تركوا الحكم للجنود واستولوا على ثروات البلاد

حكم الباشوات العثمانيين في الجزائر

لن يكون هناك أسوأ من أمة يقودها مصيرها المحتوم إلى أن تكون تحت لواء الدولة العثمانية، وقتها فقط يبدأ التاريخ في كتابة صفحات الدم والسرقة والتدهور، ولم تكن الجزائر استثناءً من الوطن العربي، إذ دخل العثمانيون إلى شمال أفريقيا في ظروفٍ قلقة عاشتها المنطقة؛ واستمر الإسبان والبرتغاليون في سياستهم العنصرية تجاه المسلمين، فلم يكتفوا بطردهم من الأندلس، وإنما نقلوا هذه السياسة تجاه المسلمين في شمال أفريقيا، وبالفعل كاد الشمال الإفريقي أن يسقط في أيديهم.

وفي الوقت نفسه كانت الكيانات السياسية في بلاد المغرب العربي تتسم بالهشاشة، هذا فضلًا عن التناحر فيما بينها، من هنا وجد الأخوان عروج وخير الدين بربروسا لهما موضع قدم في المنطقة، واستطاعت الدولة العثمانية احتلال معظم شمال إفريقيا بالإيهام بشعار حماية الإسلام والمسلمين من هجمات الإسبان، لكن سرعان ما تكشفت الاستراتيجية العثمانية البغيضة والكارهة للعرب، لذلك تشكلت معارضة محلية للاحتلال العثماني في المنطقة.

ولكن مع استمرار الاحتلال العثماني في المنطقة، ظهرت مشاكل جديدة من نوعٍ آخر؛ إذ بدأت مشاكل الجهاز الإداري والمالي العثماني وتعامله مع الأهالي، ويُجمِع أغلب المؤرخين أن الفترة التي اصطلح على تسميتها بحكم الباشوات في الجزائر (1587- 1671)، كانت فترة صعبة في تاريخ الجزائر، حيث ظهرت مشاكل الاحتلال العثماني، وأثر ذلك على أهالي الجزائر.

اعتادت إسطنبول منذ عام (1587) على إرسال ولاة من طرفها إلى الجزائر، وكان هؤلاء في حقيقة الأمر غرباء عن الجزائر، ولا يعرفون شيئًا عن المنطقة، وكان الباشا يُعيَّن لمدة ثلاث سنوات، ولكن حوادث التاريخ تثبت أنه من النادر أن يكمل أي باشا مدته، وكان باشوات الجزائر مثل غيرهم من الباشوات العثمانيين يشترون مناصبهم بالمال، وبالتالي كان عليهم تعويض ذلك، ولم يكن أمامهم من سبيل سوى جيوب الأهالي الضعفاء المساكين، يُضاف إلى ذلك المشاكل الخاصة بالنظام العسكري؛ إذ كان الجنود يمثلون مركز القوة لأي باشا، فكان الباشوات حريصون على جمع أكبر قدر ممكن من المال تحت بند الضرائب أو غيرها لدفع الالتزامات العديدة عليهم، وعلى رأسها رواتب الجند والهدايا التي يتقرب بها الباشا إلى السلطان وحاشيته.

ومع ضعف الدولة العثمانية بوجهٍ عام، ازداد الأمر سوءًا في الولايات، ولا سيما ولاية الجزائر، خاصة أن الدولة العثمانية اتبعت سياسة التغيير المستمر لهؤلاء الباشوات، وأدى ذلك إلى دفع هؤلاء الباشوات إلى جمع أكبر قدر ممكن من الأموال أثناء فترة حكمهم القصيرة، وكان ذلك يتم عن طريق فرض ضرائب إضافية غير شرعية، فأضعف ذلك من موقف هؤلاء الباشوات وجعلهم موضع سخط وتذمر الأهالي الذين لم يجدوا قوت يومهم، ولذلك شهدت هذه الفترة على وجه الخصوص العديد من ثورات القبائل ضد نظام الحكم، كما ازداد بشدة نفوذ الزعماء المحليين على حساب السلطة المركزية.

فرض باشوات العثمانيين ضرائب باهظة على الأهالي وسرقوا أموالهم ليعطوها للجند.

وفي عام (1659) ازداد الأمر سوءًا عندما قررت الإنكشارية تجريد الباشا العثماني من سلطاته الفعلية، ونقل سلطاته التنفيذية إلى قادتهم من أغوات الإنكشارية. وهكذا أصبح الباشا مجرد ممثل فخري للسلطان العثماني.

ويصف المؤرخ المصري، شوقي الجمل، حال الجزائر تحت حكم الباشوات قائلًا: “يشبه بعض المؤرخين هذه الفترة من تاريخ الجزائر بفترة الفوضى في التاريخ الروماني، حين كان الجنود يسندون شؤون الإمبراطورية لمن يوافق هواهم من القادة، وكان انشغال الباشوات بشؤونهم الخاصة ومحاولة الإثراء بأي طريقة من العوامل التي أدت إلى سقوط هيبتهم”.

  1. شوقي الجمل، المغرب العربي الكبير (القاهرة: مكتبة الأنجلو، 1977).

 

  1. مذكرات خير الدين بربروسا، ترجمة: محمد دراج (الجزائر: شركة الأصالة، 2010).

 

  1. فراي ديغو هايدو، تاريخ ملوك الجزائر، ترجمة: عبدالعزيز الأعلى (الجزائر: دار الهدى، 2013).

 

  1. صالح عباد، الجزائر خلال الحكم التركي 1514-1830 (الجزائر: دار هومه، 2012).

 

  1. مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت).