن الأوروبيين فضّلوا العثماني على غيره، لتمكينهم من سيطرتهم على العالم العربي على عكس ما يقوله البعض من أن الأوروبيين أعادوا العثمانيين، كان الأمر كله مصالح تتقاطع بينهم، لكنهم اتفقوا جميعًا على أنه لا استقلال للعرب خاصة في تلك الحقبة من التاريخ.

  1. السيد فرج، حروب محمد علي (القاهرة: مطبعة التوكل، 1999).

 

  1. عبدالرحمن الرافعي، عصر محمد علي، ط5 (القاهرة: دار المعارف، 1989).

 

  1. عبدالرحمن زكي، التاريخ الحربي لعصر محمد علي الكبير (القاهرة: دار المعارف، 1950).