الشعوبية

فكر عنصري فارسي نشأ على كره العرب

تعتبر “الشعوبية” من أخطر الحركات المتطرفة في التاريخ الإسلامي، وهي حركة مناوئة للعرب في أنحاء بلاد فارس. ويُرجِع البعض أصل الكلمة إلى “شعب” بمعنى الانحياز والتعصب لدى شعب معين، وعلى وجه الخصوص الفرس، ورفض الحكم العربي، فضلاً عن الرغبة في إحياء اللغة الفارسية والديانات الوثنية القديمة.

ويعدُّ العراقي عبد العزيز الدوري أبرز من قام بدراسة ظاهرة الشعوبية في التاريخ الإسلامي. ويفسر الدوري الشعوبية بأنها: “مجمل الحركات السرية التي تتظاهر بالإسلام وتعمل على هدم السلطان العربي الإسلامي، أو الاتجاهات التي تعمل على هدم الإسلام من الداخل”. كما يشير رائد الدراسات الفارسية عبد الوهاب عزام إلى الشعوبية على أنها: “بقايا العصبية الدينية والجنسية عند الفرس”.

بدأت الحركة الشعوبية في الفترات الأخيرة من حكم الدولة الأموية؛ إذ نظر الفرس إلى الدولة الأموية على أنها تمثل حكم العرب سكان الصحراء، هؤلاء العرب الذين لم ينس الفرس المتعصبون أنهم هم الذين أسقطوا الدولة الساسانية، آخر الإمبراطوريات الفارسية. من هنا يرى البعض أن انضمام الفرس- ولا سيما أهل خراسان- للدعوة العباسية، كان بغرض إسقاط الدولة الأموية، والتسلل إلى الحكم عبر الدولة العباسية. ويستند هؤلاء المؤرخون إلى ما قاله أحد مناصري الدعوة العباسية مع أبي مسلم الخراساني قحطبة بن شبيب الطائي حين ذكر أهل خراسان بماضيهم العريق، وكيف سلط الله عليهم العرب، وعندما جار العرب عليهم، واشتد ظلمهم “فسلطكم- أي أهل خراسان- الله عليهم، أي العرب، لينتقم منهم بكم”.

الشعوبية الفارسية... أسقطت الأمويين ونافحت العباسيين بإقحام الأفكار والمعتقدات والأساليب المعادية للعرب.

من هنا نظر الفرس إلى أبي مسلم الخراساني القائد الفارسي الذي ساهم في إسقاط الدولة الأموية، ولعب دورًا في الحكم في بدايات الدولة العباسية، على أنه أحد رموز القومية الفارسية، وباعث مجدها من جديد. حتى أن بعضهم اعتبره بمنزلة خليفة زرادشت، وعدَّه آخرون المنقذ الذي حل فيه بعض من الروح الإلهية.

واتسمت الحركة الشعوبية بصبغة دينية متطرفة، لا سيما من أطلق عليهم في التاريخ بـ”الغلاة”، وهؤلاء جماعة فارسية أحيت من جديد المفاهيم والعقائد المجوسية، وغلفتها بغلاف إسلامي رقيق، واستغل هؤلاء مسألة حب آل البيت، والدعوة العلوية، كغطاء ديني، للخروج على أي سلطة عربية قائمة، لا سيما دولة الخلافة. وتتعدد الفرق الدينية للغلاة، لكنهم يشتركون في الاستناد في عقائدهم إلى الزرادشتية والمزدكية والمانوية. وبعض فرق الغلاة يستندون إلى ديانة واحدة من الديانات السابقة، وبعضهم يستند إلى مزيج من أفكار كل هذه الديانات.

ولم تكتف الشعوبية ببعدها الديني، وإنما امتدت إلى مجالات الأدب في محاولة منهم لمناطحة الثقافة العربية التي كانت قد انتشرت وسادت في بلاد فارس؛ إذ عمل أنصار الشعوبية على إعادة إحياء اللغة الفارسية من جديد، والحد من استخدام العربية لغةً أدبية، والتقليل من شأنها وأهميتها، بل من شأن العرب بصفة عامة.

ومن أشهر تلك الكتابات الشعوبية المناوئة للعرب والعربية، ما كتبه علان الورَّاق الشعوبي الفارسي، فعلى الرغم من كونه أحد النساخ في بيت الحكمة في بغداد في زمن الرشيد والمأمون، إلا أنه وضع كتاب “الميدان في المثالب” قال ابن النديم بأنه: “هتك فيه العرب وأظهر مثالبها”. كما وضع عدة كتب في مثالب قريش. كما تبجح الجيهاني الشعوبي واصفًا العرب بأنهم: “يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان والحيات، ويتعاورون ويتساورون، ويتهاجون ويتفاحشون”.

وأخذت الشعوبية بُعدًا سياسيًّا، لا سيما مع نجاح الفارسي الخراساني طاهر بن الحسين في تكوين أول إمارة فارسية بعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس، والتي عرفت بالدولة الطاهرية، وهي إمارة وراثية، ويصفه البعض بأنه: “خراساني متحمس لفارسيته، ولا يطمئن للعرب أو للمأمون سيده”.

كما نجد قائدًا آخر مثل الأفشين، وعلى الرغم أنه مسلم، يحتفظ بالكتب الدينية الفارسية القديمة، ويقال إنه لم يَخْتَتِن على عادة الذكور من المسلمين، وكان شديد الكره للعرب.

ووصل الأمر إلى ذروته في عصر الدولة السامانية؛ إذ صدرت الفتوى بإجازة الصلاة في الإسلام باللغة الفارسية، في محاولةٍ لإضعاف انتشار العربية.

ويُنهي عبد العزيز الدوري دراسته المهمة عن الشعوبية في التاريخ الإسلامي بنتيجة مهمة مثيرة، حول استمرار الشعوبية حتى الآن فيقول: “هذا لا يعني زوال الشعوبية، خاصةً أن موادها ومقوماتها لم تزل موجودة، وهي حين تكمن إنما تنتظر الظروف المواتية لتواصل نشاطها”.

  1. حسين عطوان، الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول (بيروت: دار الجيل، 1984).

 

  1. عبدالعزيز الدوري، الجذور التاريخية للشعوبية، ط3 (بيروت: دار الطليعة، 1981).

 

  1. عبدالوهاب عزام، الصلات بين العرب والفرس وآدابهما في الجاهلية والإسلام (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2013).

 

  1. عبدالله السامرائي، الشعوبية حركة مضادة للإسلام والأمة العربية (بغداد: دار الرشيد، 1980).

 

  1. نعمة العزاوي، مقالات في أثر الشعوبية في الأدب العربي وتاريخه (بغداد: المكتبة الثقافية، 1982).