اختطف الخليفة والخلافة

"سليم الأول": توكل على الشيطان

وقتل المتوكل على الله

لم يكن ليتخيل أحد أن يتسبب المغول في سقوط الخلافة العباسية مرتين، مرة على يد التتار المغول بقيادة هولاكو، ومرة على يد أبناء عمومتهم الأتراك بقيادة سليم الأول، وفي كلتا المرتين طُعن الإسلام ومزّقت العروبة بالسكين نفسها التي صُنعت من ثقافة البراري البدائية.

ففي المرة الأولى؛ أفاق سكان بغداد يوم الأربعاء 9 صفر 656 ه الموافق 14 فبراير 1258 م على وقع خيول المغول بقيادة هولاكو القادم من سهول آسيا الوسطى، وعلى صيحاتهم الغوغائية الأعجمية، فاستباحوا كل ما تطاله أيديهم وهمجيتهم، فأسروا الخليفة المستعصم بالله العباسي، ثم قتلوه وأهل بيته، فاستباحوا بغداد العاصمة الإسلامية التي كانت آية من آيات الدنيا الجميلة، فأعملوا في قتل أهلها حتى بلغ عدد القتلى حسب ما قدرته المصادر التاريخية بنحو المليون، ولم تكتفِ نزعة التدمير والعزة بالإثم لدى المغول بهذه الكمية من الدم المسفوك، بل أضرموا النيران في المدينة في منظر راق لتشفيهم، بعد أن هدموا المساجد والقصور، وخربوا المكتبات بإتلاف ما بها من كتب ومآثر فكرية وعلمية، إما حرقا أو برميها في النهر، فانقلبت بغداد كلها إلى اللون الأحمر القاني، فشوارعها امتلأت بدماء العرب والمسلمين، ومياه نهريْها دجلة والفرات غَصَّت بالكتب التي ساح لون حبرها، لتسجّل تلك اللحظة التاريخية الانهيار الفعلي للدولة العباسية الإسلامية بعد جريمة تاريخية لا تغتفر ولم يشهد لها التاريخ الإسلامي مثيلًا، حتى أن المؤرخ ابن الأثير الجزري وصف سقوط الخلافة قائلًا : “فلو قال قائل منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن: لم يبتلَ العالم بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقابلها ولا ما يدانيها”.

وواصل هولاكو خان زحفه إلى الشام فأخذ حلب ثم دمشق، ثم وجّه جحافل جيشه الأهوج إلى مصر إلا أن السلطان المملوكي قطز أوقف هذا الزحف بانتصاره في معركة عين جالوت الشهيرة ( 658 ه/ 1260 م) وصدّ بذلك كارثة حربية كانت ستأكل المادي والمعنوي في البلاد الإسلامية، مسجلًا إحدى أهم الانتصارات الإسلامية التي غيّرت مجرى التاريخ الإسلامي وأعادت إليه اعتباره الإنساني والحضاري.

هولاكو قتل مليون عراقي.. وحفيده قتل الخلافة الإسلامية برمَّتها

"الجبرتي": صناديق المسكرات رافقت جنود الخليفة

المرجع:

عبدالرحمن الجبرتي ، عجائب الآثار، (مطبعة دار الكتب المصرية، 1998).

على غرار اعترافات الجنود والجواسيس السابقين في العصر الحديث التي يلقونها أمام شاشات التلفزة ويدونونها في بطون الكتب، ينقل لنا المؤرخ المصري المعروف عبدالحمن الجبرتي (توفي: 1825 م)، الذي عاصر الوالي العثماني بمصر محمد علي باشا شهادة بعض جنود جيش الحملة العسكرية لهذا الوالي على الجزيرة العربية عام (1227م) واعترافهم بفساد عناصرها الأخلاقي، فيقول الجبرتي بالنص الذي نحتاج إلى قراءته لأكثر من مرة للغته التراثية، ولنتأكد من سلامة حواسنا عمِّا قالوه من فظائع لا تتفق وصفات المسلمين لنكشف حقيقة ادعاء العثمانيين الخلافة الإسلامية الكاذب: “… ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدَّعُون الصلاح والتورُّع، أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين، ولا ينتحل مذهبًا، وصحبتنا صناديق المسكرات ولا يسمع في عرضينا أذان، ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين، والقوم إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون، المستبيحين الزنا واللواط الشاربين الخمور التاركين للصلاة الآكلين الربا القاتلين الأنفس المستحلين المحرمات وكشفوا عن كثير من قتلى العسكر -العثماني- فوجدوهم غلفًا غير مختونين، ولما وصلوا بدرًا واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف، وبها خيار الناس وبها أهل العلم، والصلحاء، نهبوهم وأخذوا نسائهم وبناتهم، وأولادهم، وكتبهم فكانوا يفعلون فيهم ويبيعونهم من بعضهم لبعض ويقولون هؤلاء الكفار الخوارج، حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته فقال له حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك في الغد، وفيه خرج العسكر المجرد إلى السويس وكبيرهم بونابارته الخازندار ليذهب لمحافظة الينبع صحبة طوسون باشا “.

المرجع:

عبدالرحمن الجبرتي ، عجائب الآثار، (مطبعة دار الكتب المصرية، 1998).

لم يستوعب المسلمون سقوط الخلافة العباسية، وشعروا بأنه لن تقوم لها قائمة بعد تلك الفاجعة، ولحجم الدمار الذي لحق بعاصمتها من قتل علمائها وفقهائها وسلالة آل عباس خلفائها، وتدمير مقوماتها الحضارية من مفردات الثقافة والفكر والمعرفة، وإفقارها من أسباب الحياة المناسبة، إلّا أن خليفة قطز السلطان الظاهر بيبرس أحيا الخلافة الإسلامية من جديد، وأعاد العباسيين إليها، ونقلها لأول مرة إلى القاهرة بعد أن أصبحت بغداد أثرًا بعد عين ولم تعد تصلح مقرًا لها، وكان هذا الإحياء والنقل بمنزلة الحدث المهم ليس في تاريخ مصر وحدها بل في تاريخ العالم لما نتج عنه من عودة القائد الروحي والرمزي للعالم الإسلامي وبذلك عادت القوة المعنوية والروح الدينية لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في فترة لم يكن من المعقول أو المقبول لديهم أن يصبح هذا المنصب فارغًا كإحدى الركائز الرئيسة في النهج السياسي الإسلامي، كما أن بعث منصب الخلافة من جديد من مصر أعطى “الشرعية” لدولة المماليك حيث وجدوا في ذلك ضالتهم ومستندهم التاريخي لحكم البلاد الإسلامية من خلال السبعة عشر خليفة من بني عباس الذين توالوا في تولي منصب الخلافة من مقرها الجديد القاهرة خلال ( 256 ) عامًا، بدءًا بأولهم الخليفة “المستنصر” إلى آخرهم الخليفة “المتوكل على الله الثالث” وظل الحكم طيلة هذه الفترة من الخلافة العباسية بما يشبه وقتنا الحاضر”دستوريًا” فالسلطان المملوكي هو الذي يحكم والخليفة العباسي يظهر إمامًا للمسلمين يلتف عليه لواؤهم.

وفي المرة الثانية؛ وبعد حوالي قرنين ونصف القرن اقتدى السلطان العثماني سليم الأول (ثالث سلاطين الدولة العثمانية) بسيرة المغولي هولاكو، وذهب بشروره وأطماعه السياسية والاقتصادية، باتجاه البلدان العربية ولكن هذه المرة من اسطنبول، وقاد جيشًا إلى مصر موطن دولة المماليك للانتقام لأجداده المغول بعد أن حوّل الهجمات العثمانية عن أوروبا، فانتصر في طريقه في معركة “مَرجْ دابق” قرب حلب السورية عام (922هـ/1516م) واحتل حمص وحماة ودمشق، وأعلن بعد هذا الاجتياح أنه خليفة المسلمين دون مواربة أو خجل أو اتفاق من المسلمين عليه خليفةً، ثم التقى الجيش المملوكي بقيادة طومان باي في معركة الريدانيّة، وأظهر الجيش المملوكي بسالة وشجاعة في الذود عن حياض بلاده إلا أن المدافع العثمانية أنهكته فانتصر عليه ودخل مصر وعاث هو وجيشه فسادًا وتدميرًا وتقتيلا في عاصمتها القاهرة، فقد تمرست يده على القتل حين عزل والده وقتل إخوته وجميع أبناءهم حتى خلى له الحكم من المنافسين؛ ولأن طبيعة الجرائم استدراج أنفس اللصوص الخَرِبة قام سليم الأول بخطف الخليفة العباسي المتوكل على الله الثالث وأسرته وإرساله إلى اسطنبول حتى لا يجتمع حوله العرب وتقوم القائمة على الدولة العثمانية، وفي قصور اسطنبول اللامعة والمرفهة تمت أكبر كذبة عرفها التاريخ الإسلامي ألا وهي كذبة خلافة العثمانيين الإيغور غير العرب، حيث أجبر سليم الأول المتوكل على الله على إعلان تنازله تحت التهديد بالموت عن الخلافة، وأن تؤول من بعد موته إلى السلطان العثماني ويصبح لقبه “خليفة المسلمين”، وما إن قام الخليفة العباسي بتلبية ذلك حتى قتله السلطان العثماني ليكون آخر من تولى الخلافة الإسلامية “الشرعية” ولم يُعْرَف ماذا فعل بأسرته من بعده، ولم يكتف سليم الأول بذلك بل سرق آثار الرسول صلى الله عليه وسلم التي كانت بحوزة المتوكل على الله وهي “سيفه” و “بُرْدته” الشريفة دون أي وجه حق، لتنتقل من موطنها الأصلي العربي الإسلامي إلى غربة في بلاد الأتراك لم تنته حتى اليوم، وبمقتل آخر الخلفاء العباسيين عام (1534مـ) في إسطنبول، تكون الخلافة العباسية بعد خمسة قرون سقطت للأبد ومعها الخلافة الإسلامية وحوّرت زورًا وبهتانًا إلى العثمانيين حتى نهايتهم عام (1924م) كان خلالها التدليس عنوانا للمرحلة فأظهر السلاطين العثمانيون الإسلام وأبطنوا العنصرية حتى إذا ما حان وقت حروبهم مع العرب ظهرت وتجلّت، فغزوا قلوب العامة البسطاء بشعارات إسلامية، واحتلوا دول العالم العربي بإدعاء الوحدة والتنمية حتى إذا ما سلبوا خيراتها وابتزوا أموالها تركوها لثالوث الجوع والفقر والجهل، ينهش كيانها ويقضم سكانها ويفرغها من الحياة الكريمة، وحين كشف العالم وجه اسطنبول القبيح وبدأ بمحاسبتها ثم بقتالها في أنحاء كثيرة سلمت أغلب دول العالم العربي إلى الاستعمار الغربي لضمان سلامة حياة سلاطينها خلفاء البربرية.

بقي شيء واحد قاله التاريخ الخالص الحقيقي ولم يدركه الكثيرون، هو أن المماليك كانوا أشرف من الإيغور في حماية الخلافة الإسلامية، وهم أيضًا لم يتجرؤوا على تلقيب أنفسهم ب”الخلفاء”، وأن العباسيين أخطؤوا خطأ أكبر مما أن يتصوروا تداعياته بإدخالهم الأتراك إلى مؤسسات الدولة وتقريبهم إليهم وهم الذين كانوا يجوبون براري قلب آسيا من أجل الحرب والصراع والسرقة حتى وجدوا موطئ قدم لهم في بلاط الخلافة الإسلامية ك “خدم” و “سُعَاة” فوجدوا أنفسهم أمام ما قام عليه أجدادهم من حب الدماء وإزاحة الآخر فانتقموا من أول مرة دخلوا فيها إلى الأرض الإسلامية وما كان هذا ليرضي ذلك الوفاء لمغوليتهم إلا أن يغتالوا كل ما هو عربي في طريقهم سواء كان إنسانًا أم معنىً أم ثقافةً أم حتى قيمة كبيرة مثل مفهوم “الخلافة”.

المماليك كانوا أشرف من "الإيغور" في حماية الخلافة الإسلامية

(1) ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ، (بيروت دار الكتب العلمية، 1987م).

(2) مهام الخليفة العباسي ووضعيته في القاهرة في عصر سلطنة المماليك، د. دعاء عبد الرحمن علي محمد مصطفى، (مجلة الدراسات التاريخية والاجتماعية، جامعة نواكشوط – كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد 22، 2017).